العنوان نائب الرئيس يقود حملة أخذ البصمات.. والرئيس ينفي ويرفع يديه عن الأمور الدينية- محاولة اغتيال المعاهد الدينية في إندونيسيا
الكاتب أحمد دمياطي بصاري
تاريخ النشر السبت 07-يناير-2006
مشاهدات 67
نشر في العدد 1684
نشر في الصفحة 32
السبت 07-يناير-2006
أخذ بصمات الطلبة يثير المخاوف ويشوه سمعة المعاهد الإسلامية
طلاب المعاهد الدينية طاقة لم تستثمر من أجل القضاء على الإرهاب بدلًا من توجيه أصابع الاتهام لهم بأنهم إرهابيون
أعرب رئيس مجلس الشورى الشعبي الإندونيسي الدكتور محمد هداية نور وحيد عن رفضه القاطع للمضايقات الجديدة ضد المعاهد الإسلامية الممثلة في قيام رجال الأمن الإندونيسي بأخذ بصمات الطلبة في إطار مكافحة الإرهاب في إندونيسيا.
وقال إن تلك السياسة ستؤدي حتمًا إلى تلطيخ سمعة الطلبة وسمعة المعاهد في نفس الوقت، مناشدًا كافة الأطراف المعنية في البلاد أن تساهم في تقوية دور المعاهد الإسلامية بدلًا من الوقوف ضدها، مؤكدًا الدور المؤثر الذي تلعبه هذه المؤسسات والمدارس الإسلامية منذ تاريخها القديم.
جاء موقف هداية الرافض والقاطع هذا بعد تلقيه شكاوى عديدة من بعض مديري المعاهد الإسلامية بأن رجال الأمن جاءوا إليهم بأوامر مجحفة من القيادات العليا لأخذ بصمات الطلبة المشتبه فيهم، حيث اعتبر أن هذا التحرك السلبي ضد المعاهد الإسلامية قد لا يشجع الإندونيسيين في المستقبل على اعتبار المعاهد مكانًا مناسبًا لتنشئة أبنائهم، بل قد يصل الأمر إلى سحب أولياء الأمور أبناءهم منها خوفًا من شبح التورط في الإرهاب.
قضية حساسة
وجاءت هذه الضجة المستجدة إثر دعوة نائب رئيس الجمهورية «يوسف كالا» لمديري المعاهد الإسلامية بضرورة المشاركة في القضاء على الأصول الإسلامية التي يرى أنها مصدر أساسي في تفريغ بعض الإرهابيين المتورطين في عمليات الإرهاب الأخيرة في البلاد، خاصة بعد عرض شهادة الإرهابيين في القرص المدمج الذي عثر عليه عند الهجوم على مخبأ الدكتور أظهري، الماليزي الجنسية، في منتصف شهر نوفمبر 2005م، الذي سبب قتله.
وكرر نائب الرئيس طلبه عند حضوره الندوة الدولية التي عقدت بعنوان «الأصولية الإسلامية: قضايا الأمن والأنشطة التجارية في إندونيسيا» في 12 ديسمبر 2005م، لدى مسؤولي المعاهد وطلب السماح بتسجيل بصمات الطلبة، معللًا أن هذا الأمر اعتادت عليه دول كثيرة في العالم، متسائلًا: لماذا أصبحت المعاهد حساسة في قضية البصمات التي هي مجرد التعريف عن الشخصية؟
ويقول الخبراء إن حساسية المعاهد منطقية جدًا، خاصة أن تخوف المعاهد من قرار الناس منها أمر معقول، وأن ظواهره ملموسة على الساحة الإندونيسية الأخيرة لعدم قبول بعض خريجي المعاهد الإسلامية في العمل لكونهم طلاب معاهد وستصبح أنظار العالم عليهم.
ويتساءلون: إذا كانت البصمات ليست إلا من أجل التعريف عن الشخصية، لماذا خصت الحملة الأخيرة طلاب المعاهد الإسلامية فقط وليس كل طلبة إندونيسيا!
وإذا كان الأمر كذلك فيجدر بنا أن نطرح سؤالًا لدى نائب الرئيس: ما ذنب المعاهد الإسلامية في تلك الأعمال الإرهابية؟ علمًا بأن المتورطين في أعمال الإرهاب في إندونيسيا كلهم ليسوا من خريجي المعاهد الإسلامية، خاصة أن بعضهم كأمثال أمرازي وعلي غفران «متورطان في تفجيرات بالي الأولى» هم أشقاء محمد خازن، مدير معهد الإسلام «تيجولون لامونجان جاوي» الشرقية لكنهما ليسا من خريجي المعهد المذكور، رغم أنهما تعرفا على أبو بكر بعاشير با معلم «الرئيس الروحي للمجلس الإندونيسي للمجاهدين الذي مازال يعيش في معتقل تحت ضغوط أجنبية»، بل إن المعاهد الإسلامية ساهمت مساهمة كبيرة في صناعة رجال الدولة المعتدلين في هذه الأيام أمثال د. دين شمس الدين «رئيس الجمعية المحمدية»، وهاشم مزادي «رئيس جمعية نهضة العلماء»، وزين المعارف «نائب رئيس البرلمان الإندونيسي»، ود. محمد هداية نور وحيد «رئيس مجلس شورى الشعبي»، وكلهم تخرجوا في معهد كلية المعلمين الإسلامية «كونتور دار السلام جاوي» الشرقية.
موقف موحد
وفي هذا الصدد، قال كياهي الحاج عبد المهيمن، رئيس معهد نور الأمهات مدينة يوكيا كارتا جاوى الوسطى: «أرى أن ثمة محاولات واضحة في استعادة منهج العهد القديم «عهد سوهارتو» في الضغط على المعهد الذي لا يمكن السيطرة عليه»، مشيرًا إلى أن «هذه الخطوة في منتهى الخطورة، مع إغفال نائب الرئيس للدور الفعال الذي كانت تلعبه المعاهد الإسلامية منذ القدم قبل ولادة يوسف كالا بعقود منصرمة بل قبل نشأة هذه الجمهورية»، وقد تحالف عبد المهيمن مع 20 رئيسًا للمعاهد الإسلامية في جاوي الوسطى في منتدى المعاهد في بداية شهر ديسمبر 2005مالرفض تحرك نائب الرئيس ورجال أمنه، وصمم رؤساء المعاهد على طرد رجال الأمن إذا أصروا على أخذ بصمات الطلبة.
ورأی مدير معهد المؤمن «معهد أبو بكر» تجروكي سوكوهارجو أن تحرك يوسف كالا تجاه المعاهد الإسلامية فيه نوع من المبالغة في الاشتباه، بل إنه سعى إلى تهميش دور المعاهد الإسلامية التي هي أعمدة القيام هذه الجمهورية.
وعلى الصعيد نفسه، قال مدير معهد ليريويو التابع لجمعية نهضة العلماء إدريس مارروقي: «أنا أضمن أنه لا يوجد معهد يدرس فيه الإرهاب»، إذ يتساءل عن المبدأ الشرعي للحكومة في التحرك لأخذ مئات الآلاف من طلبة المعاهد في إندونيسيا التي لا تقل عن 17 ألف معهد إسلامي.
وأضاف: «أنا لا أرضى بهذا الأمر، لوضوح هدفه في تهميش دور المعهد، ولقد هددت المعاهد الإسلامية أن مبادرة نائب الرئيس يوسف قد تؤدي إلى عدم ثقتهم بالحكومة وشرعيتها ثم يسحبون دعمهم لها».
وعلى الرغم من حداثة عمر أمر نائب رئيس الجمهورية، إلا أن التحرك الحكومي ضد المعاهد قد افترس بعض ضحاياه في مدينة جيريون جاوي الغربية، حيث قال أنوم كوسوماجاتي، مدير معهد الجوهرية، إن خريجيه المتفوقين كانوا يواجهون صعوبة كبيرة في البحث عن مجال للتعليم في عدة مدن كبيرة، لعدم توافر تصريح من قبل رجال الأمن يؤكد براءتهم من الأعمال الإرهابية.
استياء وقلق
وعلى نفس الوتيرة، رفض المجلس الإندونيسي للعلماء في جاوى الغربية - على لسان رئيسه حافظ عثمان - ذلك الأمر، مؤكدًا أن المجلس يرفض العمل من أجل أخذ بصمات طلبة المعاهد رفضًا صارمًا، وقد جاء هذا الرفض بعد تأكيد رئيس الشرطة المحلية بيرمادي في ديسمبر 2005م، حيث قال: «من أجل تسهيل التعامل مع شبكة الإرهاب الراهنة الذي زعم أنه جاء من قبل خريجي المعاهد تقوم بالمبادرة للتعرف على طلبة المعاهد ومدرسيها».
كما رفض رئيس جمعية نهضة العلماء هاشم مزادي «أحد خريجي معهد كلية المعلمين الإسلامية كونتور جاوي الشرقية» خطة الحكومة في أخذ بصمات الطلبة، مشيرًا إلى أن جمعيته ترفض الأمر رفضًا باتًا، ولن تسمح لأي شرطي بالتجرؤ للقيام بذلك التحرك لدى المعاهد الإسلامية التي تستظل تحت راية الجمعية.
ویری هاشم أن وجود طلاب المعاهد هم طاقة لا بد أن تستغل من أجل القضاء على الإرهاب وليس توجيه أصابع الاتهام لهم.
في الوقت نفسه، يرى رئيس مجلس الشوري الشعبي أن القضية ستولد نتيجة عكسية في مسيرة القضاء على الإرهاب، مؤكدًا أن الأمر لن يسهم في القضية الرئيسة وهي مكافحة الإرهاب.
كما انتقد وهداية كل هيئات حقوق الإنسان الصامتة في هذه الأيام لأن المنتهكين هم طلاب المعاهد الإسلامية، متسائلًا عن مدى جدية أولئك المناضلين في حقوق الإنسان، وقال: «هل طلاب المعاهد الإسلامية لهم نفس الحقوق التي يجب أن تدافع عنها؟».
رفض الشرطة
من جانبه، أكد رئيس الشرطة الإندونيسية الجنرال سوتاتو أن سياسة أخذ البصمات هذه ليست منه ولكنها أوامر عليا، دون الإشارة إلى المصدر، وعلى الرغم من ذلك فقد أعرب رئيس مجلس الشورى الشعبي د. هداية عن تقديره لموقف رئيس الشرطة.
وفي السياق نفسه، نادي رئيس لجنة حقوق الإنسان عبد الحكيم جارودا رئيس الشرطة الجنوال سوتانتو إلى إصدار أوامره إلى كل رؤساء الشرطة الإندونيسية بضرورة عدم الاستعجال يأخذ بصمات طلبة المعاهد، معربًا عن قلقه من أن تؤدي تلك الأوامر إلى تشويه سمعة المعاهد الإسلامية بل إن الآخرين يرون أن القضية قد تؤدي إلى اغتيال المعاهد الإسلامية.
وبعد الصمت الطويل على صعيد الجدال حول هذه القضية، أكد الرئيس سوسيلو بامبانج يودويونو موقفه المعارض لموقف نائبه، حيث قال عند زيارته لتايلاند في 16 ديسمبر 2005م: «إنه لا يوجد هناك أي سياسة وطنية لتسجيل طلبة المعاهد «أخذ البصمات»، ولا ينبغي لنا أن نقوم بشيء لا هدف له ويثير قلقًا واسعًا»، وأضاف أنه ليس كل شيء يجب أن تديره الحكومة، كما أن الأمور الدينية سلمتها الحكومة للعلماء ورجال الدين.
(*) محاضر في كلية الاقتصاد والعلوم الإنسانية – جاكرتا.