العنوان محاسن الشريعة في كتاب التشريع الجنائي (۲).. أول محاسن الشريعة أنها إلهية المصدر
الكاتب توفيق الشاوي
تاريخ النشر الثلاثاء 30-نوفمبر-1999
مشاهدات 133
نشر في العدد 1378
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 30-نوفمبر-1999
كل أمة تؤمن بهذه الشريعة من حقها أن ترفض أي حكم يخالف مبادئها أو يحل محلها
كل صاحب سلطة مطلقة يعارض كل مطالبة بتطبيق الشريعة ليكون حكمه مطلقًا مستبدًا
أفاض فقهينا الشهيد عبد القادر عودة، في أن شريعتنا تمتاز بمصادرها الإلهية في نصوص الكتاب والسنة، ووصف هذه النصوص بأنها هي الشريعة التي أنزلت على محمد ﷺ، في فترة بعثة الرسول التي انتهت بوفاته، وأنها تستعصي على التبديل والتغيير، وأنها نزلت من عند الله شريعة كاملة جامعة مانعة لا ترى فيها عوجًا ولا تجد فيها نقصًا، أنزلها الله -عز وجل- من سمائه على قلب رسوله محمد ﷺ في فترة قصيرة لا تتجاوز المدة اللازمة لنزولها، فترة بدأت ببعثة الرسول، وانتهت بوفاته أو انتهت: يوم قال عز وجل: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ ﴾(المائدة: ٣).
معنى ذلك أنها دين وليست مجرد قانون، وأن الفرد الذي يؤمن بهذا الدين والأمة التي تؤمن به من حقهم وواجبهم أن يلتزموا بأحكامه وأن يقاوموا كل انحراف عنه أو تبديل له، ولا توصف هذه المقاومة بأنها محاولة لتغيير نظام الحكم، بل هي محاولة لتصحيحه وتقويم انحرافه.
إن إيماننا بأن شريعتنا إلهية المصدر والمنبع معناه الإيمان بأن سلطة التشريع هي الله -سبحانه وتعالى-، وأن كل ما يضعه البشر بعد ذلك من أحكام، يجب أن يلتزم بمبادئ الشريعة الإلهية وقواعدها، سواء سميت تقنيات أو أنظمة. وفي حالة تسميتها تشريعات أو قوانين، فإن ذلك ليس معناه أنها في مستوى أحكام الشريعة أو أنها تحل محلها أو تغيرها أو أنها بديل عنها.
وكل أمة تؤمن بهذه الشريعة من حقها أن ترفض أي حكم يخالف مبادئها، أو يحل محلها لأنها ليست قانونًا تضعه الدولة، بل إن الحاكمية لله في شريعتنا الإلهية.
عندما يقول فقيهنا إن الشريعة من عند الله -جل شأنه-، وأنه لا تبديل لكلمات الله، فإنه يقصد بذلك نصوص الكتاب والسنة، وقد بينا «في الموسوعة». أنه يقصد الشريعة بالمعنى الضيق، أما شريعتنا بالمعنى الأوسع، فهي تشمل هذه النصوص، وما يستنبط منها من أحكام بواسطة الاجتهاد أو الإجماع، وإن وصفت بأنها فقه لأن الفقه جزء من الشريعة.
والمصدر الإلهي لشريعتنا له نتيجة عملية تجعل المؤمن بها يلتزم شخصيًا بتنفيذها، وعدم مخالفتها طاعة لله، دون حاجة لأن تفرض عليه ذلك سلطة دنيوية أو حكومة تلزمه بذلك.
ووجود السلطة الدنيوية التي تقوم بتنفيذ الشريعة لا يكفي الاعتماد عليه وحده، لأن الاعتماد على سلطة الحكومة والدولة وحدها يفتح الباب أمام كل من يستطيع أن يضلل سلطات الدولة أن يرتكب ما يشاء من مخالفات طالما أنه مطمئن إلى أنه بعيد عن أن تناله أجهزة الدولة، وأخطر من ذلك أنه يفتح أمام ذوي السلطة أنفسهم بابًا لكي يخالفوا الشريعة مطمئنين إلى أنه لا توجد سلطة عليا فوقهم تلزمهم بها، لهذا السبب، فإن كل صاحب سلطة مطلقة يعارض كل مطالبة بتطبيق الشريعة، إذا كان يريد أن يكون حكمه مطلقًا ولا يريد أن يحاسب على أعماله بمقتضى شريعة لا يستطيع أن يعدلها أو يعطلها.
ولذلك، فإن بعض الذين يرفضون الالتزام بأحكام الشريعة لا يكتفون بتعطيلها وإنما يعلنون صراحة أن سياستهم لا تتقيد بمبادئ الدين وعقيدته، ويرفعون شعار أنه لا دين في السياسة أي أنهم طالما يمارسون سلطة سياسية، فإن هذه السلطة في نظرهم لا تتقيد بأحكام الدين ومبادئه ولا قيمه الثابتة الخالدة، وآخرون لا يكتفون بذلك. بل يدعون أن الدين شيء والدولة شيء آخر، فهي في نظرهم لا تلتزم بدين ولا تخضع لشريعة إلهية، وأنها هي التي تضع قانونها الوضعي فلا تحتاج إلى قانون آخر مصدره سلطة أعلى منها.
لذلك، قلنا: إن شريعتنا لا يصح وصفها قانون -إنها فوق ذلك- لأنها دين يشمل العقيدة والعبادة وكل شؤون المجتمع والفرد في حياته الدنيا والآخرة، وقد حرصنا على معارضة من يصفون شريعتنا بأنها قانون، إسلامي، لأن ذلك تشويه لها -إذ إنها أوسع من ذلك وأعمق- ولأن القوانين التي يتحدثون عنها لا شأن لها بالعدالة الإلهية يوم البعث والنشور والحساب في الآخرة الذي هو أول أركان عقيدتنا وشريعتنا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل