العنوان محمد عبد الله دراز.. خادم القرآن بين الأزهر والسوربون
الكاتب زكريا علي خالد إسماعيل
تاريخ النشر الثلاثاء 14-يونيو-1994
مشاهدات 77
نشر في العدد 1103
نشر في الصفحة 54
الثلاثاء 14-يونيو-1994
وهبته أسرته ليتزود من «مأدبة الله» فوعى
القرآن في صدره، وهو صغير، فلا بدع أن يرعى الله جهاده وهو كبير فاتصل بالمعهد
الديني بالإسكندرية حتى الثانوية ليلتحق بعدُ بالقسم العالي بالجامع الأزهر
بالقاهرة، فينال درجة (العالمية) بتفوق في اللغة العربية والعلوم الإسلامية.
لكنه ألزم نفسه بتعلم الفرنسية ليتمكن منها،
ثم يُكلف بالتدريس بالقسم العالي بالأزهر فتتألق قدراته، وتنمو مواهبه، ويختار
للسفر إلى فرنسا للحصول على (الدكتوراه) من (السوربون) فيمكث اثني عشر عامًا من
سنة 1355هـ في فترة تموج بالمتغيرات التي طالت المعتقدات والأخلاق، والسياسة
والاقتصاد والاجتماع، حيث سادت المادية أو العلمانية، أو الفاشية أو النازية، أو
الشيوعية. وبرزت آثار الانحلال الأخلاقي في سرعة انهيار فرنسا أمام الزحف النازي،
كما نص على ذلك رئيس جمهورية فرنسا في رسالة وجهها لضمير أمته فور وقوع الكارثة.
وكذلك فإن «النزعة الاستعمارية المتأصلة لدى
أوروبا تعكس «خرابًا أخلاقيًا» من التمييز العنصري، وإذلال الإنسان والفتك
بالأبرياء، ونهب ثروات الشعوب، والتآمر على مصائرها.
ثم اشتدت حدة ودرجة الخراب الأخلاقي بعد الحرب
العالمية، إذ خرجت أوروبا تبحث عن حلول لمشكلاتها الأخلاقية في غير ما أتى به
دينها، ومن هنا أخذت تجري وراء الملل والنحل المستحدثة، من مثل الشيوعية المنتصرة
آنذاك، أو الوجودية، باعتبارها فكرة عن الكون والإنسان. ولم تولِّ وجهها شطر
الإسلام لتعصبها ضده، وقصور المسلمين في تبليغه أو التعريف به، ولما لم تجد ضالتها
فيما لجأت إليه انطلقت جموع الشباب متمردة على القيم الأخلاقية فانكبوا على
المخدرات واقترفوا أبشع الجرائم الجنسية والخلقية والعدوانية.
وسما مبعوث الأزهر على تلك الظروف متحصنًا
برسوخ عقيدة، ووضوح قدوة، ونضوج عقل، واهتداء قلب، واتزان عواطف، وعزز من كل هذه
صحبة كريمة لأسرته.
هذا وكان يمكنه أن ينجز الرسالة في وقت قصير
مع علمه بالفرنسية، ولكن هذا لا يناسب طموحه وغايته، فآثر أن يعمق علمه بمناهج
البحث عند الغرب، ويتعلم بضع لغات أخر، ثم حصل بعد خمس سنوات على درجة (الليسانس)
بالفرنسية ثم شرع في إعداد رسالته.
وحين هجوم الحلفاء لتحرير فرنسا، مما كان
يضطره أحيانًا مع أسرته لقضاء أيام طويلة في مخبأ تحت الأرض، وفي ضوء شمعة، أو
مصباح خافت كان يكتب.
وفي سنة 1947 ناقش الرسالة (خمسة أساتذة) من
(السوربون والكوليج دي فرانس) وعنوانها La Morale Du Koran أي
(الأخلاق في القرآن).
وقد عاد الشيخ الدكتور ليحاضر في كليات الأزهر
وجامعة القاهرة، وتم طبع الرسالة بالفرنسية على حساب مشيخة الأزهر سنة 1950م. وبعد
ربع قرن من ذلك أراد الله أن يقوم بترجمتها من أجاد الفرنسية، وتخصص في اللغة
العربية، وممن تلقوا العلم على يد الشيخ الدكتور، وهو الدكتور عبدالصبور شاهين
الأستاذ بدار العلوم بعنوان: «دستور الأخلاق في القرآن: دراسة مقارنة للأخلاق
النظرية في القرآن». وراجع الترجمة من أتيح له معايشة الشيخ الدكتور في فرنسا
واتصل به أوثق اتصال وهو الدكتور السيد محمد بدوي أستاذ علم الاجتماع بالإسكندرية
(طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت، ودار البحوث العلمية بالكويت، وتقع في ثمانمائة وست
عشرة صفحة).
وتبدأ بمقدمة ثم بابين:
(الباب الأول:
(النظرية الأخلاقية كما يمكن استنباطها من القرآن.
و(الباب الثاني: (الأخلاق العملية.
ويتفرع كل باب إلى خمسة فصول: فالباب الأول يتفرع إلى ما يلي:
- الفصل
الأول عن (الإلزام).
- والثاني
عن (المسؤولية).
- والثالث
عن (الجزاء).
- والرابع
عن (النية والدوافع).
- والخامس
عن (الجهد). وكل
فصل ينتهي بخاتمة، وفي كل فصل يقارن بين ما نادى به أعلام الفكر، وما جاء به
الإسلام.
وفي الباب الثاني يسوق النصوص القرآنية تحت
عناوين خمسة على النحو الآتي:
- الفصل
الأول (الأخلاق الفردية).
- والفصل
الثاني (الأخلاق الأسرية).
- والفصل
الثالث عن (الأخلاق الاجتماعية).
- والفصل
الرابع عن (أخلاق الدولة).
- والفصل
الخامس عن (الأخلاق الدينية، مع ذكر أمهات الفضائل الإسلامية)، وأما تفاصيل
ما جاء فإنها تستحق أن تقرأ.
هذا ومن أعز ما أبدع قلمه في الدراسات
القرآنية كتاب «النبأ العظيم: نظرات جديدة في القرآن» بدأه
سنة 1352هـ (1933م) وأتمه في شعبان سنة 1367هـ (مارس 1957م) وفيه كما ذكر نظرات
جديدة، وأمثلة تطبيقية مبتكرة، وبه منهج تطبيقي لتفسير أطول سورة في القرآن الكريم
(سورة البقرة) ليؤكد من خلال أمثلة جزئية من القرآن وفي سورة كاملة ما ذكره نظريًا
مما يتميز به النسق القرآني الكريم، ويقع الكتاب في مائتين وعشر صفحات (مطبعة
السعادة بالقاهرة 1389 هـ - 1969م).
وخير من يقدم هذا الكتاب من عايش أفكاره حيث
يقول: «أما بعد فهذه بحوث في القرآن الكريم، قدمتها بين يدي دروس التفسير لطلبة
كلية أصول الدين بالجامع الأزهر المعمور، أردت بها أن أنعت كتاب الله بحليته،
وخصائصه، وأن أرفع النقاب عن جانب من الحقائق المتصلة، وأن أرسم الخطة التي ينبغي
سلوكها في دراسته. وقد راعيت في أكثر هذه البحوث شيئًا من التفصيل والتحليل وشيئًا
من التطبيق والتمثيل، فلم أكتف بالإشارة حيث تمكن العبارة، ولا بالبرهان إذا أمكن
العيان، راجيًا بذلك أن تتفتح لها عيون الغافلين، فيجدوا نورهم يسعى بين أيديهم
وبأيمانهم، وأن تنشرح بها صدور المؤمنين، فيزدادوا إيمانًا إلى إيمانهم، ربنا أتمم
لنا نورنا، إنك على كل شيء قدير وبالإجابة جدير».
ويتكون الكتاب من بحثين وأربع مراحل -كما
سماها، فالبحث الأول: في تحديد معنى (القرآن). والبحث الثاني: في
بيان (مصدر القرآن).
وفي المرحلة الأولى: تؤكد استحالة كون القرآن إيحاء ذاتيًا من نفس
محمد -صلى الله عليه وسلم-، وأن طبيعة المعاني القرآنية لا تدرك بالذكاء، أو صدق
الفراسة كأنباء الماضي، وحقائق الغيب.
والمرحلة الثانية: لبيان ممن أخذه محمد -صلى الله عليه وسلم-،
والبحث في «الأوساط البشرية» كالبحث عنه لدى الأميين، فكيف يكون الجهل مصدرًا
للعلم؟ والبحث عنه في العلماء، وكان موقفه منهم موقف المصحح لما حرفوا، والكاشف
لما كتموا، ومن ضاقت به دائرة الجد، لم يسعه إلا فضاء الهزل، وكان العي أستر له من
النطق، وحيرة المعاندين واضطرابهم في الجدل قديمًا وحديثًا، وما جاء عن «نظرية
الوحي النفسي» وليست جديدة.
والمرحلة الثالثة: حول ظروف الوحي
وملابساته الخاصة، وتحليل عوارض ظاهرة الوحي، مع الاستئناس بما كشفه العلم المعاصر.
والمرحلة الرابعة: البحث في جوهر القرآن نفسه عن حقيقة مصدره،
وطبيعة القرآن حجة على سماويته، وبيان حدود القدرة البشرية، وحد الإعجاز، وبيان
النواحي الثلاث للإعجاز اللغوي، والعلمي، والتشريعي، وبيان كون القرآن معجزة
لغوية، والرد على خمس شبهات، ثم كشف جوانب من أسرار الإعجاز.
