الثلاثاء 29-فبراير-1972
مجلة الأسرة
تقدمها:«أم ابتهال»
مذكرات زوجة
§ انتهيت من صلاة الفجر.. وتمدد جسدي المنهوك على السرير في تثاقل.. وسحبت عليه غطاءً مضاعفًا.. لعل الدفء يجلب النوم السريع إلى نفسي.. وأغمضت عيناي لعل الظلمة تنسج خيوط النعاس...!! لكنها لحظات فيما تصورت..
إذ بدأ الوالد أمام ناظري عملاقًا من الرجال الأشداء، مفتول العضلات، متجهم الوجه عابس القسمات.. يعلو صوته:
· أنا أبوك، ولا رأي لأحد في هذا البيت سواي..!!
أبَعْدَ تربيتي لك، وتعليمي إياك ترفضين طاعتي وتنفيذ أوامري؟!
منذ متى كان للبنت رأي؟! واحسرتاه على جهد بذلته في سبيل تنشئتك.. لقد كانت غلطة كبرى أن ألقيت بك -بنفسي- في أَتُون المجتمع الضال.. الرافض لكل فضيلة ورثناها.. وتركتك تصاحبين فتيات العصر الحديث.. ممن حسبن الحرية انفلاتًا من قيود الأسرة، وخروجًا على التقاليد، وعصيانًا لأوامر الله..!!
· لا بد من إطاعتك أوامري وتزويجك ممن اختار وأرغب لك..!!
وصراخًا من جانبي:
· الحياة حياتي، والمستقبل مستقبلي، والله جل جلاله، لم يعطكم حق الولاية لتعلنوا به قانون الاستبداد والتعسف!!
ولم يمنحكم حق الطاعة لكم منا في خصوصياتنا ودخائل نفوسنا من العواطف والمشاعر مما لا يدركه أحد سوانا..!!
· لقد قضى الله على عهد عبودية النساء للرجال، ووأد الرجال للبنات وذلك بتكريمهن بالعبودية لله جل جلاله وحده.. وحمايته ورعايته لهن بتشريع من عنده وبرسول كريم أوفى بالأمانة وقرأ على الناس جميعًا قرآنه ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَخَلَقَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا﴾ (النساء: ١).
لقد أعطانا الله حرية الرأي وحق استعمال العقل الذي منحنا إياه.. وإلا فلماذا خلقنا على هذه الصورة البشرية المكرمة..؟! ثم تأتون وأنتم خلق من خلقه لتخالفوا أمره باسم التقاليد والحقوق الزائفة؟!
· وهنا أهوى الوالد علي بكلتا يديه ضربًا وصفعًا..!! لأستيقظ من نومي صارخة فزعة.. مبللة الخدين بدموع حقيقية..!! فأدفع الغطاء بسرعة.. وأتلفت حوالي حيث لم أجد أحدًا..!!
§ وأسمع طرقات خفيفة على الباب ليدخل والدي مشرق الوجه مبتسم المحيا:
· لقد عز علي يا ابنتي أن أذهب إلى عملي دون أن أشاهد وجهك الوضّاء، وأستمتع بتوديعك ودعواتك لي.. وأُلقي عليك بتحية الصباح.. فإنها فأل حسن لي دائمًا...
لقد حاولت أن أكفكف دموعي حتى لا يراها، وأطبع على وجهي ابتسامة ولو مصنوعة.. لكنه اكتشف ذلك بسرعة.. وقال:
· ما هذا يا (...)؟! على كل حال فإن تحديد خط جديد في رحلة الحياة ليس أمرًا هينا.. وإني لمقدر موقفك وشعورك.. وما زلت أضع نفسي مستشارًا خاصا لك... وانصرف..
انصرف ليتركني واضعة رأسي.. على راحتي.. أحاول أن أحمل بهما عن رأسي عبء الصداع العنيف الذي أصابها وكاد يشقها نصفين..!! وأخذت أستعيذ بالله من شيطان رجيم يريد أن يتسلل إلى فكري.. لكنه استطاع أن يشدني إلى تجربة واختبار بحيث أضع الأسرة كلها على مقاعد الامتحان والأسئلة والاستجواب!! وبدأت بالوالدة...
(ك.أ.ع)
هذه مشكلتي.. فما الحل؟
· إنه زوجي الذي أحببته وأخلصت له، والذي أراه مثاليًّا في كل شيء.. إلا أنه يميل في حبه ورعايته لأهله من والد ووالدة، فطلباتهما الزائدة عن الحد مجابة، وإسرافه في الطاعة لهما تجاوزت المعقول حتى أثرت على ميزانيتنا.. وكلما حدثته في ذلك.. استمع إليَّ بصمت قاتل، ولم يرد علي.. مع أن رغبتي كلها في العدالة وادخار شيء لأولادنا الصغار.. فما الحل؟
(ع. ع)
· اقرئي هذه الكلمات جيدًا، واجعلي لها مكانًا راسخًا في قلبك، حتى يظل العش محاطًا برعاية الوالد الرحيم:
أولًا: إن إنسانًا يحمل عاطفة المحبة والمودة لأهله لَجدير بأن تحيي فيه هذه الروح وتنميها.. فإنه يوم أن يكون عاقا لأبويه أو شحيحًا عليهما سيكون عقوقُه لزوجه وشحه على أولاده أشد.
ثانيًا: إن تقديره لها حسبما جرت العادة- أنهما مودعان دنيانا، والإنسان المرتحل يتفانى محبوه في إغراقه بالكماليات من الهدايا فوق الضرورات.
ثالثًا: شعوره بما بذلاه في تربيته وتنشئته يتجاوز ما يقدمه لهما.
رابعًا: إيمانه بأن بره لهما مدخر له في شيخوخته عند أولاده.
خامسًا: لعله قرأ حديث الرسول الكريم صلوات الله عليه وسلم: «أنت ومالك لأبيك».
سادسًا: إن رعايته لوالديه من العمل الصالح الذي قد يدرك الله به أولاده عند وفاته «وكان أبوهما صالحًا».
سابعًا: لعله يدرك أيضًا أن الأيام آتية بالنسبة لك ولأولادك، وقد تدركون غدًا ما حرمتم منه اليوم.
فإياك يا عزيزتي أن تحدثيه في هذا الموضوع مرة أخرى ولا تكوني مثل بعض الجاهلات اللائي يضعن أهل الرجل في موضع الخصومة دائمًا... فينغص حياتهن وقد يفقدن أزواجهن.. والله معك وخبريني بالنتيجة بعد ذلك.
عمل مفيد تشغلين به.. وقت الفراغ
· الفتاة المسلمة تؤمن بأهمية الوقت، وأنه جزء من عمر الإنسان، وأن الحياة دقائق وثوانٍ وأن المرء مسئول يوم القيامة عن عمره فيم ضيعه..
وتضع أمام عينيها دائمًا حديثَ الرسول الكريم «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ».
· فهي دائمًا حريصة على أن تكون حياتها مليئةً بالعمل الصالح المفيد: سواء كان صلاةً وذكرًا، أو قراءةً واطلاعًا أو زيارة الله أو اجتماعًا على مائدة علم وطاعة، أو عملًا وصناعة... إلخ.
وسأقدم لك بإذن الله كل أسبوع في هذا الباب ما يساعدك على ذلك.. وبالله التوفيق.
شعارنا: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (النحل:٩٧).
تأملات في.. آية
قال الله تعالى في سورة (محمد:٢٢ - ٢٣): ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الأرضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُم﴾.
· إحساس بصواعق العقاب من نذير الله سبحانه الذي لا يهدد بها إلا الكافرين ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﴾ (المائدة: ٧٨) ﴿مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ (الأحزاب: ٦١) ﴿وَمَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ (النساء: ٥٢)... إلخ.
· ثم سحب نعمة السمع عن الإنسان حيث يفقد قدرة الإدراك والإحساس بالخطر أو الخبر..!!
· ثم عمى بعد إبصار، وظلمة بعد نور، وليل بهيم طويل..!!
- هذا كله لمن يسلك طريقًا غير الذي حدده رب العالمين.. والذي يعمل على تقطيع أواصر المودة والمحبة بين الأهل والأقارب.
· فهل تعديني يا أختاه أن تكوني ودودةً لأهلك، متجاوزةً من أخطائهم، شعارك حديث الرسول الكريم، «صل من قطعك»، وأن تصلحي بين الآخرين وتعملي جهدك على سيادة الوئام بين الأسرة؟! حتى يبعد الله بيننا وبين هذا الجزاء، ويمنحنا هذه الرحمة: «الرحم من الرحمن شققت لها اسمًا من اسمى، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها بتته».
من أرشيف الأسرة
رسالة الأخت مستورة عبد السلام - البيضاء - ليبيا ﴿رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ- رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾.
يطيب لي أختي المؤمنة- أن أكتب لك ولجريدة المجتمع لأول مرة، وكلي سرور وفرح بهذه الرسالة البسيطة التي أتقدم فيها إليك بخالص الشكر على ما تبذلين من جهود في سبيل الإسلام والمسلمين وخاصة ما تبذلينه في تعريف المرأة المسلمة دينها وتحببينا في إسلامها..
ويطيب لي أن أشاركك في جهودك بمتابعتي لكتاباتك والعمل بنصائحك.. وأحب أختي أن أقول لك إني أود أن تكوني لي أختًا أعرفك وتعرفيني وتراسليني لكي لا تكون المسلمة منا منعزلة لا تعرف أخواتها..
· السيدة «أم ابتهال»
- سلام الله عليك ورحمته وبركاته! وبعد..
فإنه ليسعدنا أن نبعث إليكم بالتهاني باقتراب حلول العيد السعيد، متمنيةً لجهادكم التقدم والازدهار، حتى نجتاز هذه الفترة السوداء من الانحلال الخلقي، والتدهور الفكري.. إلى طريق الأمان بسلام..
«سلوى جابر منصور» ثانوية البنات بالفحيحيل
- شكرًا لك يا أخت «سلوى» ومعذرةً للتأخير فأنت تعرفين السبب ألا وهو تعطيل المجلة، ولا تقطعي رسائلك عنا.
هذه أمي وأمك فهل عرفتيها؟!
· وهبها الله أصالة العنصر ووجاهة النسب في عصر تميزت فيه الإنسانية بقدر ما انتسبت إليه من قبيلة وعشيرة..
· وأفاء عليها بالثروة الطائلة التي كانت بها في قمة تتساوى فيها مع أصحاب رءوس الأموال والثروات التي بها يتحكمون في مقادير قومهم ومعايشهم..
واستخدمت موظفيها ومندوبيها في الشمال والجنوب يستخدمون الأموال في التجارة تصديرًا واستيرادًا.
· قال ابن الأثير: «كانت.. امرأة تاجرة ذات شرف ومال، تستأجر الرجال في مالها وتضاربهم إياه بشيء تجعله لهم منه».
· ولقد أكسبها الحياة والمهنة عقلًا راجحًا وفكرًا ثاقبًا وشخصية قوية تستطيع أن تفهم الرجال والنساء، وتتعامل مع الجميع بما يكسبها رغبة في التودد إليها والتعامل معها، والقرب منها.
· ومن هنا كانت تحقر الكثيرين الذين تقدموا لخطبتها من سادة القوم لأنها كانت ترى فيهم عيونًا تبرق نحو أموالها، وقلوبًا تلتاث على ثرائها ومكانتها.
· «ولقد بلت الدنيا في كل شيء وعرفت الرجال» واستأجرت غير واحد من الكهول والشبان فما رأت فيمن عرفت ذلك النمط الفريد من الرجال الذي ارتسمت صورته في مخيلتها: رجلًا لا تستهويه ولا تدنيه حاجة، نبيلًا لا تطمع نفسه في مالها ولا إلى جمالها.. صادق الحديث.. عظيم الأمانة.. كريم الأخلاق.
من أخبارنا...
- جاءتني بالخبر التالي من إحدى الصحف العربية معلقة عليه بقولها: لو كانا مسلمين.. أكان يحدث ذلك؟!
قلت: إن الرحمة التي وضعها الله في قلوب المسلمين فضلًا عن أواصر الدم تمنع وقوع مثل هذا..!
- أما الخبر فهو:
شاب سوفياتي.. أرادت أمه الزواج.. ووضعها الزوج الجديد أمام الاختيار بينه وبين ابنها الذي لم يتجاوز عمره وقتها خمس سنوات.. فآثرت اختيار الزوج.. وتركت ابنها في «محطة أومسك» حيث التقطه أهل البر.. وأرسلوه إلى المدرسة.. لكنه هرب منها بحثًا عن أمه.. واضطر إلى النشل «السرقة» ليعيش.. وفي سوق «سمرقند» نشل حافظة سيدة.. وعندما قدم للمحاكمة.. كانت المصادفة العجيبة أن صاحبة الحافظة هي أمه التي ألقت به في الشارع منذ ۱۷ سبعة عشر عامًا!!
أليس هذا من إعجاز القرآن الكريم! ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (البقرة: ٧٤).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل