; مجزرة في كردستان العراق | مجلة المجتمع

العنوان مجزرة في كردستان العراق

الكاتب محمد صادق أمين

تاريخ النشر السبت 29-مارس-2003

مشاهدات 62

نشر في العدد 1544

نشر في الصفحة 31

السبت 29-مارس-2003

قصفت الصواريخ الأمريكية القادمة من البحر الأحمر مواقع الجماعة الإسلامية في كردستان العراق في منطقة خورمال وخلفت وراءها مجزرة راح ضحيتها ٦٠ مقاتلًا من الجماعة، كما استهدف القصف مواقع جماعة أنصار الإسلام المتمركزة في الجبال الوعرة لمنطقة بيارة المجاورة لخورمال في كردستان العراق، ولم يقع الكثير من الضحايا بين أفراد جماعة أنصار الإسلام لأن مسلحيها كانوا قد اتخذوا الاحتياطات اللازمة قبل وقوع الضربة الأمريكية وتفرقوا في كهوف الجبال التي توصف بأنها «تورا بورا» العراقية لشدة وعورتها.

ولا تخفي جماعة أنصار الإسلام عداءها للولايات المتحدة على خلفية ما تتبناه من أفكار جهادية، بينما لم تكن الجماعة الإسلامية تعتبر نفسها في خندق المواجهة مع الأمريكان وتصف نفسها بأنها جماعة جهادية مسلحة معتدلة وعلى هذه الخلفية لم تكن قيادة الجماعة تتوقع أن تستهدف مواقعها فكانت هذه النتيجة المؤلمة من الضحايا والخسائر.

وللحديث عن العمل الإسلامي في كردستان العراق لا بد لنا أن نعود إلى تاريخ العمل الإسلامي في العراق عمومًا، حيث تأثر الشباب في العراق بالأفكار الوافدة من مصر في وقت ظهر فيه الشيخ حسن البنا -رحمه الله- وراجت أفكاره الإصلاحية في مصر ووصلت إلى كل أنحاء العالم الإسلامي، ومن ضمنها العراق حيث تعرف الشباب على أفكار البنا عن طريق الكتب وتبناها جمهور عريض منهم دون أن يكون لهم صلة تنظيمية بالإخوان المسلمين إلى أن أرسل الشيخ حسن البنا الشيخ محمد أحمد الصواف ممثلًا عنه فأسس جماعة الإخوان المسلمين العراقية وهي جماعة مدنية إصلاحية تنبذ العنف وتدعو إلى الإصلاح من خلال مؤسسات المجتمع المختلفة. 

سافر الشيخ الصواف إلى مناطق كردستان العراق ووجد فيها صدى لدعوة البنا، فكانت کردستان العراق من أولى المناطق التي استجابت لدعوة الإخوان.

«حلبجة» وبداية العمل المسلح

لغاية عام ۱۹۸۸ كانت أفكار الإخوان المسلمين وحدها السائدة في الساحة الكردية حيث تتبنى العمل السلمي الإصلاحي دون اللجوء إلى العنف في عملها ونشاطها، وحين ضُربت مدينة حلبجة بالغازات الكيماوية السامة عام ۱۹۸۸ ولجأ الجزء الأعظم من الأكراد إلى إيران شهدت هذه المرحلة تحولًا في أفكار بعض قيادات العمل الإسلامي التي اختارت اللجوء إلى السلاح كخيار لمواجهة النظام البعثي الجائر بتشجيع وتمويل من إيران، ولما رفضت جماعة الإخوان اللجوء إلى العنف والتسلح انشقت هذه القيادات عن الإخوان وشكلت «الحركة الإسلامية المسلحة في كردستان العراق» بدعم وتمويل إيراني لتبدأ من ذلك التاريخ مرحلة جديدة حيث بدأ العمل الإسلامي المسلح يأخذ مداه ويكسب أنصاره تزعم تلك الحركة الشيخ عثمان عبد العزيز أحد علماء الكرد المعروفين، وانضوت تحت مظلة الحركة فصائل متنوعة الأفكار والمشارب يجمعها قاسم مشترك هو «الجهاد» الشعار الذي رفعته الحركة الإسلامية في شعاراتها ومناهجها.

في أعقاب انتفاضة الشعب الكردي ضد الظلم والدكتاتورية تحرر إقليم كردستان العراق عام ۱۹۹۱ وفرض مناطق حظر الطيران فوق شمال العراق، ومنذ ذلك التاريخ برزت على الساحة الكردية التعددية السياسية، حيث ظهرت الأحزاب على اختلاف مشاربها من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، ومن ضمن تلك التركيبة ظهرت الحركة الإسلامية المسلحة إلى جانب الاتحاد الإسلامي الكردستاني الحزب المدني غير المسلح الذي يحسب على مدرسة الإخوان من حيث أفكاره ومناهجه ووسائله لتبدأ مرحلة جديدة من العمل السياسي المعلن للأحزاب الكردية، ثم ما لبثت التجربة أن انتكست بسبب الحرب الداخلية بين الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني، وجاءت بعد ذلك المواجهة الدامية بين الاتحاد الوطني والحركة الإسلامية المسلحة في كردستان العراق عام ١٩٩٥ والتي لم تنته إلا بتدخل إيراني ووساطة بين الطرفين تمخضت عما يعرف باتفاقية طهران التي قضت بوقف العمليات العسكرية مقابل دخول الحركة الإسلامية في ائتلاف حكومي مع الاتحاد الوطني ويكون لها وزارتا الأوقاف والعدل. 

أدى توقيع الحركة على اتفاقية طهران إلى انشقاقات داخلها حيث انشقت جماعة التوحيد عن الحركة وأعلنت أن الدخول في الاتفاقية والائتلاف كفر، ثم جاءت وفاة الشيخ عثمان عبد العزيز مرشد الحركة الإسلامية لتعمق الشقة بين قيادات الحركة، حيث تولى أخوه الشيخ علي قيادة الحركة، ولم يكن هناك إجماع عليه، فجاء مؤتمر الحركة الذي عقد في عام ۲۰۰۰ بنتائج لم ترق للشيخ علي، فلم يلتزم بقرارات المؤتمر الأمر الذي أدى إلى انقسام في صفوفها على الشكل التالي:

1- حركة الوحدة الإسلامية القديمة بقيادة الشيخ علي عبد العزيز.

2- الجماعة الإسلامية بقيادة الشيخ علي بابير 

3- المستقلون المحايدون بقيادة الشيخ محمد البرزنجي.

4- حركة التوحيد ومجموعة تسمى قوة سوران شكلت جماعة «جند الإسلام» بقيادة شخص يعرف باسم «أبو عبد الله الشافعي».

وبعد محاورات محلية ومباحثات إقليمية ووساطات توصلت مجموعة المستقلين مع مجموعة الشيخ علي بابير إلى اتفاق يقضى بتوحد الطرفين تحت اسم الجماعة الإسلامية في كردستان العراق يكون فيها الشيخ محمد البرزنجي إمامًا للجماعة والشيخ على بابير أميرًا لها، وتعامل الاتحاد الوطني مع الجماعة الإسلامية في ضوء اتفاقية طهران كما استمر في التعامل مع الحركة الإسلامية التي ظل يتزعمها الشيخ على عبد العزيز، بينما دخلت جماعة جند الإسلام التي تتكون من حوالي ٤٠٠ مقاتل في مواجهات دامية مع الاتحاد الوطني الذي حاول أن يستوعبها ضمن الاتفاقات إلا أن تشدد الجماعة حال دون أن تتوافق مع حكومة الإقليم التي تعتبر من وجهة نظرهم حكومة كافرة.

اتحد جند الإسلام مع مجموعة الملا كريكار ليشكلوا ما يعرف اليوم بـ«أنصار الإسلام» بزعامة الملا كريكار الذي فصل عن قيادة التنظيم منذ فترة قريبة بقرار من مجلس شورى الجماعة.

ومنذ تشكل جماعة أنصار الإسلام استمرت في المواجهات الدامية مع قوات الاتحاد الوطني المعروفة «بالبيشمركة» ووقعت معارك دامية بين الطرفين أدت إلى سقوط المئات من الضحايا، ونظرًا لتقارب الأفكار التي تدعو إليها أنصار الإسلام مع الأفكار التي يدعو إليها أسامة بن لادن فقد صنفت الجماعة ضمن الجماعات الإرهابية وطورد زعيمها السابق الملا كريكار وألقي القبض عليه حيث يقيم كلاجئ سياسي في هولندا وأطلق سراحه لعدم كفاية الأدلة وطلبت إليه السلطات الهولندية مغادرة البلاد.

وتزعم مصادر الاتحاد الوطني أن أنصار الإسلام ترتبط بعلاقات وثيقة بتنظيم القاعدة وأن أعدادًا غفيرة من الأفغان العرب انتهى بهم المطاف في منطقة بيارة حيث تتمركز الجماعة متحصنة بسلسلة من الجبال الوعرة كانت عصية على القوات العراقية في مرحلة المواجهة مع الأكراد في عقد الثمانينيات لشدة وعورتها. وقد قام أفراد من جماعة أنصار الإسلام بعمليات عدة ضد قوات الأمن والبيشمركة في المنطقة، كما استهدفوا العديد من القيادات السياسية والعسكرية للحزب الديمقراطي كان آخرها اغتيال فرانسو حريري أحد أبرز قيادات الحزب وكذلك اغتيال القيادي البارز في الاتحاد الوطني شوكت حاجي مشير، كما اتهمت الولايات المتحدة الجماعة وزعيمها السابق كريكار بأنه حلقة الوصل بين النظام العراقي وتنظيم القاعدة.

على هذه الخلفية تم استهداف جماعة أنصار الإسلام في كردستان العراق وبجريرتها

أُخذت الجماعة الإسلامية المسلحة.

الرابط المختصر :