العنوان محاكمة شقيق بن علي وشبكة المخدرات الكبرى في باريس
الكاتب د. محمد الغمقي
تاريخ النشر الثلاثاء 22-ديسمبر-1992
مشاهدات 62
نشر في العدد 1030
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 22-ديسمبر-1992
شهد
قصر العدالة في باريس خلال النصف الثاني من تشرين الثاني «نوفمبر» أطوار
قضية تعد من إحدى القضايا الحساسة التي شدت انتباه وسائل الإعلام الفرنسية
والعالمية؛ وذلك لخطورة الملف الذي تناولته المحكمة، والمتمثل في اكتشاف شبكة من
تجار المخدرات، أغلبهم من التونسيين، تتحرك في عدة أقطار أوروبية، ولها علاقة
بالمافيا من ناحية، وبشقيق الرئيس التونسي بن علي من جهة أخرى.
وبغض
النظر عن حيثيات القضية والأحكام الصادرة بحق هذه العصابة؛ فإنه من المفيد فهم
الأسباب العميقة لتحول عدد من التونسيين إلى محترفي تجارة الموت، من خلال التعرض
إلى العقلية السياسية الحاكمة في تونس.
الشبكة الدولية
فالقضية
تعود إلى سنة 1988، عندما انطلقت الأبحاث بخصوص شبكة تجارة مخدرات بين هولندا،
وفرنسا، وإيطاليا، وكان مركز ثقل مبيعاتها في منطقة Belleville بالعاصمة الفرنسية، والتي تعرف بأنها أحد المحاور الرئيسية
للتواجد المكثف للجالية العربية المسلمة. وتمكنت السلطات الأمنية الفرنسية بعد
سلسلة من التحريات من إلقاء القبض على عدد من أفراد هذه العصابة، حكمت
المحكمة على ثلاثة وعشرين منهم بالسجن من تسع سنوات إلى خمس عشرة سنة.
الفصل المثير
لكن
الفصل المثير في هذه القضية هو البعد السياسي فيها، منذ اكتشاف العقل المدبر
للعصابة، متمثلًا في شقيق الرئيس التونسي بن علي، وإيداع بطاقة إيقاف دولية ضده في
مايو 92. والجدير بالملاحظة أن كتابة الدولة للإعلام في تونس أنكرت كل صلة قرابة
بين الحبيب بن علي، المتورط في تجارة المخدرات، وزين العابدين بن علي، الرئيس
التونسي، لكن إصرار حاكم التحقيق اضطر السلطات التونسية إلى الاعتراف بوجود هذه
القرابة، والتأكيد على أن شقيق بن علي ليس سوى مواطن عادي، ويطبق عليه القانون كما
يطبق على بقية المواطنين، كما جاء على لسان محاميه جون إيف لوبورنيه.
ومهما
كانت التبريرات للتقليل من شأن شقيق بن علي؛ فإنه يبقى الحلقة الرئيسية في سلسلة
الشبكة المتورطة في تجارة المخدرات، وبالتحديد رأس الهرم في المجموعة المكلفة
بتجميع الأموال من العملات الصعبة وإدخالها إلى التراب التونسي، وتبييضها
في المنشآت السياحية، والقطاع السكني، والأجهزة الإلكترونية، والسيارات
الفخمة، بالإضافة إلى لعب القمار في كازينوهات أمستردام، كما ذكر رئيس المحكمة جون
كلود ألتوناتي.
وإلى
هذا الحد كان بالإمكان اعتبار موضوع هذه الشبكة شبه عادي ككل شبكات المخدرات على
صعيد دولي، لولا دخول عنصر جديد أعطى القضية بعدًا جديدًا وصدى واسعًا. ويتمثل هذا
العنصر في تزويد شقيق بن علي بجواز سفر دبلوماسي من طرف السفير التونسي بباريس
الذي تحول إلى المطار بنفسه لتسليم الحبيب بن علي، شُهر «منصف»، هذا الجواز، وذلك
في مارس 1990، بعد إعلام وزارة الخارجية الفرنسية السلطات التونسية بأمر إيقاف المدعو
منصف، الذي صرح بأنه شقيق الرئيس التونسي، وبحوزته حقيبة مملوءة بالعملة الصعبة
مصدرها تجارة المخدرات.
البعد السياسي
وتعقدت
القضية باكتشاف بعدها السياسي، خاصة وأن هناك العديد من نقاط الاستفهام حول تورط
رأس السلطة التونسية بمجرد التغطية على رئيس عصابة يتاجر بأخطر أنواع المخدرات،
حيث أكدت التحقيقات على متاجرة هذه الشبكة بحوالي 25 كلغ من الهيروين (النوع
المكرر من المخدرات)، بيع الجزء الكبير منها إلى أبناء الجالية العربية والإسلامية
في فرنسا، وهو ما يعد جريمة كبرى لا يمكن السكوت عنها أو التستر على مرتكبيها مهما
كانت المبررات.
ومن
المفارقات اللافتة للنظر أن محاكمة شبكة المخدرات، المتورط فيها شقيق بن علي،
المحكوم عليه بعشر سنوات سجنًا غيابيًّا، وغرامة مالية تقدر بـ200 ألف فرنك فرنسي،
وحرمانه نهائيًّا من الدخول إلى التراب الفرنسي، انطلقت «المحاكمة» بعد أسبوع من
الاحتفال بالذكرى الخامسة في تشرين الثاني «نوفمبر»، تاريخ اعتلاء بن علي للسلطة
في تونس بعد الانقلاب على بورقيبة، علمًا بأن هذا الاحتفال صرفت فيه أموال طائلة
للتعريف بـ«إنجازات العهد الجديد» التي من بينها- أو على رأسها، كما يتبجّح النظام
بذلك- القضاء على الأصولية، المقصود بها حركة النهضة، وتأسيس دولة العدل والقانون
وحقوق الإنسان، والعناية بالشباب المهاجرين!
ورغم
ثبوت الاتهامات ضد عناصر الشبكة المكتشفة، وصدور أحكام بحقهم من طرف محكمة فرنسية
مستقلة؛ فقد أصر النظام من خلال أبواق دعايته والمحامي المكلف بالدفاع عن شقيق بن
علي على أن «الأصوليين» هم مصدر الاتهام، وهم الذين وظفوا القضية لتشويه سمعة
النظام التونسي في الخارج. ولكن إذا كان المنطق يقبل بسعي أي معارضة لأي نظام في
العالم إلى استغلال أخطاء هذا النظام للتشهير به؛ فإنه في المقابل لا يعقل بأن
حركة معارضة مهما كانت قوتها وتأثيرها في الخارج تمتلك سلطة القرار، والقدرة على
مغالطة الأجهزة الأمنية والسلطات السياسية والقضائية في بلد مثل فرنسا، قائم على
مؤسسات تحكمها عقلية دولة القانون، رغم وجود بعض السلبيات.
لهذا
فإن ادعاء النظام بأن القضية وراءها حركة النهضة ليس له أساس من الصحة، وإلا ما
كان من معنى للأحكام الصادرة بحق المتهمين، وملفات التحقيق الضخمة، بل إن الأمر
يتعلق بشبكة خطيرة تعمل في تجارة المخدرات منذ زمن طويل، على علم السلطات التونسية.
الشجرة الخبيثة
والسؤال
المطروح: لماذا شبكة مخدرات دولية «أبطالها» تونسيون؟ بعبارة أخرى: ما الأسباب
التي دفعت عددًا من الشباب التونسي إلى تعاطي المخدرات، وإلى أن يكونوا معاول هدم
بدل أن يكونوا منتجين وبناة؟ كيف وصل الحال ببلد عربي إسلامي مثل تونس أن ينجب مثل
هذا النبات الخبيث بعد أن كان منارة للعلم والإيمان، ومركز إشعاع حضاري إسلامي على
مدى قرون، ويشهد على ذلك جامع الأغالبة وجامع الزيتونة؟
الإجابة
تكمن بالأساس في العقلية السياسية التي حكمت البلاد منذ خروج الاستعمار العسكري
الفرنسي منها. وتتمثل هذه العقلية في التصورات والسياسات المتبعة طوال العهد
البورقيبي من أجل تنشئة أجيال علمانية، تنظر إلى الدين نظرة احتقار، وتلهث مقابل
ذلك وراء «اللحاق بركب الحضارة الغربية»، كما دعا بورقيبة في العديد من خطبه. ونفس
العقلية تسود اليوم السلطة الحاكمة رغم التصريحات الرسمية بحماية الدين.
وبالتالي
نشأ جيل مذبذب الهوية ومهتز القيم، وباسم انفتاح التونسيين على المحيط الخارجي،
سقط عدد منهم في التقليد الأعمى للآخر «الغرب بالخصوص»، أي منذ وصول بن علي إلى
الحكم. وفي هذا الإطار، تم العمل بكل الوسائل على القضاء على مظاهر التدين السياسي
والشعبي، (مواجهة حركة النهضة - نزع الحجاب - مراقبة المساجد)، مقابل التشجيع على
التشبع بالقيم الغربية في الجانب السلبي، مثل الانحلال الأخلاقي عن طريق البرامج
التعليمية والإعلامية، إلى جانب انتشار البطالة وانسداد الآفاق السياسية.
