العنوان مجرم فقد عقله.. وسلطة مغيبة
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 13-سبتمبر-2003
مشاهدات 60
نشر في العدد 1568
نشر في الصفحة 45
السبت 13-سبتمبر-2003
غريب وأي شيء في محيط الأمة ليس غريبًا، وعجيب وأي أمر في واقعنا ليس عجيبًا، وإذا أراد الإنسان في مجتمعاتنا أن يبحث عن أمر حسن أو مقبول فهل يجد ذلك الشيء؟ وإذا كان فما هو؟ أما إذا أراد أن يعدد الكوارث والنكبات والدواهي فقد يمل من كثرتها ويتقرح كبده، بل ويتفتت من هولها، وقد مل الباحثون والمصلحون من تعداد أسباب تلك الكوارث، ومن تشخيص تلك النكبات والدواهي، حتى إنك لو قابلت أحد العامة وسألته عن أسباب وكستنا ونكبتنا، لسمعت منه ما يردده الباحثون والمراقبون، بل ردده لك بنكتة مضحكة أو أهزوجة ساخرة، ولقد سمعت أحد العامة بعد أن رأى أحد المتنفذين يمدح وضعًا استعماريًّا معينًا يمتعض ويقول:
نهيتك ما انتهيت والطبع فيك غالب.. وذيل الكلب ما ينعدل ولو علقت فيه قالب. لقد هزمت هذه الأمة الأمية إمبراطوريات العالم بعزمها ورجولتها ومعدنها الأصيل، ولكن اليوم بعد أن تبدلت الرجال وانماعت القيادة، يقدم الأحرار قربانًا لأعداء الأمة ويذبحون تحت أقدام الأوثان والأصنام ومدعي الرجولة، وتسمع -يا هول ما تسمع- عن مجاهدين مطلوبين من قبل «إسرائيل»، ومطلوبين كذلك من قبل السلطة الفلسطينية التي تحاكم مجاهديها وفقًا للوائح وضعتها عصابة أمنية إسرائيلية وليس وفقًا لمصلحة فلسطينية، وأي مصلحة لفلسطين في تصفية المجاهدين الذين يدافعون عن الديار والأعراض؟ وما معنى أن يكون هناك مطلوبون إذا كانت إسرائيل زجت بالشعب الفلسطيني كله في أتون المعركة تقتل وتشرد وتهدم البيوت على أصحابها وتقتلع الأشجار وتجرف الأراضي وتستولي على الحقول، وتعتبر الرئيس عرفات نفسه مطلوبًا هو ومن معه؟!
والجنود الإسرائيليون الأكثر إجرامًا وقتلًا في التاريخ ينالون الأوسمة والترقيات وشهادات التقدير وأيديهم ملطخة بالدماء وأسماؤهم معروفة، وهناك من يصفهم بأنهم أصحاب أرقام قياسية في عدد ضحاياهم الفلسطينيين، وسلطاتهم تعتبرهم أبطالًا قوميين، ولم يطالب أحد حتى من العرب ولا من السلطة الفلسطينية بمحاكمتهم، فهم يعيشون خارج القانون وخارج العصر تحت المظلة الأمريكية التي تعطي شهادة براءة لمن تشاء ووثيقة إدانة لمن تشاء، والحقيقة التي لا جدال فيها، والواقع المر الذي لا ينكره أحد، أن عصابة شارون / موفاز تريد تصفية الشعب الفلسطيني بأمرين اثنين:
الأول: اختيار سلطة تستطيع اللعب بها وتحريضها على تصفية المقاومة الباسلة التي تلقن الصهاينة الدرس تلو الدرس وترد الاعتبار للأمة لتنتزع حقها بيدها في عصر الموات العربي المخجل، وإسرائيل بهذا تريد إلغاء جيلين من المقاومة وقتل الشعب الفلسطيني كله وتيئيسه حتى لا تقوم له قائمة.
