; بعد ظهور تجاوزات قانونية: محاولات لإجراء انتخابات نيابية نزيهة في اليمن | مجلة المجتمع

العنوان بعد ظهور تجاوزات قانونية: محاولات لإجراء انتخابات نيابية نزيهة في اليمن

الكاتب مالك الحمادي

تاريخ النشر الثلاثاء 01-أكتوبر-1996

مشاهدات 61

نشر في العدد 1219

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 01-أكتوبر-1996

اليمن

  • اعتذار الإصلاح والمعارضة عن حضور لقاء ميثاق الشرف الذي دعا إليه الرئيس كان رسالة واضحة بأن هناك معطيات جديدة بدأت تفرض وجودها على الساحة.

الأحكام القضائية التي صدرت -مؤخرًا– في اليمن ضد اللجنة العليا للانتخابات عززت موقف التيار الإسلامي وأحزاب المعارضة الرامي إلى إعادة النظر في المرحلة الأولى من الانتخابات الخاصة بتسجيل الناخبين.. بالإضافة إلى تشديد الهجمات الإعلامية والسياسية المطالبة بتغيير اللجنة العليا بأخرى تمثل كل الأحزاب اليمنية. 

ومنذ أن انفجر الخلاف بين حزبي المؤتمر والإصلاح بشأن التجاوزات الانتخابية، كان واضحًا أن الإسلاميين قرروا انتهاج طريق سلمي لمواجهة ما بدأ أنه تخطيط محكم لتقليص وجودهم في مجلس النواب القادم باستخدام أساليب شاع استعمالها في بلاد العالم الثالث لضمان الفوز للحزب الحاكم الأوحد!

وينبغي التذكير بأن حزب «الإصلاح» حاول في البداية مقاومة المخطط عبر اتصالاته مع قيادة شريكه في الائتلاف الحاكم، وهي الاتصالات التي توجت برسالة من الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر للرئيس علي عبد الله صالح، تضمنت أهم المآخذ القانونية التي لابست المرحلة الأولى للانتخابات... لكن تجاهل الرسالة واستمرار الممارسات المخالفة لقانون الانتخابات أدى إلى بروز الخلاف إلى العلن بصورة أعادت إلى الأذهان خلافات الحزب الاشتراكي والمؤتمر التي كانت سمة للفترة التي أعقبت قيام دولة اليمن الواحد! 

في ساحة القضاء: 

ويبدو أن قيادة حزب المؤتمر الشعبي لم تعط اهتمامًا جادًا لاتجاه المعارضين بقيادة الإصلاح إلى نقل الخلاف إلى ساحة القضاء والمحاكم، لكن عددًا من الأحكام القضائية الابتدائية ثم الاستئنافية التي صدرت خلال الأسابيع الأخيرة نجحت في هز الثقة التي كان المشرفون على الانتخابات يحرصون على الظهور بها!.

لكن أخطر هذه الأحكام هو الحكم الذي أصدرته المحكمة الاستئنافية بصنعاء والذي ألغي كل الأسس التي قامت عليها مرحلة القيد والتسجيل وصرف البطاقات، فقد قضى الحكم بإلغاء الدليل التنفيذي والبرنامج الزمني اللذين اعتمدتهما اللجنة العليا للانتخابات في تسيير أعمالها.. كما قضت المحكمة بإيقاف صرف البطاقات الانتخابية لمخالفة إجراءات اللجنة العليا للقانون، على الرغم من أنه قد تم صرف عشرات الآلاف من هذه البطاقات بطريقة مخالفة للقانون، تنذر بحدوث فوضى غير معهودة! 

وعلى الصعيد نفسه، جاء إصدار القانون المعدل الخاص بالانتخابات ليمد المعارضين بمزيد من الحيثيات ضد اللجنة العليا للانتخابات، حيث يقضي التعديل الجديد في إحدى مواده بتحديد عدد أعضاء اللجنة بـ (۷) أفراد فقط بينما تجاوز عدد أعضاء اللجنة الحالية الرقم الجديد إلى حدود الضعف! 

ولا شكَّ أن إعادة تشكيل اللجنة بحيث تضم ممثلين عن جميع الأحزاب سوف يساعد على المجيء بلجنة جديدة أكثر توازنًا، وأقل انصياعًا للحكومة.. فالقانون الجديد يشترط موافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب على أسماء المرشحين لعضوية اللجنة، ولا يتمتع أي حزب في اليمن بهذه النسبة مما يعني أن الأحزاب المعارضة بقيادة «الإصلاح» تستطيع أن تضمن اختيار لجنة لا يهيمن عليها حزب المؤتمر الشعبي العام! 

