; محاسبة الرؤساء بين العالم الناهض والهابط | مجلة المجتمع

العنوان محاسبة الرؤساء بين العالم الناهض والهابط

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 06-أكتوبر-1998

مشاهدات 60

نشر في العدد 1320

نشر في الصفحة 51

الثلاثاء 06-أكتوبر-1998

بعدما عاشت أمم كثيرة في العالم الهابط، ردحًا من الزمن، تتعبد رؤساءها، وتقدس جنرالاتها، وتقدم الطقوس لسلطاتها، وبعد أن استذلت الشعوب حتى هلكت، واستُعبدت حتى ملت، وبعدما ظن الرئيس أنه إله، وأنه القادر، والسائل، والحكم، والقاضي، والمدعي، والقانون... هل تؤمن اليوم بعدما رأت كلينتون يحاسب، كما يحاسب العامة، ويناقش كما تناقش السوقة، ويُؤنب كما يُونُب المذنبون، ويعتذر كما يعتذر الخاطئون، بأنهم بشر فتزول هيبتهم الكاذبة، وتتكسر صنميتهم الطاغية، فتملك تلك الشعوب أمرها، وتأخذ حقها وتحدد مصائرها، وتعرف مصالحها، وتنهض عزائمها، لقد أن لتلك الشعوب الهابطة أن تعيش عصر الدولة، لا عصر همجية الاستملاك، عندما كان الحاكم يملك الدولة، كما كان لويس الرابع عشر يقول: أنا الدولة!

يقول فقهاء القانون الدستوري:  إن الدولة بمفهومها الحديث وجدت عندما انفصلت ذمة الدولة عن ذمة الحاكم، وعندما أصبحت السلطة اختصاصًا، وليست ميزة شخصية له، والواضح أن كثيرًا من تلك الشعوب اليوم تعيش خارج نطاق الدولة، أو تعيش عصر لويس الرابع عشر، وقد ظلت تستغفل تارة عن حقوقها، وعن عصرها بشعارات ثورية «كبطل الثورة»، و«رمز الكفاح» أو ألفاظ أبوية، من أمثال: «رب العائلة» «ورب الأسرة»، وكانت تلك ذريعة لخلط شخصية الدولة وذمتها المالية بذاتية الحاكم، ومسوغًا سمجًا لسيطرته على مقدرات الأمة، وستارًا ملوثًا لإخفاء التجاوزات والفضائح السياسية، والمالية والاجتماعية، ووسيلة مفضوحة لإضفاء القداسة، وكبت الحريات، وعدم كشف الحقائق، وتجريم المعارضة، ووضع العراقيل أمام المحاسبة على التجاوزات.

لقد أصبح الإنسان في العالم الثالث والعربي، يعاني حالة الحرمان من أهم حقوقه الأساسية كإنسان، فهو محروم من إبداء الرأي والتعبير في شؤون مجتمعه ووطنه وأمنه، وهو مغلول عن المشاركة في تقرير مصيره ومصير بلده، ومكبل بقيود القهر والخوف والحاجة، كما أنه محكوم عليه بالإقامة الجبرية داخل سجن إقليمه الضيق حيث إن انتقاله إلى أي قطر عربي، أو أجنبي، تقوم في وجهه ألوف العقبات، والعوائق، كما أنه محروم من المعلومات والأخبار التي تتعلق بشؤون أمته، وحياته، ومشاكله، فهو ليس ممنوعًا من إبداء الرأي فحسب، بل ممنوع من تكوينه أو التفكير فيه حيث يعد ذلك جريمة في كثير من الأحوال، بل تطور الأمر في عديد من الأجزاء العربية إلى إهدار قيمة الإنسان وامتهان كرامته والتنكيل به جسميًا ومعنويًا، بل أصبحت التصفية الجسدية للإنسان العربي أسلوبًا طبيعيًا داخل هذه الأجزاء، كما أن كثيرًا من القيم الإسلامية والعربية، قد أهدرت عن عمد، فصيانة الأعراض كانت قيمة مقدسة، أصبحت اليوم وسيلة متداولة لدى كثير من القوى الحاكمة لتعذيب الخصوم السياسيين، أو لابتزاز المعلومات والإكراه الصالح تلك القوى، كما أن المرأة التي كانت تحترم، أصبحت الآن تعذب وتسجن وتقتل، والشيخ يعتقل ويُصفى وأصبح النفاق، طعام الكثيرين وشرابهم، والكذب سمة العصر ولغته، والانحرافات الأخلاقية والمالية عادته وطبعه، كما اخترعت للشعوب مهن حقيرة، وعلمت أعمالًا مهينة، من التصفيق حتى تتقطع الأكف، والهتاف حتى تتقرح الحناجر، والخضوع حتى تلمس الجباه الثرى.

ها هم كما تهوى -فحركهم- دُمى ***  لا يفتحون بغير ما تهوى فما

إنا لنعلم أنهم قد جمعوا *** ليصفقوا إن شئت أن تتكلما

وهم الذين إذا صببت لنا الأسى *** هتفوا بأن تحيا لنا أو تسلما

لقد اتسعت الهوة كثيرًا، وأصبح الفرق شاسعًا بين الشعوب الناهضة والهابطة، كالفرق بين الحرية والكبت والمحاسبة والقداسة، وكشف الحقائق وإخفائها، والصدق والكذب، والهروب من الوطن والتضحية في سبيله، وكان المؤمل أن يعتمد جمهور الأمة على مثقفيها وقادة الفكر فيها لإيقاظ النائم، وردع الظالم، وإقامة العدالة، ولكنهم وللأسف قد فشلوا فشلًا ذريعًا في أداء تلك المهمة وخانوا رسالتهم وشعوبهم، ولا يتصور أنه يمكن أن تبرز الحرية في جوهرها الفاعل من دون أن يكون هناك مجموعة من المثقفين وثلة من الرواد يحملون عبء الكفاح وقيادة الجماهير، ويمارسون نوعًا من الصمود والاستقلال تجاه السلطة، ولكنه -وبصورة عامة- مازال المثقفون مربوطين بأنماط ممارسي السلطة، ويعملون لحسابها إلا من رحم ربك، بل قد تحولوا في كثير من الأحيان إلى أبواق للأنظمة وأقلام تبرر ممارسات القمع، ومصادرة الحريات، وتقوم بفلسفة ذلك، واختراع حيثيات له، ومبررات مأساوية وقذرة، رغم معاناة الناس وآلامهم ولله در القائل:

وإخوان حـسـبـتـهـمـو دروعًا *** فكانوها ولكن للأعــادي

وخلتهمو سهامًا صائبات *** وكانوها ولكن في فؤادي

وقالوا قد صفت منا قلوب ***  لقد صدقوا، ولكن عن ودادي

وبعد... فهل سيظل هذا الضياع والقهر والاستعباد والتخلف، رغم عهود الحرية والديمقراطية؟ وهل سيستمر هذا الدجل الديمقراطي، وتظل هذه الأحزاب الورقية، والتنظيمات الدخانية؟، لا أظن ذلك، بعد أن شخصت الأمم على التخلف، وكشفت عن أمراض التشرذم ولن تظل الشعوب هي التي تحاسب على النقير والقطمير، حتى عن أشياء لم تفعلها، وتُسأل عن أعمال لم تقترفها، أظن أن الشعوب الهابطة قد عرفت أنها في التي يجب أن تحاسب سلطاتها، لأنها تعيش كل يوم الدروس والعبر وتشم كل وقت عبير الحرية عند الآخرين، فلا بد من أنها ستستجيب لإحيائه قريبة، وعزة أكيدة.. نسأل الله ذلك.. أمين.

الرابط المختصر :