العنوان محاسن الشريعة في كتاب «التشريع الجنائي»
الكاتب الدكتور توفيق الشاوي
تاريخ النشر الثلاثاء 23-نوفمبر-1999
مشاهدات 63
نشر في العدد 1377
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 23-نوفمبر-1999
العبرة في التشريعات ليست بالأحكام الفرعية، بل بمقاصدها ومنابعها وأصولها
الكتاب عنوانه «التشريع الجنائي الإسلامي» للقاضي الفقيه الشهيد عبد القادر عودة، وقد قال في مقدمته: «هذه دراسات في التشريع الجنائي الإسلامي، مقارنة بالقوانين الوضعية، وفقني الله فيها إلى إظهار محاسن الشريعة وتفوقها على القوانين الوضعية، وسبقها إلى تقرير كل المبادئ الإنسانية والنظريات العلمية والاجتماعية التي لم يعرفها العالم ولم يهتد إليها العلماء إلا أخيرًا»... وقال: «تمتاز الشريعة الإسلامية عن القوانين الوضعية أنها استكملت كل ما تحتاج إليه الشريعة الكاملة من قواعد ومبادئ ونظريات، وأنها غنية بالمبادئ والنظريات التي تكفل سد حاجات الجماعة في الوقت الحاضر القريب والمستقبل البعيد».
ثم أكد ذلك عندما قال: «الدراسة العلمية والمنطق يقتضيان القول بتفوق الشريعة الإسلامية على القوانين الوضعية وبصلاحية الشريعة لهذا العصر ولما سيتلوه من عصور»، وأنها «هي المثل الأعلى الذي يجب أن يأخذ به ويحتذيه كل مشرع وضعي في أي بلد إسلامي أو غير إسلامي».
ونحن لا نسلم بهذه الأوصاف التي قال بها فقيهنا إلا بعد أن نبين للقارئ بالتفصيل ما الميزات التي أشار إليها والأدلة على وجودها ونتائجها العملية.
وقبل أن نعرض رأينا في ذلك كله نلاحظ أن هذه الميزات على نوعين:
النوع الأول : منها قد تحقق فعلاً تفوقه، ذلك أن الشريعة منذ فجر الإسلام في القرن السابع الميلادي، سبقت القوانين الوضعية إلى المبادئ والقواعد التي توصلت إليها القوانين الوضعية العصرية بعد القرن الثامن عشر الميلادي، أي بعد أن قررتها الشريعة بقرون طويلة - ويتباهى شراح القوانين الوضعية أنهم توصلوا إليها بعد تطوير نظرياتهم وقوانينهم خلال قرون عديدة من تاريخهم، ويتجاهل هؤلاء وتلاميذهم من دارسي القوانين الوضعية المعاصرة في بلادنا المستوردة من الخارج الحقيقة التي بيَّنها فقيهنا، وهي أن هذه المبادئ والقواعد التي يسمونها الآن عصرية قد قررتها الشريعة الإسلامية قبلهم منذ قرون عدة.
النوع الثاني : هي مبادئ وأحكام لم تصل إليها القوانين الوضعية المعاصرة حتى الآن، ولكن العالم يحتاج إليها، ونحن واثقون بضرورتها لعلاج الظلم والفساد الذي تشكو منه الشعوب الآن، ونتمنى أن تصل إليها القوانين الوضعية في المستقبل، وأن يعترف شراحها وعلماؤها أن الشريعة الإسلامية هي المثل الأعلى الذي يجب أن يتجه إليه تطور القوانين في المستقبل - إن شاء الله - إذا أرادوا علاج المساوئ التي يشكو منها العالم في العصر الحاضر ويبحثون عن علاج لها.
وعلينا نحن أن نقدم هذا العلاج الذي نجده في أحكام ومبادئ شرعية مازال العالم يجهلها أو يتجاهلها حتى اليوم لا أن نتنكر لها ونعطلها.
وعلى الرغم من أن هذا النوع الثاني مرتبط بكثير مما يدخل في نطاق النوع الأول إلا أن فقيهنا لم يتوسع في بيانها، لأنه وجه كل همه إلى الموازنة بين أحكام الشريعة والقوانين المعاصرة الحالية، وذلك لإقناع المسؤولين في الدول الإسلامية وغيرها، أن تطبيق الشريعة لا يترتب عليه التخلي عن المزايا التي توفرها في نظرهم القوانين المعاصرة التي توصلوا إليها فعلاً التي لم تحقق للعالم ما يصبو إليه من أمن وعدل.
أما الطبعة الثانية لهذا الكتاب «في الموسوعة التي نعدها»، فإنها تكفلت في الحواشي والتعليقات ببيان القواعد والمبادئ المستقبلية التي يجب علينا أن نقدمها للعالم المتمدين ليجد فيها المثل الأعلى الذي يجب أن يتجه نحوه تقدم القوانين.
وكان هذا ضروريًّا بعد خمسين عامًا من نشر الطبعة الأولى من الكتاب للرد على بعض «ترزية» القوانين وفقهاء السلاطين الذين يدعون أنه مادامت الأحكام الحالية للقوانين الوضعية لا تختلف في أغلبيتها عن أحكام الشريعة الإسلامية، فلا داعي لتركها والعمل بالشريعة الإسلامية، طالما أن الأحكام متشابهة، وأنه يكفي إدخال بعض التعديلات في القوانين الوضعية الحالية التي يزعمون أن فيها وحدها مخالفة للشريعة، وهي قليلة في نظرهم حتى إن بعضهم وصفها أنها لا تتجاوز 5% من هذه القوانين مثل «تحريم الربا والزنا والخمر والقمار».
وردنا على ذلك هو: أن العبرة في التشريعات ليست بالأحكام الفرعية، بل هي بمقاصدها التي يرجع فيها إلى مصادرها ومنابعها وأصولها، وأن تشابه الأحكام الفرعية لا يبرر استيراد قوانين أجنبية تتجاهل أصول الشريعة ومنابعها السماوية ومقاصدها، لأن ذلك يفتح الباب أمام محاولات التزييف، واستخدام تلك الأحكام لتحقيق مقاصد غير المقاصد التي تقرها شريعتنا الغراء.
مثال ذلك: أن شريعتنا جعلت الزواج أساسًا لبناء الأسرة، وحفظ الأنساب، وضبط العلاقات الجنسية بين الناس لتمييزهم عن الحيوانات، وتشريع الزواج في بعض النظم العصرية لم يعد يحقق هذه المقاصد لأنهم يبيحون العلاقات الجنسية خارج الزواج باسم الحرية الجنسية لغير المتزوجين وللمتزوجين أيضًا، فكيف يُقال إن مثل هذا الزواج يحفظ الأنساب إذا كان للزوجة أن تعاشر من تشاء وينسب طفلها لزوجها؟ وإذا كان الزواج عندهم لا يمنع «الحرية الجنسية» التي يرفعون شعارها في بعض النظم «العصرية» التي يستوردون منها قوانينهم الوضعية، ويريد بعض دعاتها أن يفرضوا علينا أن نقلدها في «الحرية الجنسية» ؟