الثاني: قيام إسرائيل باستهداف القيادات وتصفيتها تحت ذرائع مضحكة وبمشاركة السلطة، حتى يقع المجاهدون بين كماشتين: الصهاينة والآلة الحربية الصهيونية المستعينة بجيش من العملاء، والسلطة التي تأخذ هي الأخرى ذريعة المحافظة على الهدوء وإفساح الطريق للحل السلمي لتصفية الفاعلين والناشطين الإسلاميين جسديًّا، ومحاربتهم في أرزاقهم، وقطع الطريق عليهم حتى في لقمة العيش لليتامى والأرامل والمعوقين بالاستيلاء على المؤسسات الإغاثية كما فعلت أمريكا و«إسرائيل».
هذا هو المخطط الذي كان يفترض أن يُنفذ، وبُدئ فيه بالفعل من الجانب الإسرائيلي، وقامت الدولة الصهيونية بقيادة شارون بشطر الخطة الموكلة إليها وبدأت بتصفية القيادات في حماس والجهاد تحت سمع السلطة وبصرها، وتمادت في ذلك حتى وصلت أخيرًا إلى ما بعد الخطوط الحمر بقتل السياسيين من أمثال الشهيد إسماعيل أبو شنب وغيره، ثم تمادت بجنون غير مسبوق واستهدفت رائد حركة حماس الشيخ أحمد ياسين ومدير مكتبه إسماعيل هنية. فهل تظل السلطة الفلسطينية تعتبر حركة حماس هي المطلوبة وليس القتلة في «إسرائيل»؟ وهل يستمر التبلد في هذه السلطة والتراجع في فهمها للأمور، وإيثار المصالح الشخصية على المصالح القومية، في وقت جهاد الأمة وتحمل الشعب للتضحيات العظيمة في سبيل تحقيق آمال عاش عليها الجميع؟
وهل يصل الأمر بالقيادة الفلسطينية إلى فقدان الشرف في تلك الأوقات العصيبة؟ لقد بدأت أزمة القيادة الفلسطينية من قديم، ولكنها ظهرت فجة، عندما اجتاحت «إسرائيل» المدن الفلسطينية وحاصرت عرفات في مقاطعة رام الله، في ظل الحديث الإسرائيلي الأمريكي عن ضرورة إيجاد قيادة بديلة لعرفات بتغييره أو بنزع صلاحياته، وبدلًا من وقوف القيادات الفلسطينية صفًّا واحدًا هي والمقاومة بدأ بعض المتطلعين في القيادة الفلسطينية يستعدون لتعزيز التوجهات الإسرائيلية، وبرز أبو مازن ليحمل عرفات المسؤولية عن التدهور الأمني بدلًا من «إسرائيل»، كما تمادى أكثر في طلبه وقف الانتفاضة لأنها لم تقدم إنجازًا للشعب الفلسطيني، ثم صب جام غضبه على ظاهرة عسكرة الانتفاضة، ولم يدر بخلده أن الانتفاضة كانت نتيجة طبيعية لممارسات الصهاينة ومحاولتهم فرض الأمر الواقع بمصادرة الأراضي وتعزيز الاستيطان في أراضي الفلسطينيين وفي القدس خصوصًا.
وأما عسكرة الانتفاضة فجاءت دفاعًا عن النفس بعد إيغال «إسرائيل» في الدم الفلسطيني في مقابل الحجر الذي كان يستعمله الفلسطينيون في الدفاع عن النفس، ولقد صبر الفلسطينيون كثيرًا على هذا القهر، وعلى تمادي السلطة في إرضاء الصهاينة، حيث ملأت السجون بالمجاهدين، وساعدت في إرشاد «إسرائيل» إلى النشطين فقامت بتصفيتهم وملاحقة غيرهم من الآمنين حتى استشرى الاعتقال والسجن لكل من تحوم حوله الشبهات، حتى مل عرفات نفسه من هذه السياسة الخرقاء، فترك الحبل على الغارب، ولكن هذا لم يرض إسرائيل، فأرادت أن تركب حصانًا آخر ليكمل المسيرة الملعونة مع مجنون إسرائيل، وما أظن أن يستمر هذا الحصان البئيس طويلًا ولا من جاء في إثره، ولكن هل تظل الأمة في موقف المتفرج