وفي القشرة السطحية للفظ القرآن جانبان:
الجمال التوقيعي، في توزيع حركاته وسكناته ومداته وغناته، والجمال التنسيقي في وصف
حروفه وتأليفها من مجموعات مؤتلفة ومختلفة، ثم نظرة في لب بيان القرآن وخصائصه:
1- في فقرة فقرة منه، ثم في
«القصد في اللفظ والوفاء بحق المعنى» و«خطاب العامة وخطاب الخاصة»، و«إقناع العقل،
وإمتاع الوجدان»، و«البيان والإجمال» وتطبيق ذلك على آية كريمة، ثم إثبات أن
القرآن إيجاز كله سواء في مواضع إجماله ومواضع تفصيله، ثم طرح تقسيم جديد لمقاييس
الكلام، وإثبات أنه ليس في القرآن كلمة مقحمة، ولا حرف زائد زيادة معنوية، وسر
زيادة الكاف في (ليس كمثله شيء)، ثم بين «الإيجاز بالحذف مع الوضوح والطلاوة» وذكر
مثالًا، ثم
إثبات كل ذلك من خلال بعض السور، ثم الختام بتطبيق ذلك على سورة البقرة كلها.
والحق أن تفاصيل ما ورد في مراحله أعز من أن
تلخص، وأجدر بأن تشاهد، هذا وأشهد أنه ساق أمثلة لم يسبقه إليها أحد -على حد علمي-
وأما أسلوبه فسلاسل من سلاسل الذهب.
وإليكم فقرة مما رد به على قدر ما يسمح به
المقام: «القرآن إذن صريح في أنه لا صنعة فيه لمحمد
-صلى الله عليه وسلم- ولا لأحد من الخلق، وإنما هو منزل من عند الله بلفظه ومعناه،
والعجب أن يبقى بعض الناس في حاجة إلى الاستدلال على الشطر الأول من هذه المسألة،
وهو أنه ليس من عند محمد صلى الله عليه وسلم».
في الحق أن هذه القضية لو وجدت قاضيًا يقضي
بالعدل لاكتفى بسماع هذه الشهادة التي جاءت بلسان صاحبها على نفسه، ولم يطلب
وراءها شهادة شاهد آخر من العقل أو النقل؛ ذلك أنها ليست من جنس الدعاوى فتحتاج
إلى بينة، وإنما هي من نوع الإقرار الذي يؤخذ به صاحبه، ولا يتوقف صديق، ولا عدو
في قبوله منه.
إذ أي مصلحة للعاقل الذي يدعي لنفسه حق
الزعامة، ويتحدى الناس بالأعاجيب والمعجزات لتأييد تلك الزعامة، نقول أي مصلحة له
في أن ينسب بضاعة لغيره، وينسلخ منها انسلاخًا؟ على حين أنه كان يستطيع أن ينتحلها
فيزداد بها رفعة وفخامة شأن، ولو انتحلها لما وجد من البشر أحدًا يعارضه ويزعمها
لنفسه. والذي نعرفه أن كثيرًا من الأدباء يسطون على آثار غيرهم، أما أن أحدًا ينسب
لغيره أنفس آثار عقله، وأعلى ما تجود به قريحته عنه فهذا ما لم يلده الدهر بعد.
اللهم إلا شيئًا واحدًا قد يحيك في صدر
الجاهل، وهو أن يكون هذا الزعيم قد رأى أن في نسبته القرآن إلى الوحي الإلهي ما
يعينه على استصلاح الناس باستيجاب طاعته عليهم، ونفاذ أمره فيهم، وهذا قياس فاسد في
ذاته، فاسد في أساسه.
أما أنه فاسد في ذاته؛ فلأن صاحب هذا القرآن
قد صدر عنه الكلام المنسوب إلى نفسه والكلام المنسوب إلى الله -تعالى- فلم تكن
نسبته ما نسبه إلى نفسه بناقصة من لزوم طاعته شيئًا، ولا نسبة ما نسبه إلى ربه
بزائدة فيها شيئًا، بل استوجب على الناس طاعته فيهما على السواء..
وأما فساد هذا القياس من أساسه؛ فلأنه مبني
على افتراض باطل، وهو تجويز أن يكون هذا الزعيم من أولئك الذين لا يأبون في الوصول
إلى غاية إصلاحية أن يعبروا إليها على قنطرة من الكذب والتمويه، وذلك أمر يأباه
علينا الواقع التاريخي كل الإباء. فإن من تتبع سيرته الشريفة في حركاته وسكناته
وعباراته وإشاراته، في رضاه وغضبه، في خلوته وجلوته، لا يشك في أنه كان أبعد الناس
عن «المداجاة والمواربة» وأن سره وعلانيته كانا سواء.
وللدكتور الشيخ كتب أخرى، وحسبي أني عرّفت
بخدمته للقرآن والدعوة، وآخر عمله اشتراكه في المؤتمر الإسلامي بلاهور بباكستان
سنة 1958 حيث فاضت روحه إلى بارئها وهو في الدعوة، ببلاد الإسلام والمسلمين، وتبقى
الكلمة الطيبة تزكو على مر الأيام.
(*) الموجه للغة العربية
والتربية الإسلامية بالسعودية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل