العنوان مجلس أمة.. أم مجلس خدمات؟!
الكاتب عبدالله الصالح
تاريخ النشر السبت 10-أكتوبر-1981
مشاهدات 70
نشر في العدد 550
نشر في الصفحة 16
السبت 10-أكتوبر-1981
إذا كان ثمة أسباب كثيرة «لاستسباع» الحكومة على المجلس في دور انعقاده الأول كالخوف من اتهام الحكومة للمجلس بعدم التعاون، وبسبب التركة الثقيلة لفترة التعطيل، فقد كان الأمل معقودًا على أن يبدأ المجلس دور انعقاده الثاني بموقف أصلب، وبتصور أرحب وأشمل لطبيعة مهمته.
ولكن إدارة الحكومة لامتحان المادة «35» مكرر وقانون التجمعات، وتمكنها من إلغاء امتحان المادة «٣٥» مكرر لتدخل المجلس في امتحان أصعب هو امتحان قانون جديد للمطبوعات والنشر، جعل المراقبين وعموم الشعب يتشككون في مستقبل المجلس وقدرته على أداء دوره الطبيعي كحارس للحريات، وجهاز للتشريع، ورقيب على أعمال السلطة التنفيذية.
تأمل ومراجعة:
وفي اعتقادنا أنه من الخير للمجلس في بداية دور انعقاده الثاني أن يقف وقفة تأمل ومراجعة تستخلص الدروس والعبر من الرحلة الماضية.
•الحقيقة الأولى التي تنطق بها سجلات المجلس هي أن الاهتمام الأول للمجلس كان منصبًا على تلبية طلبات الناخبين من خدمات المرافق العامة، أو التعويض عن خسارة، أو تحسين الوضع المعاشي سواء بزيادة الرواتب، أو قروض الزواج والبناء، وغيرها من المنافع التي تعود مباشرة على الناخب.
ومن نافلة القول أنْ نبين هنا أن تحقيق هذه المطالب لا غبار عليه، ولكن أن يكون هذا الأمر محور اهتمام المجلس، فذلك ما ينبغي الانتباه له والعمل على تلافيه.
ففي دور الانعقاد الأول مثلًا تقدم الأعضاء بـ (٢٤) مشروع قانون، نظرت اللجان وأعدت تقارير عن (١٤) منها فقط، مع العلم أن معظمها يتعلق بتحقيق رغبات الناخبين، أما الاقتراحات برغبات أو بقرارات فقد بلغت «١٨٩»كلها مكرسة للمطالب الانتخابية.
ولو دققنا في المواضيع التي درستها مثلًا لجنة الداخلية والدفاع التي تعتبر من اللجان المهمة لوجدنا أن أكثر المواضيع التي لقيت اهتمامًا هي زيادة رواتب المختارين إلى (٦٠٠) دينار كويتي شهريًا.
وكذلك مواضيع لجنة الشكاوى والعرائض التي بلغت أكثر من «۷۷» انصبت على التعويض على بعض المتضررين من سياسة التثمين، أو توزيع بيوت ذوي الدخل المحدود أو الحصول على جنسية.
ولعل أصدق دليل على هذا الاتجاه في المجلس هو صفة الاستعجال التي منحها في الأسبوع الماضي لمشروع زيادة رواتب موظفي الدولة، وتعديل قانون الخدمة المدنية وسلم الرواتب والدرجات.
تناقض ظاهر:
والحقيقة الثانية هي أنه بالرغم من أن اهتمام المجلس كان منصبًا على تلبية رغبات الناخبين المعاشية والملحة، إلا أنه كان يقع في تناقض أحيانًا.
ففي أثناء مناقشة بعض المراسيم أو القوانين أو القضايا التي طرحتها الحكومة قدم الأعضاء اعتراضات كثيرة، ولكن عند التصويت سرعان ما يوافقون، وهنا تستذكر النقاش حول ميزانية الدولة وغيرها من المشاريع.
وهناك تناقض أوضح وأخطر، ففي حين اجتهد بعض الأعضاء لزيادة رواتب الموظفين زيادة ابتدائية قدرها (١٠%) وزيادة سنوية قدرها (٣%) وزيادة أخرى كل سنتين قد تكون (2%) أو أكثر بحسب ارتفاع تكلفة المعيشة.
فقد وافق المجلس بالأغلبية على قانون الإيجارات الذي يبيح للمالك رفع الإيجار بنسبة (١٠٠%) كل خمس سنوات، وهذه النسبة تساوى ثلاثة أضعاف ما يتحقق للموظفين من زيادات خلال نفس الفترة.
وسواء وقع الضرر على المواطنين أم على الوافدين، فالحقيقة تبقى كما هي.
وضعف في المتابعة:
تناقض ظاهر، وتضاف إليه حقيقة أخرى هي ضعف المتابعة، فلقد طرحت آراء واقتراحات كثيرة بشأن قضايا مهمة وخطيرة كقضية الأمن مثلًا، ولكن ماذا كان مصير هذه الاقتراحات؟
الحكومة وحدها بالطبع هي التي تعلم ذلك، فالمجلس لا يملك القدرة على المتابعة وتنفيذ الاقتراحات، ويكتفي في أغلب الأحيان بوعود الحكومة وتعهداتها غير المبرمجة ولا المحددة.
ضعف أمام الحكومة:
وربما كان هذا ناتج عن حقيقة أخرى هي ضعف المجلس أمام الحكومة، وعدم قدرته على مواجهتها بصلابة وقوة عزيمة، وتبدي هذه الحقيقة من خلال المؤشرات التالية:
•إقرار معظم القوانين والمراسيم التي صدرت أثناء فترة التعطيل مع أن كثيرًا منها يحتاج إلى تعديل أو إعادة نظر شاملة، ففي (٢٥) جلسة فقط خلال دور الانعقاد الأول أقر المجلس (٢٤٢) مرسومًا من قوانين الحكومة.
•الاستجابة للحكومة في كثير من الأحيان عندما تطالب باستعجال أو تأخير النظر في بعض القوانين المهمة.
•عجز المجلس عن رفض القوانين المخالفة للدستور والمقيدة للحريات العامة، كالمادة «٣٥» مكرر التي أدارت الحكومة امتحانها بنجاح، ثم ألغته لتدخل المجلس امتحانًا أصعب هو قانون المطبوعات الجديد.
ولازال الشعب ينتظر بفارغ الصبر ما سيتم التوصل إليه في جلسات المجلس السرية الخاصة ببحث قانون التجمعات.
والسؤال المطروح إذا كانت الحكومة مستسبعة على المجلس في الجلسات العلنية فكيف يكون الأمر في الجلسات السرية، خاصة وأنها تتعلق ببحث قانون يضفي عليه أمن الكويت طعمًا خاصًا؟
نعم، قد يكون وراء جملة هذه الأمور أسباب مختلفة، كضعف أجهزة المجلس مثلًا لخلوها من المستشارين في مختلف الميادين، أو الأسباب التي أسلفنا في مقدمة المقال، ولكن تبقى المسؤولية على أية حال هي مسؤولية المجلس.
الخطوة الأولى:
الخطوة الأولى تبدأ في الإجابة على هذا التساؤل: هل المجلس مجلس أمة، مجلس قضايا، أم مجلس خدمات؟
إذا كان مجلس خدمات فلا شك أنه نجح إلى حد ما في هذه المهمة، أما إذا كان مجلس أمة فلقد فشل في أداء هذا الدور على النحو السابق، مجلس الأمة كما في القانون الدستوري هو السلطة التشريعية وجهاز الرقابة على السلطة التنفيذية، ولأن التشريع يتعلق «بالأمة» فيبقى أن يكون شاملًا متكاملًا يتناول القضايا الكلية أولًا فيضع لها القواعد المحكمة، ثم بعد ذلك يبدأ ببحث التفاصيل.
•إن دقة الظروف السياسية التي تعيشها المنطقة والتي يعيشها العالم من حولنا يجب أن تكون حجة للمجلس للتأمل في وضع أسس وقواعد قوانين الاستقرار الاجتماعي، وليس سيفًا مصلتًا لإرغامه على إقرار خطط ومقررات الحكومة التي قد لا تكون بالضرورة في مصلحة الوطن والمواطن.
الخطوة التالية:
•إذا ما قرر المجلس أن يكون مجلس أمة، وهذا ما نأمله وما لا يرضى الشعب عنه بديلًا، يبقى عليه أن يخطو الخطوة التالية، وهي الإجابة على هذه التساؤلات بماذا أبدأ؟
ما هي القضايا التي ينبغي للمجلس أن يطرحها ويكرس معظم وقته لدراستها؟ وبأي هذه القضايا يبدأ؟ وما هو سلم الأولويات؟
أما ما هي الإجابة على هذه التساؤلات فذلك ما سنحاول أن نبحثه في مقال آخر، ولكن قبل الختام لا بد من التذكير بأن ضمانة سلامة المسيرة وتتابع خطوات تصحيح مسار الرحلة يظل مرهونًا بوعي النائب بطبيعة مهمته وشعوره نحو أمته، ومدى إيمانه وأمانته بحقوق الشعب وحرياته المستمدة من عقيدته وتجاربه في الحياة.
ومن لا يقدر كل هذا فخاسر على أية حال، أو على أقل تقدير هكذا يعتقد الشعب والمراقبون.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل