; محطات انتهاك العدالة في التاريخ الأمريكي | مجلة المجتمع

العنوان محطات انتهاك العدالة في التاريخ الأمريكي

الكاتب أنيسة عبدالفتاح

تاريخ النشر الثلاثاء 05-مايو-1998

مشاهدات 56

نشر في العدد 1298

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 05-مايو-1998

تعرض مفهوم العدالة في تاريخ أمريكا للمراجعة في فترتين وظهر ذلك بوضع شروط على مدى قدرة الأفراد أو المنظمات بما في ذلك الإدارة الأمريكية على استخدام المؤسسة القضائية الأمريكية لإسكات صوت الأقليات والحد من حقوقها.

وكانت الفترة الأولى المعروفة بحملة «سيلم»، في القرن السابع عشر، عندما كان المجتمع الاستيطاني متأثرًا بشعارات وأطروحات «المتظهرين» المتدينين، وكذلك سكان المستعمرات فقد كان من السهل اتهام أي فرد يعبر عن رأي معاكس لتلك الجماعات بالشعوذة والسحر، وكان القانون يجرم أعمال الشعوذة والسحر التي يعرفها بأنها أي عمل يخرج عن إطار التعريف المقبول عند «البيورتيانيين»، في العبادة وكل أمر يمكن اعتباره من السحر كان ينظر إليه على أنه جريمة عقابها الموت.

وقد قام رجال الدين ورجال الشرطة بتجميع العديد من السكان رجالًا ونساء إذا ما اتهمهم جيرانهم بأبسط التهم وقد تعرض العديد من الناس للتحقيق والعقاب، بسبب اتهامات لم يكن من السهل إثباتها أو نفيها، وقد صلب وشنق بعض الأفراد، وأحرق آخرون بالنيران بناء على إشاعات وتلميحات من بعض الأفراد ضد آخرين إما بغرض الانتقام، أو بسبب الخوف والذعر الذي يلحق بعض الناس إذا ما شكوا أن بعض جيرانهم لهم علاقة بالسحر والشياطين.

أما الفترة الثانية، فقد بدأت في الخمسينيات من هذا القرن والتي أخذت اسم الفترة المكارثية فخلال هذه الفترة تعرض الشعب الأمريكي لحملة من الخوف والهيستريا بدأها عضو مجلس الشيوخ «جوزيف مكارثي»، في حملته لاكتشاف ومحاكمة أعضاء الحزب الشيوعي السريين الذين يعيشون في أمريكا، الذين – بحسب زعمه – يتأمرون للانقلاب على الحكومة الأمريكية. ويقول بعض العارفين إن «السيناتور» مكارثي كانت تدفعه عوامل القوة أكثر من دوافع الوطنية في تعديه للحدود المسموح بها لتحقيق العدالة.

وقد أدخل في روع الشعب الأمريكي أثناء الحملة المكارثية أن يخشوا الشيوعية والشيوعيين حتى أنه عندما أخذ مكارثي يتهم الناس في حملته للقضاء عليهم سياسيًا بناء على إشاعات وفي بعض الأحيان – لم يقم الأمريكيون برفع أصواتهم حتى ولو لحماية حقوقهم الدستورية التي كانت تتعرض للانتهاك من خلال حملات مكارثي غير الدستورية.

كان بعض الأفراد يتهمون، ثم يلاحقون، ويتعرضون للمطاردة والملاحقة من قبل الأجهزة الحكومية وكانت أجهزة هواتفهم تحت المراقبة وقد تتعرض سمعتهم للتشويه لأنهم قد يكونون تحدثوا لفرد اشتبه في أنه شيوعي أو حضر اجتماعًا أو عبر عن رأي فسر بأنه متعاطف مع الشيوعيين.

 تعلم الشعب الأمريكي من خلال هاتين الفترتين المظلمتين في تاريخه كيف أن العدالة والحرية يمكن أن يهددها الخوف أو الهلع من بعض الجماعات التي قد تتعرض لحملة مغرضة بسبب الذهنية النمطية المستخدمة من بعض الناس ضد آخرين، إما بغرض السيطرة عليهم أو القضاء عليهم وتتعرض حقوق المواطن الأمريكي بسبب هذه الحملات للانتهاك والانتقاص والاتهام.

وقد جرى استدعاء الدكتور عبد الحليم الأشقر الرجل الأكاديمي النشط في ميادين العمل الخيري في فبراير ١٩٩٨م من قبل «هيئة محلفين كبرى» للمثول أمام المحكمة في الحي الجنوبي لمدينة نيويورك.

 ذهب الدكتور الأشقر للمثول أمام «الهيئة»، لأنه لم يكن لديه شيء يخفيه أو يخشاه وعندما حضر إلى المحكمة أقسم اليمين القانونية وبدأ استجوابه ولكون الدكتور الأشقر فلسطينيًا وهو من النشطاء في أفراد جاليته ولكون محكمة الحي الجنوبي ليست كبقية المحاكم الأمريكية لأن مدينة نيويورك تعتبر من مراكز ثقل الصهيونية الأمريكية فقد طلب من الدكتور الأشقر أن يدلي بإفادات غير دقيقة ضـد أفراد متهمين بأنهم حولوا أموالًا لدعم الإرهاب من خلال الدعم المقدم للمؤسسات الخيرية والجامعات الفلسطينية وقد رفض الدكتور الأشقر الإدلاء بأي شهادة كاذبة فما كان من القاضي إلا أن اتهمه باحتقار المحكمة ومنذ فبراير والدكتور الأشقر يقضي وقته في مستشفى السجن بنيويورك.

 وبعد هذه الحادثة بدأت حالات الاستدعاء القضائية توجه إلى العديد من النشطاء الفلسطينيين للمثول أمام محكمة الحي الجنوبي بمدينة نيويورك وقد خيروا بين الإدلاء بشهادات تتضمن تعريض أنفسهم للمحاكمة القانونية أو الذهاب إلى سجن التوقيف.

وكان من آخر هذه الحالات قضية السيد إسماعيل البرعصي الذي استدعي للمثول أمام المحكمة والذي استخدم حقه الدستوري «حسب التعديل الخامس» في عدم الإدلاء بأي إفادات «لهيئة المحلفين»، وقد قرر القاضي إرساله إلى مركز الاعتقال الذي دخله بعد عيد الأضحى المبارك.

أمريكا اليوم تدفع للسير في نفس طريق الهيستري والخوف الذي عرفته أثناء حملة «سيلم» لمطاردة السحرة وكذلك حملة محاكمات «مكارثي».

الدستور الأمريكي يتعرض للانتهاك وتتعرض معه حقوق المواطنين وحرياتهم للخطر من أجل تحقيق مصالح «لحليفة الولايات المتحدة الاستراتيجية» في الشرق الأوسط وللأسف فإنه لم يقم حتى الآن أي عضو من أعضاء مجلس النواب الأمريكي أو من أعضاء مجلس الشيوخ بالكلام حول ما يجري من انتهاكات للدستور في نيويورك.

 ما جرى أثناء «حملات سیلم»، أو أثناء محاكمات «مكارثي»، أن الناس لم تتحرك ولم تفتح عيونها لتعرف حقيقة ما يجري حولها، لأن الخوف تملكها، ولأن شعورها بالكره للآخرين جعلها تلتزم الصمت تجاه ما يتعرض له الأفراد المتهمون من تعذيب وانتهاك لحرياتهم على أيدي العدو الحقيقي للطرفين.

إن الوقت الآن هو وقت العمل للذين يحبون أن تبقى أمريكا بلدًا حرًا وإن علينا أن نطالب «ممثلينا في الكونجرس»، بالتحقيق في الانتهاكات التي تتعرض لها حرياتنا الأساسية المحمية بالدستور على أيدي هؤلاء المتربعين على كراسي القضاء والذين يشعرون بألا سلطان عليهم، وهم يقومون بانتهاك الحقوق الدستورية تحت شعار مكافحة الإرهاب فالحرية لا تستطيع أن تصون نفسها بنفسها ولا يمكننا الحفاظ على حرياتنا إلا بالمراقبة الدقيقة، والعمل الدؤوب لمجابهة أولئك النفر الذين يدفعهم خوفهم من «التهديد المتخيل» إلى تجاهل كل الضمانات التي جعلت من القضاء الأمريكي نموذجًا يحتذى ويغبطنا عليه العالم كله.

الرابط المختصر :