العنوان محاضرة قيمة عن البنوك الإسلامية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 12-يونيو-1979
مشاهدات 68
نشر في العدد 449
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 12-يونيو-1979
في محاضرة قيمة أقيمت بجامعة الكويت بدعوة من جمعية الإدارة، استطاع الأستاذ أحمد بزيع الياسين رئيس مجلس إدارة بيت التمويل الكويتي أن يعطي جمهور الطلبة والأساتذة الذين حضروا لاستماع الندوة، وغصت بهم القاعة انطباعاته الإسلامية العلمية عن ضرورة إنشاء البنوك الإسلامية اللاربوية والفروق الواضحة البينة المبنية على الحقائق والأرقام بين البنوك الربوية واللاربوية حيث:
أكد في بداية حديثه على أن الاقتصاد الإسلامي بكل أبعاده ومفاهيمه إنما هو جزء لا يتجزأ من مفاهيم الإسلام بعمومياتها، بل إن الناحية الاقتصادية قد تعتريها صفة الالتزام والالتزام المباشر بطرائق حياة الشعوب كافة والمسلمين خاصة من كون الاقتصاد هو حياة الشعوب، واطراد تطورها ونموها الدائم ومقياس حضارتها فهو المحصلة النهائية لكل جهد يبذله شعب من الشعوب من أجل الانتقال إلى حياة أفضل ومجال للرفاهية والاستقرار.
وأعاد المحاضر تاريخ الاقتصاد الإسلامي إلى القرآن الكريم وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، فلم يترك كتاب الله شيئًا إلا ووضع له القانون والحكم المناسب به وهذا هو سر إعجازه ومناسبته لكل عصر من العصور، فقد قال الله عز وجل: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ ۚ(الأنعام:38).. وما تاريخ الاقتصاد الإسلامي إلا تاريخ مشرف لنمو وازدهار وتطور الدولة الإسلامية في بداياتها الأولى التي أدهشت دول عظمى كانت توازيها في العصر وتتفوق عنها في مقياس الحضارة الوضعية حتى إذا ما حل الإسلام وانتشر بين الشعوب أخذت تلك الدول أو تلك الإمبراطوريات مثل الفرس والروم تقتدي بشرائع الإسلام وتنهال على تفهمه واستخدام قوانينه وأحكامه في حياتها اليومية، ومن هنا نستطيع القول بأن الشريعة الإسلامية السمحة هي شريعة دنيا ودين فيها نهج الحياة والمجتمعات السعيدة.
وانعطف المحاضر الكريم حول مفاهيم البنوك العادية والتي يسلك بعضها طريق الاستغلال واستثمار أموال الربا من بعض المواطنين ذوي الدخول المحدودة، وأوضح ذلك في طريقة تعامل هذه البنوك مع العملاء حين الاقتراض والتداين، وكيف تتحول الأرباح والفوائد البسيطة إلى فوائد مركبة ترهق الفرد وتنهك قدراته المادية حين الدفع والسداد وهذا في جوهره هو ما حرمه الإسلام ومنع أسلوبه بين المسلمين وحرم الربا وما يتشعب عنه من استغلال وتنفير لنمو مدخرات وأموال المسلم البريء.
ثم أخذ الأستاذ الياسين يعدد عيوب البنوك التجارية قائلًا: إن النظام الذي تسير عليه البنوك التجارية هو في الحقيقة نظام أجنبي لا يسير وفق الشريعة الإسلامية، وما أقره كتاب الله بل هو وفق ما تمليه طريقة استجماع الأرباح وزيادتها واستثمارها دون خلفية إسلامية توضح العلاقة ما بين البنك وعميله، وهي أكثر ما ترى في هذه النقاط والأسانيد التالية:
۱- الفائدة في البنوك العادية «التجارية» سارية المفعول على المدين بلا أدنى رحمة وعطف وتفاعل مع ظروف المدين لا الدائن، وهو البنك.
٢- التمييز في الفائدة والأرباح حسب كمية المبلغ المودع في البنك العادي فهي أرباح تختلف بين شخص يودع ألف دينار وشخص آخر يودع عدة ألاف مثلًا، وهذا من وجهه النظر الإسلامية غير صحيح ويرافقه الخطأ والاستغلال.
3- معظم الفوائد التي تحققها البنوك العادية هي حصيلة الربا واستغلال بعضها لفئات من المواطنين لا حول لهم ولا قوة إلا الرضوخ لمطالب البنك.
4- ثم إن نظام البنوك في الفائدة يخلق طبقة طفيلية تحت الباطن تتلاعب على البنك وعلى «عميله» حيث تأخذ قرضًا من البنك ثم تقرض هذا المبلغ أو نصفه إلى شخص آخر محتاج إليه، ولكنه لا يستطيع الاقتراض من أحد البنوك لعدم توفر الواسطة له أو الثقة أو القدرة على السداد.
وفي نظري هذه أهم نقطه عيبية تتعامل بها بعض البنوك التجارية، ومن هنا أقول إن المحور الذي تدور عليه البنوك العادية هو محور «الربا» في الأساس وخلق التنافرات والتناقضات السلوكية في مجتمعنا.
وبالمقارنة مع طرائق البنك الإسلامي نجد التناقض واضحًا بين شرعية البنوك التجارية المغايرة لها:
1- ففي البنوك الإسلامية ليست هناك فوائد استمرارية عند المدين للدائنين مهما طالت المدة المقررة في السداد لأن الله يقول ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (الشرح:5-6) إذن فالقرض ليس عليه فائدة كما هو في البنوك التجارية.
۲- وجوب استئذان البنك الإسلامي من أصحاب الحسابات الجارية، والمودعة فيه حين تشغيل واستثمار أموالهم بالبنك.
3- الطبقة الطفيلية التي تستغل البنك «الدائن أي الدائن والمدين» بطريقة غير خلقية لا توجد في البنك الإسلامي، فالعمل يقوم مباشرة ودون تمييز مع كل مسلم يحتاج وفق ظروفه الخاصة للاقتراض من البنك الإسلامي فلم يكن التمييز ساريًا في البنوك الإسلامية.
ثم ازداد تفسير المحاضر للشرعية الاقتصادية في الإسلام وأنحى باللائمة على الثقافة العربية والكتاب العرب الذين بخل بعضهم في توضيح الاقتصاد الإسلامي، وتداوله بمفهوم حضاري يناسب روح كل عصر فقال:
- ليس من حقنا أن نضع اللوم على جيلنا المعاصر بقدر ما نرجعه إلى أساسيات قوانيننا الوضعية، وحيث نجد التلميذ يدرس من الصف الأول الابتدائي وحتى يصل به العلم إلى الدراسات العليا إذا وفقه الله وهو يدرس على الطريقة الأجنبية والاقتصاد الأجنبي الذي هو أساسًا يستورد أفكار اقتصادنا، ففي فرنسا على سبيل المثال يدرسون الكتب الإسلامية ويصدرون إلينا ما فهموه منها ولكن بطريقة غير صحيحة كما جاءت في الإسلام.
وبين المحاضر أن كل عضو في البنك الإسلامي يعتبر شريكًا في الربح والخسارة، وهذه هي التجارة الصحيحة المشروعة من القانون الإلهي والتي تبعد كل البعد عن جشع الربا وأموال الكره والتبغيض بين الناس.
وقد أكد على أن كثافة العملاء وازديادهم يوميًا في الانتساب بالبنوك الإسلامية قد جاء في غير توقعات مجلس الإدارة فقد كان المتوقع أن يكون عدد العملاء في البنك الإسلامي أقل من ذلك بكثير ففي أربعة أشهر جاءنا أكثر من عشرة آلاف عميل للانتساب بالبنك، وهذا أبسط ما يدل على وجود الوعي الإسلامي، وعودة الأمة الإسلامية إلى ما فقدته في ماضيها القريب، وكان سببًا تاريخيًا في تقهقرها وخضوعها ووصولها إلى ما وصلت إليه الآن من تشتت وضياع.
وقد كان أن تناول المحاضر بروز البنوك الإسلامية في العالم الإسلامي، وتأكد من نجاحها في بعض الدول وأن فكرة البنك بعد أن مضى على التجربة أكثر من أربعة أعوام في دبي أثبتت عطاءها وأعطت ثمارها المرجوة بكل فخر وإعزاز.
وفي نهاية المحاضرة استقبل المحاضر عدة أسئلة طرحها عليه الحاضرون لاستبيان كل ما يتعلق بمفهوم البنك الإسلامي وتطبيعه، أو تطبيعه بظروف حياتنا المعاصرة التي يشوبها التعقيد وتشابك خيوط الدقة في معاملاتها الاقتصادية.