وبدون
شك تساعد هذه الأجواء على التفكير بعقلية مادية تقوم على توفير الربح السريع بأقل
التكاليف. وبما أن سوق المخدرات رائجة اليوم؛ فقد انساق العديد من الشباب في هذا
الاتجاه، إلى حد الاندماج في شبكات منظمة ذات تفرعات دولية.
والنتيجة
أن العقلية السياسية التغريبية السائدة في تونس قد أفرزت إفرازًا طبيعيًّا أصنافًا
عديدة من ذوي الانحرافات الفكرية والأخلاقية، بنفس القوة التي أفرزت القوى
المضادة، وعلى رأسها الإسلاميون، الذين جاءوا كرد فعل على علمنة البلاد، ومن أجل
التبشير ببديل مجتمعي إسلامي.
ويبقى
الخاسر الأكبر في هذه القضية هو الشعب التونسي عمومًا، والجالية العربية المسلمة
المقيمة في المهجر خصوصًا. فالصحافة والرأي العام الغربيان لا يفرقان بين جزائري
أو تونسي أو مغربي. وفي فرنسا حيث الكثافة المغاربية، فإن كل ما يصدر عن الأقطار
الثلاثة الكبرى، أو المنتسبين والمنتمين إليها، تسلط عليه الأضواء، كما هو الحال
في قضية شبكة المخدرات المكشوفة. فقد أطنبت الصحافة الفرنسية بكل وسائلها في
الحديث عما أسمته بـ«Couscous Connetion»، بما في هذه العبارة من مدلولات
سياسية وفكرية، إلى جانب استعمال عبارة «إخوان روما»، بشأن المجموعة المكلفة
بالربط بين الشبكة وإيطاليا، والاحتمال الكبير لوجود علاقة بمنظمة المافيا.
أما
فيما يتعلق بالعلاقات التونسية - الفرنسية؛ فإن الأقوال والقراءات متضاربة بين
الفتور والترسيخ.. القراءة الأولى ترى استياء فرنسا من تضارب الموقف الرسمي
التونسي إزاء قضية شبكة المخدرات، وخاصة حول تورط شقيق الرئيس بن علي، وتركيزه على
اتهام الإسلاميين للتهرب من المسؤولية، في حين يرى أصحاب الموقف الثاني أن فرنسا
وظفت القضية لخدمة مصالحها، عن طريق مزيد من الربط مع نظام بن علي، وغض الطرف عن
إطلاق سراح شقيق بن علي من المطار بباريس، والسماح له بالسفر إلى تونس تحت غطاء
دبلوماسي، مقابل تدخل تونس لدى ليبيا لتسهيل مهمة القاضي بريغوار في تحقيقاته بشأن
تفجير طائرة دي. سي. أ التابعة لشركة UTA. ويدخل في إطار ترسيخ العلاقات استقبال الشخصيات اليهودية
الفرنسية من أصل تونسي من طرف الرئيس بن علي، وتمكين الجالية اليهودية في تونس من
امتيازات خاصة.
والأرجح أن هناك التقاء مصالح بين الطرفين، لكن مع استخدام فرنسا لورقة المخدرات للضغط على النظام التونسي في بعض المسائل السياسية الدقيقة، مثل موضوع رابطة حقوق الإنسان، والملف الإسلامي، والمعارضة عمومًا، مع التلويح بهذه الورقة للتذكير بأنه إذا كان منطق الدولة يحتم عليها التعامل مع بن علي كمنفذ وحيد إلى المنطقة المغاربية، (سجل فتور في العلاقات الفرنسية من جهة، والمغربية والجزائرية من جهة أخرى، فإن هناك خطوطًا حمراء لا تسمح بتجاوزها، من ذلك أن فرنسا غير مستعدة للتعامل مع أنظمة مجاورة تابعة لمجالها الحيوي تستخدم المخدرات كورقة سياسية للحكم على شكل نورييغا في أمريكا الوسطى، الشيء الذي يفسر الحملة الإعلامية الفرنسية التي واكبت شبكة المخدرات التونسية، في حين التزمت معظم هذه الصحف الصمت والتعتيم على قمع الإسلاميين، وانتهاك حقوق الإنسان الصارخة في تونس.
واقرأ أيضًا: