; مجلة «ليفينمان دي جودي» الفرنسية: جرائم الحرب في يوغسلافيا سابقًا | مجلة المجتمع

العنوان مجلة «ليفينمان دي جودي» الفرنسية: جرائم الحرب في يوغسلافيا سابقًا

الكاتب عمر ديوب

تاريخ النشر الثلاثاء 19-سبتمبر-1995

مشاهدات 60

نشر في العدد 1167

نشر في الصفحة 49

الثلاثاء 19-سبتمبر-1995

تتمثل مهمة المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، في كشف هويات مجرمي الحرب في يوغسلافيا سابقًا، وإدانتهم ثم اعتقالهم، ويعمل فيها ٦٠ محققًا، ولديهم رصيد يقدر بـ۲۸ مليون دولار أمريكي، وأطنان من الوثائق، وتشرف حاليًا على التحقيقات في قضايا خاصة بمئات الآلاف من ضحايا حرب البوسنة، وعلى التحريات الخاصة بآلاف المشتبهين فيهم، ومازال عدد كبير من التحقيقات جاريًا، وتم فعلا إدانة ٢٢ متهمًا، غير أنه لم يعتقل إلا مجرم واحد فقط.

بعد الإخفاق في الحيلولة دون نشوب الحرب القذرة، وبعد الفشل أيضًا في وضع حد للمجازر المرتكبة في البوسنة ، ارتأى البعض محاكمة مجرمي البلقان في محكمة قامت لذلك.

 ألا وهي المحكمة الجنائية الدولية لجرائم الحرب في يوغسلافيا سابقًا، وهي هيئة يمكن وصفها بأنها وهمية، وتقع في مبنى مؤجر تملكه إحدى شركات التأمين في لاهاي، وقد أنيطت بهذه المحكمة مهمة إدانة رادوفان كارانيتش الذي ارتكب أبشع الفظائع في حرب البوسنة، ولكن يعجب المرء في طريقة تعامل الدبلوماسيين الغربيين مع هذا المجرم، فضلًا عن نائبه الجنرال رادكو ميلانيتش الذي حول مدينة فوكوفاره إلى أنقاض، ثم تصفه وكالات الأنباء اليوم بـ المعتدل، ناهيك عن سلوبودان ميلوسوفيتش الذي يلقى كل ألوان المديح والتبجيل من وسائل الإعلام.

ومع ذلك.. فإن إحساسنا بالذنب قد دفعنا إلى تفعيل دور هذه الهيئة القضائية على الرغم مما تنطوي عليه من مثالب، حيث إنها ما فتئت تصدر بيانات وتقوم بتحقيقات، كما توجه التهم إلى مرتكبي بعض الجرائم الحربية، ولكن بطريقة شكلية فقط فقد كان «دوسكوطانيتش» وهو صربي بوسني

 ترأس عمليات تعذيب المسلمين البوسنيين داخل معسكر «أومارسكا» أول من امتثل أمام هذه المحكمة الخيالية منذ إنشائها قبل عامين.

هيكل المحكمة

ويوجد في هذه المحكمة ستون محققًا، وهم من خيرة رجالات المهنة في كل أنحاء أوروبا، وكل منهم له باع طويل في أعمال الشرطة، بخبرة لا تقل عن ٨ سنوات، مما مكنهم من التعرف على أصناف المجرمين، كما سبق أن نالوا الشهرة العالمية، عند توليهم عمليات التحقيق في قضايا مشهورة على المستوى العالمي.

إن هؤلاء المحققين مزودون بكم هائل من الصور والأفلام، إلى جانب ٣٠٠ ألف صفحة من الوثائق من قصاصات الصحف وتقارير لجنة ماز رويكي، وشهادات حصلت عليها الهيئات غير الحكومية العاملة في البوسنة، وقائمة لأسماء ۲۰ ألف ضحية، و ١٣٥٠ جلادًا أعدتها السيدة فريدة ميميسيفيتش وهي بوسنية.

وباختصار فإن لدى هذه المحكمة كل ما تحتاجه من بيانات ومعلومات قد تحتاج إليها، حتى أبيات الشعر التي ألفها زعيم صرب البوسنة رادوفان كارانيتش، حيث يدعو من دون مواربة إلى التطهير العرقي، ومن بين أهم تلك الوثائق ملخص لمحضر اجتماع «لجنة العمل السيكولوجي» للجيش اليوغسلافي، والذي عقد في نوفمبر ۱۹۹۱م، حيث جاء في برنامج اللجنة ضرورة التخلص من العقلية القروية في البوسنة، حيث اعتمد المخططون الصرب عمليات الاغتصاب والترويع كوسيلة لدفع مسلمي البوسنة إلى الهروب.

مجلس الأمن يشل فعالية المحكمة

وكان القضاة المحققون في جرائم حرب البوسنة مفعمين بالحيوية والرغبة العارمة في إلقاء القبض، ثم محاكمة ليس فقط مجرمي الحرب في البوسنة فحسب، وإنما كانوا يتطلعون لمعاقبة كل الأشرار الدنيئين الذين أزهقوا من الأرواح البريئة ما لا يعد ولا يحصى، من أمثال أركان الصربي وفردناند ناهيمانا من قبيلة الهوتو، والأرجنتيني الفريد واستبز، والنازي هانز شنايدر والديكتاتور السابق منغيستو هالي مريم.

وعلى الرغم من المهارات المهنية الفائقة التي أثبتها المحققون في إنجاز ۲۲ قضية، أسفرت عن إثبات التهم الموجهة إلى المجرمين وكلهم من صرب البوسنة، إلا أن جهودهم لم تكلل إلا باعتقال مجرم واحد ألا وهو دوسكو طانيتش، الذي كلفهم التحقيق في قضيته جولات وجولات في ۱۲ دولة أوروبية، غير أن مجلس الأمن لم يخولهم سلطة اعتقال المشتبه فيهم.

أما فيما يتعلق بالموارد المالية لهذه المحكمة فإن الحالة يرثى لها، ذلك أن فرنسا التي حثت الدول على التصويت من أجل إصدار القرار ۸۲۷ بشأن إنشاء هذه المحكمة بتاريخ ٢٥ مايو ۱۹۹۳م، لم تدفع فلسًا واحدًا من أجل تمويل هذه المؤسسة، وذلك بحجة أن ميزانيتها يجب أن تغطيها الميزانية العامة للأمم المتحدة.

أما أمريكا التي وفرت بعض الاعتمادات فقد زودتها بأجهزة كمبيوتر بقيمة «3 ملايين دولار» وبموظفين.

 ولكنها رفضت سداد مساهماتها السنوية في الميزانية العامة للمنظة الدولية، وتجدر الإشارة بالباكستان وماليزيا الدولتين اللتين ساهمتا بسخاء في ميزانية هذه المحكمة، غير أن سمعتهما في مجال حقوق الإنسان سيئة، حتى أن هناك شكوكًا في دوافعهما، فهل هي من أجل شراء الذمم، وقد يثير الضحك المبلغ الرمزي الذي دفعته ناميبيا : ٥٠٠ دولار أمريكي !!..

خداع الغرب

والواقع المرير هو أن يدي هذه المحكمة مغلولتان، كما أن مستقبلها غامض ليس بسبب نضوب مواردها، ولكن لأن الدول الأعضاء في مجلس الأمن هي التي تتحكم في بقائها واندثارها، ومن غير المستبعد أنه في حالة ظهور بوادر تسوية سلمية للنزاع في البوسنة، ستلجأ تلك الدول إلى حرمان هذه المؤسسة من أسباب البقاء، بحجة إعطاء الأولوية للسلام على حساب العدالة.

ومع أن هذه المحكمة مزودة بأحدث التقنيات لتسهيل مهمتها، إلا أن القائمين عليها مازالوا يتيهون في بحر من النصوص التشريعية المتناقضة مع بعضها البعض، فضلًا عن التباين في تعريف بعض المصطلحات الجنائية، والذي يرجع إلى الاختلاف بين القانونين الفرنسي والإنجلوساكسوني، كما هو الحال في إمكانية وصف «الاغتصاب» بأنه جريمة حرب من عدمه.

إن قائمة المتهمين طويلة غير أن القانون الإنجلوساكسوني يرفض تطبيق الحكم غيابيا عليهم، في حين أن القانون الفرنسي لا يمانع من محاكمة كل

المتهمين الذين لم يلق عليهم القبض بعد غيابيًا، مثل رادوفان كارانيتش ورادكو ميلانيتش وأمثال أركان سيلسيج، بيد أن هؤلاء لا يقلقون من احتمال دخولهم السجن  جراء ما اقترفوه من جرائم التطهير العرقي وإبادة الشعب البوسني المسلم .

الرابط المختصر :