العنوان في مجرى الأحداث.. محاكمة الرئيس
الكاتب شعبان عبد الرحمن
تاريخ النشر السبت 26-مايو-2001
مشاهدات 76
نشر في العدد 1452
نشر في الصفحة 21
السبت 26-مايو-2001
أيًا كانت نتائج أزمة الرئاسة المتفاعلة في كل من إندونيسيا والفلبين فإن الأمر برمته يمثل واحدة من «البوادر» المشرقة التي تتجلى في لحظة نادرة، قل أن نجد مثيلًا لها في عالمنا العالم الثالث كما يسمونه.
فالمشهد الذي أمامنا بصوره الدرامية هو مشهد «عزل الرئيس» بطريقة جديدة على عالمنا، تسير وفق القانون والدستور، أي بطريقة سلمية، وما تعودنا عليه في عالمنا، أن الاقتراب من كرسي الرئيس، مجرد الاقتراب يصاحبه عنف يختلط بدماء، وأحيانًا تتحول الدماء إلى برك تجندل فيها رؤوس كثيرة وتسقط فيها البلاد في دوامات تعيدها إلى نقطة الصفر.
والبلدان اللذان أمامنا مثالان واضحان على ما نقول، فقد سقطت إندونيسيا منذ استقلالها في قبضة حكم الفرد أو الحزب الفرد منذ عهد سوكارنو، وانتهاء بعهد سوهارتو، وكذلك سقطت الفلبين في قبضة فرديناند ماركوس وعانى البلدان من سجل أسود ومرير في انتهاك حقوق الإنسان، ولم يترك سوهارتو كرسي الرئاسة عام ١٩٩٨م إلا بعد أن ضاق خناق الاحتجاجات الشعبية حول عنقه، وغادر الرئاسة بعد أن خلف وراءه ألف قتيل من المتظاهرين، كما خلف وراء خزانة شبه خاوية بعد أن نزح منها ما يقرب من ٣٤ مليار دولار هو وأسرته وحاشيته.
أما ماركوس فلم يتخل أيضًا عن كرسي الرئاسة عام ١٩٨٦م هاربًا إلى هاواي إلا بعد أن خلف وراءه عشرات الآلاف من القتلى كان أبرزهم «أكينو» المعارض الشهير، كما خلف وراءه خزينة أحذية لزوجته إيميلدا ماركوس كانت حديث العالم.
وتبدل الحكم في البلدين، وأصبحنا نشاهد الرئيس هناك يحاسب ويعزل ثم يحاكم وفق اليات قانونية، وإن كانت بقايا الفوضى والعنف من مؤيدي الرئيس تكتنف تلك الآليات، لكن بيت القصيد في الأمر هو أننا في بلاد كانت قلاعاً للدكتاتورية، وأصبحنا نرى الرئيس يحاسب ويعزل ويحاكم وذلك أمر مازال في كثير من البلدان من المحرمات.
في إندونيسيا يحاسب الرئيس وحيد أول رئيس منتخب ديمقراطيًا في تهمتين ماليتين قيمتهما قرابة ستة ملايين دولار التهمة الأولى تورط الرئيس في عملية اختلاس ۳٫۹ مليون دولار لصالح المدلك الشخصي أما التهمة الثانية: «إدلاء الرئيس بشهادة زور فيما يتعلق بالهبة المقدمة من سلطان بروناي وقيمتها مليونا دولار إلى إقليم أتشيه الإندونيسي»، وقد وجه البرلمان للرئيس وحيد لومين متتابعين يثبتان التهمة عليه في القضيتين ومازالت الإجراءات القانونية تشق مسارها وسط تهديدات وحيد وأنصاره.
أما استرادا الذي يستقر الآن في السجن بعد أن عزلته المحكمة العليا في ٢٠/ ١/ ٢٠٠١ وسط احتجاجات شعبية عارمة ومؤيدة من الجيش، فإنه سيحاكم وفق ناطق باسم الرئيسة جلوريا بتهمة النهب الاقتصادي، وهي جريمة يعاقب عليها القانون بالإعدام، وقبل قرار المحكمة العليا كان مجلس النواب «٢١٨ عضوًا» قد وافق على مساءلته وحول القضية إلى مجلس الشيوخ لتقديمه أمام محكمة خاصة بمكافحة الفساد، بتهمة تلقيه ملايين الدولارات كمبالغ سرية من نوادي القمار عبر شركات القمار غير المرخصة التي شارك في ملكية إحداها وتسببت في التلاعب ببورصة مانيلا عام ۱۹۹۱م، وبتهمة « =الحصول على رسوم ضريبية على التبغ لحسابه الخاص».
البون شاسع بين فساد سوهارتو وفساد وحيد، وسرقات استرادا ونهب ماركوس، لكن البون شاسع أيضاً في المحاسبة.
رحم الله عمر عندما قال للناس، «إن رأيتم في اعوجاجًا فقوموني»، فرد عليه فرد من الشعب، «لقومناك بسيوفنا»، فرد عليه عمر: «الحمد لله الذي جعل في رعية عمر من يقومه بالسيف».