ومع أن الرئيس علي عبد الله صالح حاول أن يتدارك الأخطاء الخطيرة التي تورطت فيها اللجنة العليا للانتخابات بإصدار تعليمات واضحة وعلنية إلا أن كل ذلك أكد عجز لجنة الانتخابات عن أداء مهامها، وأثبت عدم استقلاليتها المفترضة قانونيًا كما أدى –في الوقت نفسه- إلى إصرار المطالبين بالتغيير كخطوة هامة لضمان نزاهة الانتخابات! 

والواضح أن بقاء اللجنة العليا للانتخابات صار يهدد مصداقية السلطة اليمنية، ويفقدها تعاطفًا دوليًا بعد تصاعد الحملة الشعبية والحزبية ضدها مع أن السلطة تستطيع انتهاز فرصة صدور القانون الجديد للانتخابات لتشكيل لجنة جديدة دون أن يظهر ذلك بمظهر الهزيمة السياسية! 

ويبدو أن الأحكام القضائية المذكورة في البداية قد شجعت على توسيع نطاق مقاضاة اللجنة العليا للانتخابات، فقد رفع عدد من المحامين دعاوى جديدة في عدن، وربما تمتد الظاهرة لتشمل سائر المحافظات، وخاصة أن التجمع اليمني للإصلاح، وأحزاب مجلس التنسيق الأعلى للمعارضة اتفقوا على تشكيل لجنة قانونية مشتركة لمتابعة الجوانب القانونية.. وهو أمر يعطي المسألة زخمًا إضافيًا، بعد أن كان الإسلاميون هم الذين يتولون الأمر بمفردهم! 

البرنامج والميثاق:

على الرغم من كل دفقات الحيوية التي سرت في شرايين الحياة السياسية في اليمن بعد حوار الإسلاميين مع أحزاب المعارضة، إلا أن ذلك يبقى مرهونًا بمدى الالتزام الجاد بنصوصه الهادفة إلى توفير ضمانات حقيقية لنزاهة الانتخابات.. لكن بصفة عامة تبدو أحزاب «اللقاء المشترك» -كما يطلق على الإصلاح وأحزاب المعارضة- حريصة على استمرار الزخم الذي أحدثه اتفاقها فيما يختص بنزاهة الانتخابات بل بدأت فروع الأحزاب في المحافظات اليمنية تلتقي للمرة الأولى منذ سنوات، كما حدث في عدن عندما التقى مسؤولون اشتراكيون وإصلاحيون لبحث عدد من القضايا المشتركة. 

وفي أول اختبار حقيقي لالتزام أحزاب اللقاء المشترك ببرنامج ضمان نزاهة الانتخابات، اعتذرت أحزاب المعارضة والإصلاح عن المشاركة في لقاء عام دعا إليه رئيس الجمهورية لمناقشة ما سمي بميثاق الشرف السياسي بين الأحزاب السياسية اليمنية، وهو «الميثاق» الذي تبناه حزب المؤتمر الشعبي وعدد من الأحزاب الصغيرة الموالية له!. 

اعتذار الإصلاح والمعارضة أفشل اللقاء، مما اضطر المنظمين له إلى الإعلان عن تأجيله تحت مبرر إتاحة الفرصة لدراسة الميثاق وإثرائه بالملاحظات، لكن الرسالة كانت واضحة بأن معطيات جديدة بدأت تفرض وجودها على الساحة، وينبغي التعامل معها بجدية وبأسلوب يختلف عما هو معهود! 

ويفسر المراقبون الإعلان عن «ميثاق الشرف السياسي» بأنه محاولة مستعجلة للالتفاف حول البرنامج التنفيذي لضمان نزاهة الانتخابات الذي أعلنه الإصلاح وأحزاب المعارضة بقيادة الحزب الاشتراكي اليمني.. فالهدف الواضح كان طرح برنامج مقابل برنامج ثم الدخول في مرحلة حوارات ومناقشات طويلة تؤدي إلى تمييع فكرة ضمان نزاهة الانتخابات التي هي أساس الخلاف! 

الإصلاح والمعارضة حرصوا على تجنب إثارة مزيد من الخلاف حول ميثاق الشرف السياسي مبررين موقفهم بأن الدستور والقوانين النافذة تغني عن الحاجة إلى ميثاق الشرف الذي دلت التجارب السابقة على عدم جديته.. مذكرين بأنه سبق للمؤتمر الشعبي والحزب الاشتراكي عام ۱۹۹۲م التوقيع على ميثاق مشابه دون فائدة!

الظريف في الأمر أن مسودة الميثاق الموزعة على الأحزاب كانت هي نفسها المسودة التي تم التوقيع عليها عام ۱۹۹۲م.. بل تسببت العجلة في إغفال حذف عدد من القضايا القديمة التي انتهى وقتها مع التغيرات الجذرية التي حدثت في اليمن منذ انتخابات ۱۹۹۳م والحرب الأهلية عام ١٩٩٤م! 

وهكذا يبدو أن كل طرف يحاول تجريب الأوراق التي يمتلكها لتعزيز مواقفه، وإفشال مساعي الطرف الآخر.. فبالإضافة إلى طرح قضية ميثاق الشرف السياسي واللجوء إلى القضاء.. هناك ورقة الحوار مع الحزب الاشتراكي التي صارت إحدى المجالات الهامة التي يتابعها المواطنون! 

وقد أدى الحوار الذي أقامه الإسلاميون مع الحزب الاشتراكي إلى تنشيط الحوار بين الاشتراكي والمؤتمر الشعبي والذي تركز حول استعادة ممتلكات الحزب ومقراته المفقودة أثناء حرب صيف ١٩٩٤م. 

وقد كان من أولى ردود أفعال حزب المؤتمر على الحوار الذي جرى بين الإصلاح والحزب الاشتراكي هو الإعلان عن صدور توجيهات من الرئيس علي صالح بإعادة ممتلكات الحزب الاشتراكي ومقراته.. وأحيطت التوجيهات بضجة إعلامية استثمرها المؤتمريون في الزعم بأن الإصلاح كان هو السبب في تلكؤ المؤتمر في الموافقة في الماضي، لكن بعد حوار الإصلاح والاشتراكي لم يعد هناك حرج لدى المؤتمر تجاه شريكه في السلطة!

في السياق نفسه، أحال الرئيس اليمني الأمر إلى الأستاذ عبد الوهاب الأنسي النائب الأول لرئيس الوزراء والأمين العام المساعد للإصلاح، في خطوة وصفت بأنها تهدف إلى إحراج الإصلاحيين في هذه القضية الشائكة، وبحيث يصير أمر الممتلكات والمقرات الخاصة بالحزب الاشتراكي إحدى النقاط التي قد تثير خلافات بين الأنسي –ممثل الإصلاح– وقيادة الحزب!. 

لكن الحقيقة أن الإسلاميين أعلنوا –قبل توجيهات الرئيس- بأنهم مع إعادة حقوق أي حزب إذا كانت قانونية.. وفيما يختص بمقرات الحزب الاشتراكي فإن القانون يمنع استخدام أي منشأة عامة للعمل الحزبي.. وهو أمر سوف يلحق الضرر في حالة تنفيذه بحزب المؤتمر الشعبي نفسه الذي لا يزال ينفرد باستخدام مبان حكومية ضخمة في صنعاء وعدن كمقرات له فالالتزام بالقانون الذي اشترطه الإسلاميون سوف يستهدف المؤتمر قبل الاشتراكي، ولذلك فيتوقع ظهور عراقيل وعلى الطريقة اليمنية تؤجل إن لم تمنع – إلى أمد غير منظور حل المشكلة, وخاصة استرداد ممتلكات ومقرات وأموال ضاعت اثناء حرب انتهت قبل عامين، وصار من الصعب تحديد قيمة المطلوبات أو لتأكيد تواجدها وبعضها كان في ملكية الحزب الاشتراكي منذ أن كان يشكل دولة في المحافظات الجنوبية والشرقية يمتلك فيها كل شيء ويتصرف فيه كما يريد! 

نعود إلى نقطة البدء وهي الأحكام القضائية، فلا شك أن الطرف الخاسر لن يستسلم بسهولة، وقد عمل على تصعيد الأمر إلى المحكمة العليا لكن الانطباع العام في اليمن أن المرحلة الأولى للانتخابات قد اتسمت بظواهر الفوضى والعنف والتجاوزات وأن اللجنة العليا للانتخابات تتحمل المسؤولية الأولى في ذلك.. ولذلك أن وقت رحيلها ولو من باب امتصاص غضب الشارع اليمني.

الرابط المختصر :