العنوان أحب إلي من نفسي
الكاتب سمية رمضان
تاريخ النشر السبت 11-مارس-2006
مشاهدات 77
نشر في العدد 1692
نشر في الصفحة 54
السبت 11-مارس-2006
كانت مظاهرة كبيرة اختلط فيها الصغير والكبير، والمرأة والرجل والشاب والفتاة، وجمعت الناس من مختلف الميول والاتجاهات، وقد اجتمعت القلوب وتوحدت المشاعر على أمر واحد وهو نصرة رسول الله محمد ﷺ وتوحدت الأصوات بشكل تلقائي على قول «لا إله إلا الله محمد رسول الله». فأصغت الآذان بلهفة وشوق لهذا الهتاف وقرت العيون بهذا الجمع الذي لم تشاهده منذ عدة سنوات، وتجمع الجميع في أكبر الساحات، وبدأ مهرجان خطابي، كل طائفة تريد أن تشرف بشرف الذود عن رسول الله ﷺ فيكرمها ربها لتحشر مع صالحي المؤمنين، قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ مَولَىٰهُ وَجِبرِيلُ وَصَٰلِحُ ٱلمُؤمِنِينَ وَٱلمَلَٰئِكَةُ بَعدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ﴾( التحريم:4)
ويروى عن رسول الله ﷺ قوله: «إنما وليي الله وصالحو المؤمنين». (رواه مسلم).
وأردنا أن نساهم معهم بحسن الاستماع وأمسك أحدهم بمكبر الصوت وهتف وا محمداه، ثم قال: الحمد لله أننا أمنا برسول البشرية محمد الذي أرسل إلينا جميعًا وقل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ﴾( الأعراف: 158)
وأكد هذا المعنى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾( سبأ: 28)
فهو ﷺ رسولنا ورسولهم، فعلمنا نحن به وسمعنا نداءه هامنا: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ ﴾( آل عمران: 193)
و علموا هم به فكفروا واستهزؤوا به: ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾( يس: 20)
وهذا هو ديدنهم مع كل دين ورسول فقد قالوا إننا قد استهزأنا بالمسيح قبل محمد ماذا في ذلك؟ وصدق ربي: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾(يس: 20)
فقدمًا إلى الأمام في نصرة الرسول الكريم، فإن الله معكم ومع الرسول ﷺ: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾(الحجر: 95) ثم هتف: وا محمداه.
وهتف الجمع الحاشد بهتافه فاهتزت الأرض وتمايلت الأشجار وكأنها تشاركهم هتافهم.
وصعدت للمنصة امرأة في الأربعين من عمرها ترتدي اللباس الإسلامي وطرحتها مكتوب عليها بخط واضح: أحب إلى من نفسي، ثم نظرت للجموع نظرة حب وقالت: طاب ممشاكم وتغمدكم الله برحمته. فإن رسول الله ﷺ يستحق نصرتكم، إذ تشمل تعاليمه وسنته كل حياتنا، وله تأثير عظيم علينا. فمنذ الصباح ونحن نستيقظ بترديد كلماته: أصبحنا وأصبح الملك لله. ونتحرك بحركته فنتوضأ كما كان يتوضأ، ونتجه إلى نفس القبلة التي كان يتوجه إليها، ثم نصلي كما كان يصلي، وكأنه هو من يصلي، ونختم صلاتنا كما كان يفعل، وفي أكلنا وشرينا تتبع هديه، وعند خروجنا نقدم أيماننا، وتردد ما علمنا من دعاء، وتتعامل مع الناس بتوجيهاته ونتعامل مع أنفسنا بإرشاداته وتصل الرحم كما أمر ونوقر آباءنا وأمهاتنا كما أوصى، وتبتعد عن الفحش في الأقوال، ونتواصى بالكلمة الطيبة.
إشراقة النفوس
وعند النوم ترقد جهة اليمين وندعو بحفظ الله لنا كما كان يدعو فهو إشراقة أنفسنا وهوى فؤادنا ﷺ هم استهزؤوا برسولهم، ونحن لا نتجرأ أن نرفع أصواتنا فوق صوت الرسول: ﴿ لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ ﴾( الحجرات: 2)، ﴿ لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾(النور: 63)
هم استهزأوا برسولهم ونحن بحمد الله تلقي عليه السلام يوميًا في صلاة الفروض فقط تسع مرات السلام عليك أيها النبي.
وغادرت السيدة المنصة ثم صعد رجل تبدو على قسمات وجهه الحكمة ويسير بتؤدة وطمأنينة. أمسك الميكرفون وأدار عينيه في الحضور وكأنه يريد أن يحتويهم جميعًا ثم قال: إن الله برحمته أراد لنا الخير فكانت قضية نصرة الرسول ﷺ هي التي فجرت فينا نخوة الغيرة والكرامة بعد طول موات، فقد توافدنا من كل صوب وجهة لنؤدي بعض حق رسول الله ﷺ علينا. فهو رحمة لنا: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾(الحجر: 88)
﴿ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾(التوبة: 128)
فمن معين هذه الرأفة والرحمة أخذ يتردد على مسامعي قول الرسول ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وولده ووالده والناس أجمعين»، «رواه مسلم». وقول الله تعالى:﴿ النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾( الاحزاب: 6)
وطرحت على نفسي سؤالًا: هل رسول الله ﷺ أحب إلي من نفسي حقًا؟ وكانت الإجابة بالنفي، وأنا أسألكم هذا السؤال: بحق الله عليكم هل محمد ﷺ أحب إليكم من أنفسكم؟ كان السؤال، مفاجأة لنا جميعًا وكان الرد مخيبًا لجميع الآمال، فقد كانت بالنفي وتحريك الرؤوس يأسى وحزن وأردف الرجل قائلًا: إذن من هنا نبدأ. كيف يكون ﷺ أحب إلينا من أنفسنا ولن أطيل عليكم، فقد هرعت إلى كتاب الله أبحث عما قدمته الأنفس الأنماط مختلفة من البشر في أزمنة مختلفة حتى أضع هذه النفس في مكانها الصحيح فرأيت عجبًا. وفي نفس الوقت كان البحث عما قدمه لنا جميعًا ﷺ فأنصت الجميع، وكأن على رؤوسهم الطير، فقال:
هناك أنفس لم تأت لأصحابها إلا بمصيبة ﴿ أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾( آل عمران: أيه رقم146)
ونفوس أخرى فتنت أصحابها.
﴿ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ ﴾(سورة الحديد: 14)
ونفوس أخرى قادت أصحابها إلى الضلالة: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾( آل عمران: 69)
ونفوس أخرى قدمت لأصحابها سخط الله: ﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴾(المائدة: 80)
ونفوس أخرى كذبت على أصحابها:﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾( الأنعام: 24)
ونفوس أخرى تكبرت وعتت:﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا ﴾( الفرقان: 21)
ونفوس أخرى ظلمت نفسها:﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ ﴾(سورة فاطر: أيه رقم32)
ونفوس أخرى قدمت لأصحابها مقت الله ومقت أنفها:﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ ﴾(غافر: 10) ولذا يحذرنا ﷺ من النفس التي بين جوائحنا فيعلمنا أن نقول في الدعاء : «اللهم إني أعوذ بك من شر نفسي».
ويحذرنا سبحانه منها أيضًا: ﴿ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ﴾( يوسف: 53)
فمن سبحانه على البشرية بنبي كريم رحمة للعالمين:﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾( الأنبياء: 107)
أسوة حسنة
فجعله حماية لأنفسنا من أنفسنا، وقد جعله سبحانه الشق العملي التطبيقي للقرآن الكريم، فكان ﷺ قرآنًا يمشي على الأرض، ونال رضا الله وكان فضل الله عليه عظيمًا، وجعله ثنا أسوة نقتدي آثاره حتى لا تخطي الطريق: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾( الأحزاب: 21)
وجعل سبحانه طاعة الرسول دليلًا على طاعته ﴿ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ﴾( النساء: 80)
وطاعة الرسول ﷺ طريق إلى محبة الله ورحمته ومغفرته وصلاح البال ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾(سورة النور: أيه رقم56)،﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ﴾(آل عمران:31)،﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ﴾( محمد: 2).
وفي الآخرة تأتي كل نفس تجادل عن نفسها:﴿ يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا ﴾(النحل: 111).
ولكنها لا تملك لنفسها الشفاعة، فيشفع لها رسول الله ﷺ كان فهو عليه السلام بيقين أقرب وأحب لأنفسنا من أنفسنا وقد جعل سبحانه طاعته أقصر الطرق إلى الجنة: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (الشوري: 52).
وبطاعة رسوله ﷺ يشتري منا سبحانه هذه الأنفس التي تصبح باتباع النبي الكريم أنفسًا مطمئنة:﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ﴾( التوبة: 111).
أشرقت وجوه المستمعين بعد أن علتها ابتسامة امتنان وتقدير. وجاء دور الشباب فكانت الكلمة لشاب يعلو وجهه صفاء الإيمان وبدأ بقوله: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾( محمد: 40) وبالفعل هو أغلى من الأب والولد والناس أجمعين، فوجبت له الطاعة. فبقدر سعادتي بهذه المشاعر المتألفة المتحدة الطيبة بقدر حزني لبعدنا عن منهج الرسول ﷺ
وأردت أن أعقد محكمة لمجتمعاتنا الإسلامية يكون ﷺ هو الحكم فيها، فرأيت الكثير من التجاوزات التي بسببها سنذوب خجلًا من رسول الله ﷺ.
فهناك من لا يصلي الفجر في وقته، وآخر عاق لوالديه، وأخرى لا ترتدي اللباس الذي أمر به ﷺ، وتلك لا تحسن التبعل لزوجها، وهذا يخون، وهذا يكذب، وكأننا غفلنا عن قول الله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا ﴾(الأحزاب: 63) وليعقد كل فرد منا لنفسه محاكمة ويتعلم ويسأل عن حكم رسول الله في أمره، فهو الفيصل حتى لا ينطبق علينا قول الله: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ ﴾( النور: 48)
فرسول الله ﷺ صبر على إيذاء الكفار والمشركين وكان دومًا يقول: «اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون». أما مخالفة أمره أو معصيته فكان يغضب لها ويظهر ذلك في حمرة وجهه وتغيره عليه الصلاة والسلام.
ومثال ذلك رماة جبل أحد، فإن معصيتهم الأمر رسول الله ﷺ كانت سببًا في هزيمة المسلمين في أحد لتستفيد من الدرس ويكون لنا عبرة، ونريد أن ننظر لأنفسنا في مرآة الحق ولا نكون ممن قال عنهم سبحانه: ﴿ وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ ﴾( النور: 47)
سعادة وسكينة
فلابد أن يكون هناك في القلوب رضا وتسليم بأمر الله وأمر رسوله، وكلما ازداد حبنا لله ورسوله كانت ترجمة ذلك أن يميل هوانا إلى طاعته ﷺ فتشعر بسعادة وتنزل علينا السكينة وتلزمنا الطمأنينة ونعيش جنة الطاعة في الدنيا.
وفي رواية «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جنت به».
فإن أردنا بحق أن تنصر محمدًا فليكن كل منا محمدًا في أقواله وأفعاله حتى لا تهلكنا براءة الرسول ﷺ ممن عصاه ﴿ فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ ﴾( الشعراء: 216)
فكم من العصاة سيشقون بهذه البراءة في الدنيا والآخرة، وكم من الطائعين وقد شملتهم رحمة الله وحبه وشفاعة النبي ﷺ. فاعملوا أحياتي على نصرة الرسول ﷺ بإحياء كلماته وأفعاله.
واختم حديثي ببراءة منا جميعًا إلى الله فيما عمل هؤلاء القوم وما يدبرون ونسأله سبحانه برحمته هدايتنا والمسلمين أجمعين إلى اتباع رسولنا محمد ﷺ
انتهت الكلمات والجموع كما هي لا تبرح ولا تريد أن تبرح حتى تنصر الرسول وتنتصر بالرسول ﷺ
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل