العنوان محاضرة الدكتور المهدي بن عبود في جمعية الإصلاح: رسالة الإنسان وأمانة الأداء
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 21-يناير-1975
مشاهدات 74
نشر في العدد 233
نشر في الصفحة 15
الثلاثاء 21-يناير-1975
محاضرة الدكتور المهدي بن عبود في جمعية الإصلاح
رسالة الإنسان وأمانة الأداء
القسم الأول
أثناء زيارته للكويت، ألقى الدكتور المهدي بن عبود المفكر الإسلامي المعروف والأستاذ بجامعة الرباط ألقي محاضرة قيمة عن «رسالة الإنسان وأمانة الأداء» في قاعة المحاضرات بجمعية الإصلاح الاجتماعي.
ويسر «المجتمع» أن تنشر اليوم القسم الأول من هذه المحاضرة.
فالقرن العشرون أصبح من المتفق عليه بأنه عصر المتناقضات- كلما تقدمت الآلات وللإنسان الحق في أن يسرع في هذا التقدم- إلا وتشعر النفوس بأنها تتأخر بخطواط واسعة إلى الوراء إلى حد أن التعبير الآتي أصبح أصدق تعبير على هذا القرن العشرين، وهو: «أن أرقى الناس أشقاهم».
هذا التناقض لا بد من أن يتساءل العقل الواضح عنه وأن يضع أصبعه على نقطة الخلل فيه، فيرى بأن نقطة الخلل الرئيسية هي «الاستهانة بالمعنى العميق لكلمة الوحدة».
فالإنسان وحدة لا تتجزأ والكون وحدة متناسقة لا تتجزأ وفي ناحية المعنى هو وحدة لا تتجزأ وفي ناحية المبنى هو وحدة لا تتجزأ.
والإنسان يشعر بهذا التناقض المر الذي أصبح يطلق عليه عبارات: مثل: «الفكر المأساوي أو الضمير الممزق».
أخذ الإنسان يرجع إلى نفسه ليسألها عن السبب في هذا الخلل الموجود بين تقدم الآلات وتأخر العقول، إلى حد أن بعض المفكرين في الغرب أصبح يقول: «إن الإنسان المعاصر لا يفكر أو لم يفكر بعد ولكنه يعلم كثيرًا».
وأخذ يدور في نوع من الفراغ نظرًا للتخليط بين كثرة المعلومات وعمق التفكير، لهذا يرى الإنسان بأن حياته على وجه الأرض ذات مغزى عميق ولا بد أن يتساءل عنها بالمغزى من ناحية ومن ناحية أخرى لا بد من أن يكشفه لنفسه ولغيره في نفس الوقت، لأنه إذا قيل بأن الإنسان حیوان ناطق فهو في نفس الوقت حيوان صناعي وهو في نفس الوقت حيوان خلقي وهو على وجه الخصوص وفي نفس الوقت حيوان يحس بما وراءه.
أي لا بد له طوعًا أو كرهًا أن يشتغل بأعماق المسائل المتعلقة بما وراء الطبيعة فيما يتعلق مثلًا بالأصل من أين جئنا؟ وإلی أين نذهب؟ ولماذا الهموم؟ ولماذا الآلام؟ ولماذا الشعور بهذه الهموم وتلك الآلام مع مالها من مدلولات، ولماذا ينبغي أن نخلط بين الألم والشر كما لا ينبغي أن نخلط بين اللذة والخير فكمْ من مرة يكون المناضل الوطني الفلسطيني في أشد ما يكون من العذاب وهو يشعر بأن الخير العميم سيعود عليه وعلي أبناء بلدته وعلى عقيدته السمحة التي ستكون إن شاء الله نبراسًا للعالم في الحال والمستقبل.
يرى الإنسان إذن بأنه في بحثه هذا يريد أن يجمع شتات فكره الممزق في عالم موحد مستنير لا تترامى أطرافه بل مبني كهندسة محكمة على تناسق أجزائه من ناحية الظاهر والباطن معًا.
فالإنسان يرى بأنه رضي أم كره يمكن أن يكون أستاذًا أو طبيبًا أو محاميًا فهو في هذه الناحية يقوم برسالته ويريد في نفس الوقت أن يكون في حمى وفي وقاية من الهموم التي تمزقه من الناحية المعنوية الصرفة قلبه وعقله معًا حتى لا يدور في الفراغ ولا يتيه المتاهات التي لا يعرف أين يولي وجهه فيها في مسيرته من المهد إلى اللحد.
يرى بأن الإنسان بطبيعته مفطور على تحمل رسالته وهذا ما نراه في سائر العصور وعلى وجه الخصوص في العصور الحديثة ما بين الحربين العالميتين نرى بأن بعض الأنظمة قامت وكلها تقول: «إنها تحمل رسالة» وتسميها «النظام الجديد».
يحمل الإنسان رسالته ويقول: «إنها مستقبل البشرية التي ستجمع شاب البشرية في عدالة اجتماعية» كذلك الدول الاستعمارية القديمة مثل بريطانيا وفرنسا كانت تقول:
إن لها رسالة تحضيرية..
نرى إذن بأنه إن كان على حق أو على الباطل فالإنسان يشعر بأنه مفطور على تحمل رسالة لكن الرسالة التي يريدها الإنسان يريد أن تكون معصومة من الخطأ وهذا شرطها الأول والأخير وشرطها الأساسي الذي بدونه لا بد من أن يتعرض هذا الإنسان للمخاطر المعنوية لما يتعلق بتمزق الضمير وبالمخاطر المادية لما يتعلق بالفتن وصراعات بين الأطراف حتى في قعر دارهم.
ونرى بأن العقل البشري من ناحية المنهج لا من ناحية المضمون فقط، مفطور على أن يرى هذه الرسالة.
أولًا محكمة:
ثانيًا مضمونة محفوظة.
ويرى فيها أنها قائمة على أركان أربع:
١- الركن الأول: الرسالة نفسها كمضمون معنوي فاعلي تقدم للجمهور ليعتنقها ويهتدي بهديها.
٢- الركن الثاني: هو الرسول.. بلغة العصر السياسية: الزعيم أو القائد أو الرائد وباللغة المنطقية الحقة، المنزهة عن الأخطاء والمنزهة عن النفس والمنزهة عن الأهواء.. الرسول.. لأنه يأتي من مرسل فلا تدخل شخصيته هنا ولا يفتح بابًا للاستبداد على الغير أبدًا. رغم رفعة قدره كرسول هذا هو الركن الثاني.
٣- الركن الثالث: هو المرسل إليه: وهي الأمة فإذا كانت الرسالة بشرية فإنها تقتصر على حزب ما أو على طبقة ما أو على عنصر ما كالعنصر الآري مثلًا.. وإذا كانت الرسالة في مستوى التنزيه الذي تعلو درجاته إلى حد الإطلاق فإنها تبقى حتى على وجه الأرض محفوفة بمعنى الإطلاق وتكون موجهة للبشر كلهم ولهذا تكون الرسالة بيد رسول وبواسطة رسول لمرسل إليه.
ولتحفظ من الضياع ولتحفظ من عبث العابثين الذين يحرفون الكلام عن مواضعه ويكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنًا قليلًا فلا بد لها من أن تكون وثيقة في كتاب رسالة محفوظة المضمون لا يصله الباطل من بين يديه ولا من خلفه.. أبدًا وهو بشدة يقينه وبمتانته المرمرية يتحدى المخلوقات بأسرها أولًا. إن يأتوا بقطعة من مثله «أو بكلام القرآن الكريم» بسورة من مثله.. من ناحية ومن ناحية أخرى يتحداهم رغم رغبة التحريف عندهم ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: 9) إن الحركة البشرية وهي معرضة للخطأ نظرًا لكونها ناتجة عن العقل البشري والعقل البشري لا بد من أن يتعرض للخطأ فإذا انتفض رجل وقال: أنا لا أخطئ وأنا معصوم من الخطأ وأن ما أقوله هو الحق وما تقوله هو الباطل فأنذره بقرب رحيله إلى المستشفى.
هذا رجل اختل عقله غير أن الإنسان مبني على جسم وعقل وقلب.. هذا العقل يعرض إلى الخطأ لكنه.. يهتدي بالرسالة لأنه إن كان حيوانًا ناطقًا فهو حيوان اجتماعي طوعًا أو كرهًا وكثير مما يتعلمه من مجتمعه قائم على أساس الاستعداد الفطري الذي فطر الله سبحانه وتعالى الناس عليه.
ومن هنا يحس الإنسان بأنه محتاج إلى المطلق المعصوم من الخطأ المطلق المحفوف بالمعاني الثلاثة الخير والحق والجمال فهو يشعر بأنه سيبقى في حياته متمزقًا محتاجًا إلى من يلم شتاته في علم متصف بالإطلاق وبالعصمة من الخطأ وهذا العلم يكون دائمًا وأبدًا هو الذي يهدي الأجيال على اختلاف عناصرها واختلاف انضمام الموجات الحضرية من موجة إلى موجة.
هذا العقل من المستحيل أن يأتي من غير فرض واحد لا ثاني له وهذا الفرض الواحد هو الوحي وبما أن أبسط العمليات العلمية تكون قائمة على المنطق السليم وأن أبسط العمليات المنطقية من جملتها منطق السببية فلا بد من أن يربط حاجته بأسباب منطقية.
فإذا كان الإنسان يجول في مجال البشر فقط فإنه يتخذ الرسالة من بشر مثله ككتاب«كفاحي» أو كتاب «رأس المال» أو كتاب «التناقض» أو كتاب «العقد الاجتماعي» إلى غير ذلك فيأخذ هذه الرسالة من أفكار هي معرضة للخطأ موصوفة بالنسبية ويكون هذا الرسول هو صاحب هذه الأفكار فإنه عندما يكون هو صاحب هذه الأفكار وصاحب هذه الرسالة، لا بد من أن تتغلب عليه الأهواء وتطغى عليه ويظن بأنه هو خاتم النبيين والمرسلين فيقول بأن الماضي كان على خطأ بل لم يكن كاملًا أن كان على صواب وأنه بالرسالة التي آتى بها سيكون هو العامل لإتمام الصواب.
ومن أغرب الأشياء دائمًا في المجالات البشرية تقسيم الأمة البشرية أما عنصريًا كالعنصر الآري وأما طبقيًا كطبقة البروليتاريا أو الكادحين إلخ..
ولا يطلق هذا على الجميع فيكون هناك مبدأ للظلم مخالف للعدل في بداية الانطلاق ويكون خطؤه في بداية الانطلاق ويبقى الضمير البريء الذي يريد أن يتلقى رسالة يهتدي بها في الوجود كذلك ممزقًا من بداية الانطلاق.
والكتاب البشري يرغم على الناس قبوله بالسوط والسيف في حين أن الكتاب المنزه عن الخطأ دائمًا يأتي باحترام هذا المخلوق المكرم الذي يسمى بالإنسان وأنه لا ينبغي إكراهه لا في الدين ولا في غير الدين ولا في القانون فإن إجبار المكرم لا يجوز شرعًا وكذلك الإكراه في الدين يجعل القلب قلبًا منافقًا بدلًا من قلب مؤمن صادق.
إذن فإن المذاهب العلمانية رضيت أم كرهت تجول في هذه الأركان الأربعة ولكن على النطاق البشري المعرض للخطأ لكن المذهب الديني السماوي يجول أيضًا لأن هذا من حكمة الله التي جعلت من هذا الكون هندسة محكمة يجول في هذا بواسطة هذه الأركان الأربعة على وجه الأرض لكنها في مستوى التنزيه ومستوى الحكمة ومستوى العلم بالمفرد لا العلم بالجمع فقط ولذلك عندما تتوجه الرسالة إلى البشر يشعر الإنسان بأنه يتعمق في نفسه كلما تعمق فيها ولذلك يرى بأن من جملة ما توصيه به.. ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ (الذاريات: 21)
ونرى أن ما توصي به هذه الرسالة هو المال، لأن المعرفة نقطة الوصل بين الإنسان وغيره، وهي نقطة الوصل بين الإنسان والكون، وبين الإنسان وأخيه، ونقطة الوصل بين الإنسان وربه، ولذلك كان القرآن الكريم لا يعترف بالطبقات لا يعترف إلا بهذا المقياس﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الزمر: 9)
فقط وخارج هاتين الفئتين لا يعترف بطبقة أبدًا، كيفما كان نوعها الاجتماعي
﴿عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ، أَن جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ﴾ (عبس:1:3) ولكن الرفعة كل الرفعة في الرجوع إلى النفس والعودة إلى أعماقها لسبر أغوارها حتى يهديك الله بالحكمة مع الكتاب لأنه دائمًا يقرن بين الكتاب والحكمة.
وهذا «لوجي» نرى بأنه عندما يجعل المعرفة ويجعل العلم بالمفرد هو نقطة الوصل بين الإنسان وربه، نقطة الوصل بين الإنسان وذويه وعشيرته ونقطة الوصل بين الإنسان والأرض والأكوان الأخرى نرى بأن هذا العلم منظم على أساسين: الأساس الأول هي المعقولات العليا والأساس الثاني هي المحسوسات السفلى كما يسميها الراغب الأصفهاني في كتيبه الصغير «تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين»
واليوم في عصر قلب الأوضاع نرى بأن هذا الترتيب الطبيعي أصبح مقلوبًا رأسًا على عقب وصاحبه يظن بأنه يمشي على رجليه منتصبًا وهو مكب على وجهه فيقول بأن المحسوسات هي العليا وأن المعقولات هي السفلى لأنها نتيجة المحسوسات وبعبارة أخرى أن تفكير الإنسان وأخلاقه وسلوكه هو نتيجة عن التنظيم الطبقي على وجه الأرض، كما لو كان عقل الإنسان عجينة كيفما كان التنظيم الطبقي فستكون تلك العجينة الفكرية، وهذا استهتار وازدراء لكرامة الإنسان وقدرته الاستعدادية الفطرية على سبر الأغوار والرفض بين الإدراكات الحسية والإدراكات المعنوية ليدرب نفسه على الإشراقات درجة فوق درجة إلى أن يصل إلى درجة التحقيق نفسها في هذا الوجود. وبما أن الرسالة المنزهة المبنية على العلم المطلق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفة موجهة للعلوم وهناك كلمة مرادفة للمعرفة وتجمع بين القول والفعل بين الفكر والتطبيق بين النظر والعمل هي كلمة عبادة، وكانت المعرفة عند كثير من المفسرين مرادفة لكلمة عبادة كما يرى في بعض الأحاديث القدسية.
وهذه العبادة هي في نفس الوقت تدخل في عالم الغيب وعالم الشهادة، في عالم الشهادة لأنها مبنية على تواضع الإنسان أمام ربه جعل له السمع والبصر ثم الأفئدة ليحفل بها بعد أن أخرج الناس من بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئًا.
الغاية من الوجود بأسره في هذه العبادة التي ما خلق الإنس والجن إلا للقيام بها هو أن يكون الإنسان في أرفع مستوى بين المخلوقات كلها وهو أن يكون خليفة في الأرض لتدبير شئون الدنيا وفي تدبير أموال الدنيا ﴿وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾(الحديد:7) فالمال لله والأمر لله والخلق لله، والحكم لله وفي نهاية المطاف الرجوع لله حتى أن من حكمة القرآن الكريم أي من حكمة ربنا سبحانه وتعالى أن جعل القرآن بين كلمتين أولاهما العلم وهي «اقرأ» «وآخرها كلمة الله» سبحانه وتعالى لأنها هي الوجه الدائم ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ (البقرة: 281) وكانت ختام القرآن هي كلمة الله كما أنها بداية القرآن وهي بداية الحياة الأرضية التي لا نهاية لها لأن الحياة تمر بعدة مراحل الحياة الأرضية والحياة البرزخية ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (آل عمران: 169) يقول أبو حامد الغزالي وهذا يطبق على سائر الناس سواء كانوا من الشهداء أو من غير الشهداء، ثم الحياة الأخروية وهذا لتنفيذ مشيئة الله في مخلوقاته ومشيئة الله لمخلوقاته هي اختيار الله سبحانه وتعالى لأنه هو الفاعل المختار لكن جعل الإنسان وطلب منه سبحانه وتعالى أن يتخلق ببعض الأسماء وبعض الصفات من العليم والحكيم والقدير ويستعين بها على التصرف في الأشياء وعلي الدفاع عن الإسلام إلى غير ذلك.
فكان الإنسان أيضًا بمفعوليته حرًا وبحريته ذا إرادة ومشيئة وأراد الله أن يثبت الإنسان في فكره هذه المشيئة فاستعمل كلمة «الميثاق» الذي أخذها بينه وبين خلقه زيادة في تكريمهم ورفعتهم حتى لا يستبد بهم أحد في حياتهم السياسية ولا في حياتهم الاقتصادية ولا في منابر الخطابة ولا في ميادين الحكم ولا في ميادين الدولة التي هي مستودع للدستور القرآني الرباني الذي ينبغي أن تظل هذه الدولة محافظة عليه.
وفي هذه المسيرة الطويلة يري الإنسان أن عليه أن يتحمل أمانة لأنه مفطور عليها فإما أمانة حق وأما أمانة باطل، وأن كانت أمانة باطل فإنها تعيش في دائرة الإغلاق لأن الشياطين لهم بالمرصاد والشياطين مختلفة فمنها شياطين أنس ومنها شياطين جن.
كان أحد المسلمين في المغرب يفتتح دروسه في المسجد بقوله أعوذ بالله من شياطين الجن مرة واحدة ومن شياطين الإنس أربعين ألف مرة
فالإنسان لا يمكنه أن يتملص من الأمانة وأركانها الأربعة المرسل والرسالة والرسول والكتاب الضامن لهذه الرسالة فإما أن تكون علمانية وإما أن تكون ربانية معصومة عن الخطأ.
فإما أن كانت علمانية فإن البشر يبقون في أزمات تلو أزمات إلى مالا نهاية بعضها على شكل حرب وبعضها على شكل اختطاف طائرات وغيرها وبعضها على شكل ظلم وتعسف على أراضي المستضعفين.
وهذه الأمانة هي علم بالمفرد لا علم بالجمع، العلوم بالجمع ميدان العقل البشري النير الموهوب ليفرق بين النجدين حتى يزكي النفس ولا يدسها ويكون مآ له الخير. العلم بالمفرد هو ذلك النور الذي يقذفه الله في قلب الإنسان متعلمًا كان أو أميًا ورأس الأميين ورأس العلماء على الإطلاق هو محمد صلى الله عليه وسلم والفرق بين الأمية والجهل كالفرق بين الشهادة الجامعية والعلم، وهذا العلم بالمفرد هو الذي تبحث عنه البشرية أن عاجلًا أو آجلًا فتجده وستجده بعد أن تدور وتدور في قواعد محكمة تنتبه بالمستقبل بأنها كانت تعرفة وكان يسمى بالإسلام المسلم هو من أسلم وجهة للحق بعد البحث عنه والخضوع له والطاعة له كما يطيع العالم في المختبر القوانين التي يبحث عنها ويجد ويجتهد فيكتشفها ثم يطبقها بطاعته لها كما يقول الفيلسوف «بيكن».
من أراد التغلب على الطبيعة فعليه أن يخضع لقوانينها وهذا إسلام الوجه لها.
أما العلوم بالجمع فتتقدم وتتأخر بحسب اجتهادات البشر كمْ من قانون كان يظن أصحابه أنه ثابت ثم ظهر أنه من قبيل الظن فقط وأنه سراب لا أصل له.
وفي هذه المسيرة الطويلة من عالم الشهادة، المغزى العميق لهذه الأمانة هو تعمير الأرض على أساس الحق لا على أساس الباطل، لأن الحق هو توافق الإنسان مع فطرته «فطرة الله التي فطر الناس عليها» ولن تجد لسنة الله تبديلًا أبدًا.
فإذا لعبت أيدي الطغيان وأيدي الاستكبار وأيدي المحرفين بالرسالة السماوية فإنهم يفتحون باب الأزمات والويلات عليهم وعلى غيرهم.
أما إذا كان الإنسان يتوافق بالرجوع إلى نفسه أي يقول شيئًا ويظنه شيئًا آخرًا، الفكر هو استعمال كل شيء للحصول على المعلومات ولو كانت في عقل شيطان والغوص في أعماق الكون وأسراره والغوص في أعماق النفس وأسرارها حتى لا تنزلق رجل الإنسان فيدخل في الأزمات النفسية والأزمات الاجتماعية والأزمات الأخلاقية إلى غير ذلك.
فهذا التعمير إذن هو أيضًا لبنة من لبنات هذا البناء العظيم الذي يسمى بالكون والذي تجري عليه قوانين السماء طوعًا أو كرهًا.
- يتبع-
الرابط المختصر :
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل