العنوان محمد إقبال وفلسفة «الذاتية».. الخلفيات الفكرية لمنظومة أسرار خوذي
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 07-نوفمبر-1972
مشاهدات 64
نشر في العدد 125
نشر في الصفحة 12
الثلاثاء 07-نوفمبر-1972
لعل أهم حقيقة
تقال عن فلسفة إقبال هي أنها فلسفة إسلامية، وتلك صفة يضن بها الإنسان على الكثير
من الأعمال الفكرية التي اشتهرت بأنها «فلسفة إسلامية» لمجرد أن أبطالها كانوا مسلمين، فما يدرس الآن في
الجامعات والمعاهد العلمية على أساس أنه فلسفة إسلامية ما هو إلا نتاج ثقافي لرجال
من المسلمين اهتموا بدراسات أخرى وبصفة خاصة الفلسفة الإغريقية والتصوف الفارسي
وثقافات أسيوية أخرى.
أما فلسفة محمد
إقبال فقد نبعت من فكر الرجل الديني، وتمتاز بخصائص هامة يجدر بنا أن نعددها، فهي
أولًا موافقة لروح القرآن الكريم متحررة من الخلط الفلسفي الذي تأثر بتيارات الفكر
الإغريقي والهندي.
وهي ثانيًا، فلسفة
عملية وواقعية تختلف عن تلك التهويمات النظرية التي لا قيمة لها خارج دائرة الجدل
والتجديد.
وهي أخيرًا، قد
ساهمت في تجديد الفكر الديني وإصلاحه وتخليصه من النزعات الانهزامية التي أغرقته
فيها أفكار العهود المتأخرة حيث فترت حرارة العقيدة وطال العهد بأيامها الأولى، أيام
الصفاء الفكري والتوحيد والجهاد.
ومثلما يصبح
التاريخ زيفا يمليه الأقوياء كيفما شاءوا كذلك فقد أصبح الفكر لعبة في أيديهم، يرفعون
من المفكرين من شاءوا بوسائل إعلامهم وتفوقهم الثقافي والمادي ويجبرون بالصمت
والتجاهل كل من لا يعجبهم فكره ودينه.
ومحمد إقبال
كان ضحية هذا التعصب، وضحية أولئك الذين ساءهم أن يشرق روح جديد في فكر الأمة وعقيدتها في الوقت
الذي تهيأ فيه تلامذتهم لبث السم الثقافي في عقول المسلمين.
فلم يبرز للناس
إلا بقدر ما أحسن الظن ببعض المستشرقين أو بقدر ما أحسن الظن بالثورة الكمالية
كبعض مسلمي تركيا الذين نشدوا العزة على يديها.
وقد كتب إقبال
فلسفته شعرًا لاعتقاده بأن الشعر أعظم وقعًا على وجــدان الإنسان الشرقي، ولإحساسه
بأن موقع الإيمان من الإنسان هو القلب وبأن الشعر هو أفصح من يخاطب القلب.
وفي كل أعمال
إقبال الشعرية يجد الإنسان أفكاره من وراء الكلمات ويلمس فلسفته تتخلل تأملاته
وإشراقاته الفكرية وانفعالاته الروحية والعاطفية، ولكن «منظومة أسرار خودي» هي الديوان الرئيسي
الذي ضمنه إقبال فلسفته كاملة.
وفي الطبعة
الأولى للديوان كتب إقبال مقدمة أجمل فيها فلسفته بوضوح إلا أن هذه المقدمة اختفت
في الطبعات التالية، وقد بدأ المقدمة بتساؤل هام:
«هذه الوحدة الوجدانية أو نقطة الشعور المنيرة التي
تستنير بها أفكار الإنسان وعواطفه ورغباته، أمر تحيطه الأسرار، ينظم ما في فطرة
الإنسان من كيفيات متفرقة غير محدودة».
ما هو هذا
الشيء الذي نسميه «أنا» أو «خوذي» الذي يبدو في أعماله ويخفى في حقيقته، والذي يخلق كل
المشاهدات ولكن لطافته لا تحتمل المشاهدة؟ أهو حقيقة دائمة أم أن الحياة تجلت في
هذا الخيال الخادع وهذا الكذب «النافع!» تجليا عرضيا لتحقيق مقاصدها العملية الراهنة؟».
ويعتقد إقبال
أن سيرة الأفراد والجماعات موقوفة على جواب هذا السؤال.
ويقول: إن
الجواب عليه لا يتوقف على المقدرة الفكرية في الآحاد والجماعات بقدر ما يتوقف على
طباعها وفطرتها..
ومن هنا اختلفت
مذاهب الشرقيين الخيالية عن مذاهب الغربيين العملية.
ثم يستعرض
إقبال في مقدمة تاريخ المسألة، ويقول بأن حكماء الهنادك دققوا في حقيقة «العمل» وانتهوا إلى أن حياة «أنا» المسلسلة وهي أصل المصائب والآلام منشؤها العمل وأن حالة
النفس الإنسانية نتيجة محتومة لأعمالها.
ومن ثم فإنه لا
سبيل إلى الخلاص من شرك «أنا» إلا بترك العمل، وكانت رسالة الإسلام في غرب آسيا دعوة
بليغة إلى العمل، فالإسلام يرى أن «أنا» مخلوق ينال الخلود بالعمل.
وقد جاءت
تفسيرات الصوفية للقرآن مشابهة لتفسيرات الهنادك لكتاب «الجيتا»، كما يتضح هذا التشابه بين تفسيرات محي الدين ابن عربي
الأندلسي وشنكر أجاريه في ما يختص بمذهب وحدة الوجود.
من هنا ينبع
موقف إقبال الإسلامي، ومخالفته للصوفية في وحدة الوجود وإنكار الذات والعزوف عن العمل والقوة، وقد
كتب في إحدى رسائله التي رد بها على خصومه:
إن حالة السكر (في اصطلاح الصوفية) تنافي الإسلام وقوانين الحياة، وحالة الصحو (وهي الإسلام)
موافقة قوانين الحياة، وإنما قصد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى إنشاء أمة صاحية (في حالة الصحو)، ولهذا تجد في صحابة رسول الله الصديق الأكبر والفاروق
الأعظم ولا تجد «حافظ الشيرازي».
ويقول في الرد
على وحدة الوجود:
«إن تعليم الإسلام بين وواضح، هو أن ذاتًا واحدة تستحق
العبادة وأن كل الكثرة التي ترى في العالم مخلوقة... ليست عقيدة وحدة الوجود من
تعليم القرآن، فإن القرآن يبين المغايرة التامة بين الخالق والمخلوق أو العابد
والمعبود».
ويقول في رسالة
أخرى:
«الحق أن التماس معان باطنية في قانون أمة هو مسخ لهذا
القانون كما يعلم من سيرة القرامطة، ولا يختار هذه الطريقة إلا أمة في فطرتها
الخنوع والمذلة، ومن شعراء العجم جماعة في طباعهم الميل إلى الإباحة، وهذا الميل
في إيران من قبل الإسلام، وقد صد الإسلام حينا هذا الميل الطبيعي.
ثم عاد فظهر
حينما وجد الفرصة، فوضع للمسلمين أساس أدب يقوم على وحدة الوجود، وقد افتن هؤلاء
الشعراء في إبطال شعائر الإسلام بأساليب عجيبة خداعة وأبانوا عن وجه مذموم في كل
أمر ممدوح في الإسلام. وأضرب بالجهاد مثلاً، فقـد التمس شعراء العجم معنى آخر في هذه الشعيرة التي
يراها الإسلام من ضرورات الحياة.. انظر في هذه الرباعية:
«يسلك الغازي كل سبيل من أجل الشهادة، ولا يدري أن شهيد
العشق أفضل منه.
كيف يستوي هذا
وذاك يوم القيامة، هذا قتيل العدو وذاك قتيل الحبيب»
وهذا جميل في
الشعر، ولكنه خدعة لأبطال الجهاد.
ويقول إقبال في
ديوان «ضرب الكليم»:
تبدلت فاجهد أن
تبدل شرعة
فليس يطيق الظبي شرعة ضيغم
يقصد أن الأمة
ضعفت عن شريعة القرآن فحاولت أن تبدل القرآن ليلائم وضعها الجديد، ولم تحاول أن
تبدل حالها ليلائم القرآن وكتب مرة إلى أحد أصدقائه:
كل شعر التصوف
ظهر في زمان ضعف المسلمين السياسي وكل أمة يصيبها ضعف كالذي أصاب المسلمين بعد
غارات التتار، تتبدل أنظارها ويجمل الضعف في أعينها، وتركن إلى ترك الدنيا، وفي
هذا الترك تخفي الأمم ضعفها وهزيمتها في تنازع البقاء، انظر إلـى مسلمي الهند، فقد
انتهى الأدب عندهم إلى فن الرثاء في لكهنو.
(البقية في العدد القادم)
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل