; محاولة تغيير الهوية والانتماء والعرف الإسلامي | مجلة المجتمع

العنوان محاولة تغيير الهوية والانتماء والعرف الإسلامي

الكاتب الأستاذ أنور الجندي

تاريخ النشر الثلاثاء 09-أبريل-1985

مشاهدات 71

نشر في العدد 712

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 09-أبريل-1985

هذه تجربة الأستاذ فتحي رضوان أضعها بين يدي القراء دليلًا كاشفًا على واقع قضية جيل الرواد والقمم الشوامخ وهي صيحة مدوية لم يهدأ أوارها فإذا أضفنا إليها صيحة الأستاذ محمود محمد شاكر، وجدنا أن الموقف يأخذ طابعًا لا سبيل إلى التشكيك فيه.

يقول الأستاذ شاكر تحت عنوان طه حسين هدمني ونسفني منذ خمسين سنة (جريدة الأخبار 4/1/1984):

منذ أن تبلورت في ذهني القضية التي صرت أحارب من أجلها، وهي أن حياتنا الأدبية والثقافية والفكرية عامة قد بذرت منها بذور من العبث والاستخفاف والتعالم. ومع ذلك فالذي رأيته في شبابي أفضل مما أنا فيه الآن، لأن الأمور الثقافية في نزول لا في صعود، وربما يسوء أبناء هذا الجيل أن يقال هذا، ولكن هذه هي الحقيقة، وليس معنى هذا أنني متشائم، لقد بدأ الصراع منذ أيام طه حسين، وكان طه حسين يهدم نفسي هدمًا و ينسف أدبي نسفًا، لقد توصلت إلى حقيقة شك الدكتور طه في الشعر الجاهلي وهي أنه اقتبس مقالة المستشرق الأعجمي مرجليوث، وادعى أنه امتلك ما اقتبسه، ثم كان ما هو أبشع من هذا فقد كان من أساتذتنا مستشرقان أتى بهما طه حسين من إيطاليا أولهما «نلينو» ثم «جويدي» الصغير وكان أمرهما عجبًا، فهما يعلمان يقينًا أن محصل ما يقوله طه حسين إنما هو ما كتبه مرجليوث، ولكنهما كانا معي شديدي المراوغة، وكل ما كنت أظفر به منهما هو مطالبتي بتعظيم الدكتور طه وتوقيره بحق الأستاذية، ثم استدراجي إلى تيه الألفاظ الغامضة، البحث العلمي والأدبي، وعالمية الثقافة، وما شاب ذلك من ألفاظ التغرير، فكنت أمتنع عن التسليم لهما، وهذا ما زاد الأمر بشاعة في نفسي وسقطت هيبة الأستاذية. ولم أبال بما أنا مقدم عليه من مفارقة بلادي وأهلي ومن هجر الدراسة الجامعية أيضًا غير مبال ولا آسف. وصارت قضيتي هي قصة طلب اليقين، فأحسست وأنا والجيل الذي أنا منه، وهو جيل المدارس المصرية قد تم تفريغنا، يكاد يكون كاملًا من ماضينا كله من علومه وآدابه وفنونه، وفي ظل هذا التفريغ وهذا التمزيق وهذه الكثرة التي تخرج مفرغة أو شبه مفرغة إلى «البعثات» وهذا التحول الاجتماعي والثقافي المضطرب. انتعشت الحياة الأدبية والثقافية انتعاشًا غير واضح المعالم، ولكن يقوم على أصل واحد في جوهره وهو ملء الفراغ بما يناسب أدبًا وفنونًا غازية.

المسرح مثلًا: كان له شأن أي شأن يعتمد اعتمادًا واضحًا على المسرح الأوربي في تكوينه كله، وأيسر سبيل كان إلى إمداده بمادته هو السطو على مؤلفات المسرح الأوربي مسلوخة يعاد تكوينها بألفاظ عربية أو عامية دون أي إشارة إلى هذا الطور، وكانوا يسمون هذا حياء وفكرًا. والقصة أيضًا كانت ضربًا من السطو والتقليد هذه خطوط من صورة الجانب من الحركة الأدبية والثقافية في ذلك العهد، وأكثرها باق إلى يومنا هذا ومقبول أيضًا بلا استبشاع له. 

لقد شهد طه حسين نفسه بهذا من موقع الأستاذية، وقلته أنا من موقفي بين أفراد جيلي الذي أنتمي إليه وهو جيل المدارس المفرغ من كل أصول ثقافة أمته، ولم ينتصب أحد لوصف هذا التدمير الذي يشترك في جريمته مثقفون كثيرون في الأدب وفي العلم وفي الاجتماع وفي الفلسفة وفي الفن كله من مسرح وسينما وموسيقا وغيرها، وكل منهم كما يقول الدكتور طه حسين: «ينفث السم ويفسد العقول ويمسخ في نفوس الناس المعنى الصحيح لكلمة التجديد»، وقد زاد الأمر فلم يبق مقتصرًا على التعليم والكتابة والتأليف بل دخل كل بيت دخولًا مفرغًا عن طريق الإذاعة والتليفزيون. كنت من أكثر الناس تعلقًا بإنشاء المجمع «مجمع اللغة العربية ١٩٣٤» ولكني أصبت بإحباط عندما رأسه أحمد لطفي السيد، فهو في رأيي ليس إلا «كرافتة ودبوس» وهذا الرجل شديد التناقض، ينبغي أن يعاد درسه لأنه هو الرجل الذي كان يطالب بإحياء العربية باستعمال العامية. هناك من يرى أن تراثنا العربي ما هو إلا فن «أرابسك» وأنه مجرد حفريات قديمة، وهذه دعوة يروج لها المستشرقون وأعداء اللغة، إن التراث بمعناه الحقيقي هو الانتماء، ولا أكون موجودًا إلا به والذين يريدون فصلنا عن تراثنا لا يحبون التراث ولا اللغة العربية ولا العقل العربي وينظرون إلى التراث «الذي هو الانتماء» على أنه تحف، ويبدو أن الدكتور زكي نجيب محمود ممن يعتنقون هذه الرؤية. 

إن الثقافة العربية في انكسار عام أمام الغزو الغربي، وليس لدينا مثقفون بل أسماء ثقافية، هذا الانكسار الذي يشكل تلك الثقافة التي حطمها الغرب بعد أن هزموا تركيا واتجهوا إلى هذه الأمة، لأنها تملك لغة الإسلام فسعوا لتمزيق المنطقة أيضًا، فقد اختلطت المفاهيم وساء استخدام اللغة، وأصبحت الألفاظ غير محددة، حتى مفاهيم الثقافة والازدهار والانحدار باتت كلها غير واضحة، ما يسمونه بفترة ازدهار ثقافي مصري كان في حقيقته مظاهر ارتباط بالحياة السياسية في مصر خلال الستينيات، فثقافة الأمة المفروض فيها أن تزيد لا أن تتوقف عند مرحلة معينة، وأن تنمو بشكل مستمر، وبالتالي فإن أزمة الثقافة هي أزمة في الكيان الحقيقي للأمة الذي قهره الغرب ومزقوا أصالته عندما مزقوا لغته، إن الثقافة الحقيقية هي ما يأتي من داخلك داخل أرضك، لا بد من البحث في الذات والتعمق منها، واكتشاف موروثها الثقافي وتسييره والتخلص من أوهام العالمية والمعاصرة.

إن مكمن الأزمة الثقافية هي سيادة «فكر العوام»، وما يدعيه البعض من مظاهر جديدة للتعبير الثقافي سواء في الأدب أو الفن هو في حقيقته يعبر عن التعمق وفهم الذات ومكوناتها فهما صحيحًا والانطلاق منها لآفاق أرحب، وصعقت ركيزة الاستمرار والتقدم وأصبح كل جيل يأتي أقل تميزًا من الجيل الذي سبقه، فهناك جيل شوقي والبارودي وغيرهما من الشعراء العظام، ثم جاء جيل علي محمود طه وإبراهيم ناجي، جيل عظيم ولكن ليس على مستوى تميز وتألق الجيل الذي سبقه، وهكذا نلحظ أن انحدار المستوى الثقافي يرتبط بضآلة الجهد المبذول للحفاظ على نفس مستوى السابقين، لأن الجهد الحقيقي للارتقاء بالحياة الثقافية لهذه الأمة لا يجب أن ينعزل عن مكنونه ستة عشر قرنًا، ولا ينعزل عن إبداعاتها فلم يحدث مثل هذا الانقطاع في صدر الإسلام، فقد كان هناك شعر جاهلي عظيم، وكان هناك شعر بعد الإسلام عظيم، فلم يحدث انقطاع، أما في حياتنا الثقافية اليوم فإن الواقع يبدو رديئًا، فالشاعر تخلف عن فكره وإحساسه ولغته، ولم يعد هناك ما يشعرك بأن هناك قوة كامنة في الداخل تعمل حتى عندما حاول بعضنا أن يقدم الأعمال الدينية، كان يقلد الغرب فيما يقلد، فالدكتور طه حسين عندما كتب «على هامش السيرة» كان يقلد كاتبًا أوربيًا كتب عن المسيح وهو نفسه اعترف بذلك، وعلى مستوى آخر ليس فقط كم المعارف ولكن الصبغة الأساسية لحركة الأمة، فإذا كانت في محركها ومكنونها الحضاري من ناحية فهي مؤشر السلوك وموجه الحركة العامة، وهنا فإني أسأل في أي مجتمع يمكن أن يوجد مثل هذا الكم من الإعلانات عن سلعة تصنع في دول أخرى، وفي أية أمة يوجد هذا الكم من الأسماء الأجنبية لمواقع العمل ومحلات الخدمة، إسبانيا يدخلها ٢٤ مليون سائح سنويًا ولا يوجد اسم أجنبي بفندق أو مطعم أو محل، ولا يعرض فيلم دون«دوبلاج» بلغة البلد.

إن هناك جهلًا بالقواعد الأساسية لمكونات هذه الأمة، وليس أدل على ذلك من أنه عندما تتمتع الأمة بتدفق الحياة في شرايينها ولديها علم كالفقه وأصول الدين، فإن ذلك لا بد أن يطرح قوته وحيويته على كل مظاهر الثقافة حتى على من يصنع عمودًا في مسجد، فالجو العام ينعكس على أدواته الفنية ومظاهرها، فالأسس السليمة السائدة في مجتمع ما تفرز أشكالها على مظاهر السلوك فما ظنك بالآداب والفنون.

الحقيقة أنه ليس لدينا مثقفون، بل هناك متعلمون، هناك جيل «متغرب» ومع سلامة نيته تكون في إطار محدد، إظهار الثقافة والمعرفة الغربية، ويعطي في هذا الإطار الذي صاغه الاستشراق الغربي لثقافة المنطقة، وأنا أرى أن هذه الأسماء التي تتردد في أسماء ثقافية وليست لمثقفين، حتى إن الثقافة لديهم باتت تقليدًا للغرب سلوكيًا وفكريًا، وفصل الأمة عن ماضيها، وأكثر من ذلك فإن نظام دنلوب الاستعماري في التعليم ظل مستمرًا في صياغة العقل الثقافي للأمة بطريقة استعمارية. وباتت الأسماء المنتشرة تعكس أسماء عاجزة عما تدعي تقديمه تحت وهم «الإبداع» وهي في الحقيقة تنقل فلسفات الغرب وأفكاره وأشكاله الأدبية والفنية والسينمائية لتبهر بها العوام، وتدعي بها امتلاك أسس الثقافة وذلك ليس بصحيح، ما يمكن أن أقوله باختصار شديد أن ترديد تركيبات لغوية بدون مناقشة هو في حقيقته مأساة أخرى ولا بد من العودة للجوهر الأصيل في مكنون الأمة. 

إن ما يكتب الآن تحت شعار التساؤل حول هوية مصر أو عن تاريخ المنطقة ما هو إلا امتداد لتاريخ الاستشراق والتبشير في المنطقة والذي بدأ منذ أكثر من ثلاثمئة عام، والواقع أننا نعيش عصرًا سخيفًا افتقد فيه المثقفون الرؤية الحقيقية لما يواجهونه، إن المعركة ببساطة شديدة هي العداء التاريخي بين الحضارة العربية الإسلامية والحضارة الغربية المسيحية، وأي إغفال لذلك هو خطيئة، عن نفسي.

لقد حددت قضيتي منذ أكثر من خمسين عامًا، وهي الدفاع عن كيان أمتي في مواجهة هذه الحضارة الغربية العنصرية الغازية، فالغرب يريد أن أستمر تابعًا له، ولا خلاص إلا بالتحرر من تبعيته، لقد قسموا المنطقة سياسيًا والآن يجتهدون في تمزيقها فكريًا وثقافيًا، حتى تتفكك أواصر الأمة الإسلامية العربية، إننا في حاجة إلى وقفة جادة لاستعادة توازننا التاريخي، وعلى هذا الأساس فإني أنظر بريبة لكثير من القضايا الفرعية التي يثيرها البعض الآن لأنها في حقيقتها لا تستهدف خير الأمة، بل الاستمرار في حلقة مفرغة، بل إنني اعتبر أن الذين يتحدثون عن مصر هل هي عربية أم إسلامية أم فرعونية أم متوسطية ينسجون في الواقع قصصًا للخديعة بغرض الاستمرار في تمزيقنا، لأنه لا بد من النظرة الكلية للأمور فأصحاب الحضارة الأوروبية ينظرون لها بمنظور كلي، فكيف نعجز نحن عن النظر لحضارتنا بنفس المنظور، أين هو التاريخ الذي يسب علماؤه وانتصاراته مثلنا؟ أين الذين تنكروا حضارتهم مثل الكثير من مثقفينا؟ لماذا لا تتذكر تشرشل عندما قال: إنه يدافع عن الحضارة المسيحية؟ ولماذا فشلنا في رؤية ستالين وهو يضع يده في يد تشرشل من أجل الهدف نفسه ؟ نعم كان ستالين يدافع عن الحضارة المسيحية نفسها، ونفس ما يلتقي فيه الأمريكي الرأسمالي والشيوعي الروسي، حتى عندما نادوا الشيوعية في الاتحاد السوفيتي لم يتخلوا عن لغتهم، بل وضعوها في القمة، ستالين دافع عن لغته، وظلت كما هي بكافة ألفاظها ومرادفاتها التي لا تتفق ومفاهيم الشيوعية لأنهم أدركوا حقيقة مهمة هي أن اللغة هي أنا وبدونها لا أكون شيئًا.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 7

144

الثلاثاء 28-أبريل-1970

افتتاحية - العدد 7

نشر في العدد 11

142

الثلاثاء 26-مايو-1970

قضية الحرب والسلام!

نشر في العدد 17

138

الثلاثاء 07-يوليو-1970

تحركات مشبوهة.. فأين المسؤولون؟