; مجزرة صهيونية جديدة في قلب العاصمة السورية دمشق | مجلة المجتمع

العنوان مجزرة صهيونية جديدة في قلب العاصمة السورية دمشق

الكاتب عاطف الجولاني

تاريخ النشر الثلاثاء 14-يناير-1997

مشاهدات 63

نشر في العدد 1234

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 14-يناير-1997

سورية

انفجار حافلة الركاب الأسبوع الماضي في العاصمة السورية دمشق، والذي أدى إلى وفاة ما يزيد على عشرة أشخاص، وإصابة أكثر من أربعين بجراح، أثار الكثير من التساؤلات حول دوافع الجريمة، والجهة التي تقف وراءها، وانعكاساتها على الأوضاع السياسية، وبخاصة على العلاقات المتوترة بين سورية وإسرائيل.

الانفجار كان مفاجئًا لكثير من الأوساط السياسية التي كانت تستبعد وقوع مثل هذه الأعمال في سورية في ظل الاستقرار النسبي للأوضاع الداخلية، وهو ما دفع هذه الأوساط إلى ترجيح أن تكون أطراف خارجية هي التي تقف وراء تدبير هذه الجريمة، التي حملت سورية مسؤوليتها لإسرائيل.

فقد اتهمت الإذاعة السورية إسرائيل بتدبير الجريمة، وقالت: إن البصمة الإسرائيلية واضحة في توقيتها واستهدافاتها في العمل الإرهابي الجبان، الذي استهدف حافلة نقل مدنية في دمشق، وقالت صحيفة البعث السورية: إن عملاء إسرائيل في سورية هم الذين ارتكبوا جريمة تفجير الحافلة، وأكد مصدر سوري أن حادث التفجير يأتي في سياق التهديدات الإسرائيلية التي أطلقها عدد من المسؤولين الإسرائيليين، وكان منسق الشؤون الإسرائيلية في لبنان أوري لوبراين قد أعلن عقب الاعتقالات التي تمت في لبنان، إثر حادثة إطلاق النار على حافلة سورية في ١٨ من الشهر الماضي في بيروت، أن المسؤولين عن تلك الاعتقالات لن يفلتوا من الحساب.

وقللت سورية من أهمية النفي الإسرائيلي الرسمي لمسؤوليتها عن عملية التفجير، واعتبرت الإذاعة السورية أن «نفي مسؤولي إسرائيل أن يكون لهم ضلع في تفجير الحافلة السورية في دمشق لا يستحق أي مناقشة»، وأضافت أن حكومة نتنياهو «لا تريد السلام، بل العودة بالمنطقة إلى أجواء العنف والتوتر»، كما اتهم رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري إسرائيل بصورة صريحة بارتكاب مجزرة الحافلة.

وقد حصرت تحليلات الأوساط السياسية المحايدة احتمالات الجهة التي تقف وراء تدبير المجزرة في جهتين اثنتين هما: إسرائيل، وبعض الجهات والأطراف اللبنانية التي تعارض الوجود السوري في لبنان، وتعتبره احتلالًا لأراضيها، وهذه الجهات اللبنانية يرتبط عدد منها بصورة وثيقة مع الموساد الإسرائيلي، وقد رجحت هذه الأوساط أن تكون إسرائيل هي المسؤولة بالفعل عن ارتكاب المجزرة الجديدة في دمشق، حيث إنها الطرف المستفيد من مثل هذا الانفجار، كما أن تاريخها حافل بمثل هذه الأعمال العدوانية داخل العواصم العربية، وما عزز من احتمالات وقوف إسرائيل وراء عملية التفجير توقيت العملية، حيث جاءت في ظل تهديدات إسرائيلية متصاعدة ضد سورية، وفي أجواء سياسية مناسبة إسرائيليًّا للقيام بمثل هذا العمل.

وعند النظر في الأسباب والدوافع وراء إقدام إسرائيل على ارتكاب مجزرة الحافلة في دمشق، يمكن الوقوف على جملة من الدوافع والمبررات أهمها:

ا. خلخلة وزعزعة الأوضاع الأمنية الداخلية في سورية، ووضعها في موقف دفاعي ضعيف، من أجل ممارسة ضغوط سياسية عليها، وإجبارها على تليين مواقفها في عملية التسوية، وتوجيه رسالة إليها بأن البديل عن القبول بالشروط الإسرائيلية للتسوية سيكون مزيدًا من عمليات التخريب وإثارة القلاقل والتهديدات بشن الحرب.

٢- تخفيف الأزمة التي تعاني منها الحكومة الإسرائيلية بسبب فشل عملية التسوية الناجم عن سياساتها العدائية المتشددة، وذلك عبر تصدير الأزمة، وتحويل الأنظار عن المواقف والسياسات الإسرائيلية المتعنتة، وإشغال المنطقة بأحداث جانبية.

3- العمل على إضعاف العلاقات السورية اللبنانية، وفصل المسارين السوري واللبناني عن بعضهما البعض، عبر أعمال التفجير التي نشطت أخيرًا في كلا البلدين؛ حيث سبق حادثة التفجير الأخيرة في دمشق حادثة إطلاق النار على حافلة سورية في لبنان- كما أشرنا- كما حدثت عدة هجمات ضد مواقع سورية في لبنان خلال الشهور الماضية، قدر عددها بنحو ثمانية هجمات، كان من بينها هجوم على موقع للقوات السورية في طرابلس عاصمة الشمال اللبناني، ولعل الهدف من وراء نقل أعمال التخريب من الساحة اللبنانية إلى الساحة السورية هو التأكيد على أن دمشق لن تكون بمنأى عن ضربات عملاء الموساد الإسرائيلي.

4- الصحف السورية أشارت إلى أن إسرائيل قامت بعملية التفجير بسبب فشلها وعجزها عن التأثير على الأوضاع السياسية في لبنان، ورفض سورية ولبنان لاقتراحها تسوية الخلافات بصورة مستقلة مع لبنان، عبر خيار لبنان أولًا.

ومع أن معظم المحللين يستبعدون احتمالات اندلاع حرب قريبة بين سورية وإسرائيل، فإنهم لا يلغون إمكانية أن يكون الهدف من وراء مثل هذه الأعمال تصعيد الأوضاع، وتهيئة الظروف خلال الفترة القادمة للتفكير في اللجوء لمثل هذا الخيار.

إدانة عربية ودولية وانحياز أمريكي مثير للدهشة

أجمعت الأطراف العربية والدولية على إدانة الجريمة التي استهدفت إيقاع أكبر قدر من الخسائر في صفوف المواطنين الأبرياء، ونددت جماعة الإخوان المسلمين في سورية بالانفجار، واتهمت العدو الصهيوني بتدبيره.

ودعت حركة المقاومة الإسلامية «حماس» الأطراف العربية إلى وقف جميع الاتصالات المباشرة وغير المباشرة مع الصهاينة ردًّا على جريمتهم الجديدة، وطالبت بالشروع في عملية استعداد لمواجهة شاملة مع كيانهم الغاصب، وقالت: «إن الجريمة الإرهابية الصهيونية الجديدة في دمشق لتؤكد الطبيعة العدوانية لكيان قام على الإرهاب وتغذى به، وتكشف أن الأمة تواجه مشروعًا معاديًا لا يعرف الحدود الأخلاقية أو الجغرافية، قلبه في تل أبيب، وأذرعه تتحرك لتضرب في الخفاء، تارة في دمشق وجزيرة حنيش الكبرى، وفي العلن تارة أخرى في لبنان والخليل، وكل الأراضي الفلسطينية المحتلة»، واتهمت حركة حماس إسرائيل بالعمل على زعزعة استقرار سورية وعدد من الدول العربية سعيًا لتحقيق مشروعها في المنطقة على حساب الأمة العربية.

الإدارة الأمريكية كانت الجهة الوحيدة التي تأخرت وتلكأت في إدانة جريمة التفجير، وانشغلت عوضًا عن ذلك بالبحث عن أدلة لتبرئة إسرائيل من المسؤولية؛ حيث طالب الناطق باسم وزارة الخارجية الأمريكية نيكولاس بيرنز سورية بتقديم براهين وإثباتات على اتهاماتها للاستخبارات الإسرائيلية بالضلوع في حادثة التفجير.

وقد عبرت سورية عن استغرابها ودهشتها من الموقف الأمريكي، وقالت: إن تصريح بيرنز «أعطى الانطباع بأن هدفه التطوع الفوري لتبرئة من يقف وراء هذا العمل المدان، من دون أن يأخذ في الحسبان مشاعر المواطن السوري»، وأشارت مصادر سورية إلى أن تأخر الإدارة الأمريكية في إدانة عملية التفجير يعبر عن انحياز واضح إلى جانب إسرائيل، حيث إن الإدارة الأمريكية كانت تسارع على الدوام إلى الإدانة الفورية لأي عمل يستهدف سلطات الاحتلال، فتعمل على حشد الإدانة الدولية القوية لهذا العمل.

الإرهاب الصهيوني لن يتوقف

الجريمة الإسرائيلية في دمشق، والتي أدت إلى زيادة حالة التوتر والاحتقان السياسي بين الجانبين، لم تكن الأولى في سجل الإرهاب الصهيوني الحافل بالمجازر والاعتداءات وأعمال التخريب، ولم يكن مفاجئًا على الإطلاق أن تتزامن جريمة الكيان الصهيوني في دمشق مع المجزرة التي ارتكبها جندي إسرائيلي في مدينة الخليل ضد المواطنين الأبرياء، حينما فتح نيران سلاحه الرشاش على الفلسطينيين.

فشبكات التجسس والتخريب الإسرائيلية تنشط في ممارسة أدوارها القذرة في مختلف الدول العربية، وكانت مصادر سياسية قد اتهمت الموساد الإسرائيلي بالضلوع في بعض التفجيرات التي وقعت في مصر خلال الأعوام الأخيرة، واستهدفت زعزعة أمنها، وتدمير العلاقة بين الحكومة والأطراف السياسية. واتهمت الأوساط السياسية اللبنانية إسرائيل عام ١٩٩٤م بالتورط عبر عملائها في الانفجار الذي وقع في كنيسة سيدة النجاة، وأدى إلى قتل عشرة أشخاص وجرح نحو ستين.

وأشارت تقارير صدرت أخيرًا إلى استمرار دعم إسرائيل للمتمردين الانفصاليين في جنوب السودان، وتزويدهم بمختلف أنواع الأسلحة المتطورة عبر الدول الإفريقية المجاورة، وكان ضبط طائرة نيجيرية محملة بالأسلحة الإسرائيلية لصالح المتمردين في جنوب السودان عام ١٩٩٤م في قبرص، قد لفت الأنظار إلى التعاون العسكري بين إسرائيل ومتمردي الجنوب السوداني.

وجريمة التفجير الصهيونية في دمشق لن تكون الأخيرة في قائمة العمليات الإرهابية التي تنفذها أذرع الموساد الممتدة في طول العالم العربي وعرضه، وهو ما يفرض على الأمة العربية والإسلامية استشعار حجم الخطر الصهيوني الذي يتهدد مصالحها، وعدم جدوى مشاريع التسوية التي فشلت في تحقيق أي استقرار في المنطقة، وقضية أخرى مهمة ينبغي الإشارة إليها، وهي أنه حينما تتوقف تفجيرات حركات المقاومة في قلب الكيان الصهيوني، تشتعل التفجيرات الإسرائيلية في قلب العواصم العربية، فإذا لم يشغل الكيان الصهيوني بضربات تهز كيانه، فإنه سيتفرغ لتفجير الأوضاع في الدول العربية، فهل تعي الأطراف الرسمية هذا الدرس، وتستخلص منه العبر ؟؟

الرابط المختصر :