; مجرد مجلس بلدي.. وأقل من الحكم الذاتي الفلسطيني | مجلة المجتمع

العنوان مجرد مجلس بلدي.. وأقل من الحكم الذاتي الفلسطيني

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 13-سبتمبر-2003

مشاهدات 64

نشر في العدد 1568

نشر في الصفحة 29

السبت 13-سبتمبر-2003

أعلنت إدارة احتلال العراق عن تشكيل وزارة الاحتلال الأولى لتضم ٢٥ وزيرًا، ١٣ منهم من الشيعة، و5 من السنة، ومثلهم من الأكراد، وواحد من التركمان، وآخر من المسيحيين. وبعد لحظات من إعلان التشكيل خرجت وسائل الإعلام لتكشف عن تعيين ٢٥ مستشارًا أمريكيًّا بواقع مستشار لكل وزارة. ضمت الوزارة كافة التخصصات المتعارف عليها إلا وزارتين سياديتين قررت إدارة الاحتلال تولي مهامهما مباشرة دون وسطاء عراقيين، هما وزارتا الدفاع والإعلام، الأمر الذي جعل من «الوزارة» المعلنة مجرد إدارة مدنية أو مجلس بلدي أو في حكم سلطات الحكم الذاتي أو أقل.

وإذا كان من الطبيعي أن تسمح إدارة الاحتلال بمنح وزارة الداخلية لعراقي لحاجتها الماسة لذلك بسبب المقاومة -وهو نفس ما فعلته إدارة الاحتلال الصهيوني في فلسطين- فإن ما بقي من الوزارات السيادية في العراق بعد وزارات الدفاع والإعلام والداخلية هي وزارة الخارجية. وببعض التفكير نجد أن ما دفع إدارة الاحتلال إلى تسمية وزارة للخارجية لا تخضع للاحتلال مباشرة، أن الإدارة الأمريكية أعطتها لفصيل كردي متعاون مع الاحتلال، ومن ناحية أخرى فهي الوزارة التي يحتاجها الاحتلال أكثر من حاجته لأي من الوزارات الأخرى لتسهيل نيل الاعتراف العربي والدولي بشرعية الاحتلال، وحيث لا يتصور الأمريكان أن بإمكانهم تسويق العراق المحتل عربيًّا وتمكينه من شغل موقعه الشاغر في الجامعة العربية إذا كان وزير الخارجية جنرالًا أمريكيًّا.. أو إذا كان العراق بلا وزير للخارجية.

توزيع الوزارات يكشف أكثر من دلالة؛ فقد منحت سلطات الاحتلال وزارات مثل النفط والداخلية لمن سمتهم ممثلين للشيعة؛ لتثبيت فكرة التعاون مع الشيعة في واحد من أهم أهداف الاحتلال، ولتثبيت فكرة التقسيم الجغرافي لا العرقي فقط، حيث النفط في جانب مهم منه يتركز في جنوب العراق. أما وزارة الداخلية فيأتي منحها الممثل عن الشيعة ليختلط عمل المقاومة بفكرة الصراع المذهبي والطائفي، ولكي تكون المقارنة بين أحوال السنة والشيعة نتيجتها الإحساس بأن المقاومة هي التي أفقدت السنة مكانتهم في التشكيل الوزاري، ويعزز ذلك أن أعلى مرتبة في الوزارات التي حصل عليها السنة كانت وزارة المالية، وإذا كانت هذه حدود ودور قوات الاحتلال هذه، فإن هذا التشكيل -في حد ذاته- ليس الأخطر؛ ذلك أن الأخطر هو المفهوم والمرجعية التي جرى على أساسها التشكيل، وملخصها أن العراق أغلبيته من الشيعة وأن لهم السيادة على العراق، وأن المجتمع العراقي مجتمع مفكك ومتصارع ولا يكون أمة متجانسة. هذا التشكيل يزرع الفتنة كاملة، فالاختيارات في مجملها تقوم على قهر السنة، كما تأخذ بفكرة التقسيم العرقي، وبما يعني العمل على إنهاء الدور العراقي داخل كيان الأمة.

التشكيل.. كيف: المطاعن في هذه الإدارة المدنية -ولا نقول التشكيل الوزاري- كثيرة، فالتشكيل أولًا مستند إلى سلطة احتلال، وهي سلطة لا تمنح شرعية في حكم الشعب الذي تحتله. وهي ثانيًا مرتبطة بباطل سابق عليها ألا وهو تشكيل مجلس الحكم وبطلانه الآن بطلان كامل بحكم عدم اعتراف الأمم المتحدة به، وكذلك الجامعة العربية، وقبل هذا وبعده بحكم عدم اعتراف العراقيين بشرعيته لا من خلال المنظمات السياسية ولا من خلال التكوينات الاجتماعية النقابية أو العشائرية. وهي ثالثًا لا تستند إلى أي شرعية لا من القانون الداخلي العراقي، ولا من قوانين الأمم المتحدة، ولا من الشعب العراقي. كما أن نسب التمثيل الواردة في التشكيل لا تقوم على قاعدة معتمدة من إحصاء سابق، ولا من تقاليد الشعب العراقي في أي مرحلة من مراحل تاريخه. كما أن تشكيلها يأتي والمقاومة العراقية تقاتل قوات الاحتلال مؤكدة رفضه.

الأهداف أمريكية وليست عراقية

هنا يبدو السؤال المنطقي: لماذا شكلت سلطة الاحتلال الإدارة المدنية أو الإدارة البلدية أو إدارة الحكم الذاتي هذه؟ أو هل من صالح العراقيين تشكيل هذه الإدارة؟ والمتابع لأوضاع العراق ما بعد الاحتلال يكتشف بسهولة الأهداف الحقيقية لسلطة الاحتلال من هذا التشكيل، فحيث لم تنجح إدارة الاحتلال في تطويع إدارة العراقيين وفرض سلطة الاحتلال عليهم، وحيث فشلت أيضًا في إصباغ الشرعية العربية والدولية على احتلالها، فلم يكن أمامها سوى التحايل للحصول على هذه الشرعية التي بدونها تفشل كل مخططات العدوان على العراق، بل ويهدد تطاول وقت عدم الحصول عليها بالتحول نحو الاعتراف العربي والدولي -الرسمي- بشرعية المقاومة ضد الاحتلال. لقد فشلت كل شعارات تحرير العراق وبناء الديمقراطية وغيرها في إقناع الشعب العراقي بصدق نوايا العدوان خاصة بعد الجرائم اليومية من جنود الاحتلال ضد المواطنين العراقيين.

وعلى المستوى الدولي فرغم ما حصلت عليه أمريكا وبريطانيا من قرار دولي باعتبارها إدارة احتلال، لكن مجلس الأمن رفض التصديق على شرعية مجلس الحكم الذي أقامته، أو تمثيله للعراق الذي ظل مقعده شاغرًا في الأمم المتحدة. وفي العالم العربي فشلت أمريكا وبريطانيا حتى الآن في الحصول على اعتراف بشرعية السلطة التي أقامتها. وهنا تأتي فكرة إدارة الاحتلال من الإسراع بتشكيل الوزارة، فهي تهدف في جانب الداخل العراقي إلى إسباغ الشرعية على الاحتلال أمام الشعب العراقي وأن تظهر للعراقيين أنهم يحكمون أنفسهم بأنفسهم، ومن ثم تفقد المقاومة شرعيتها، وهو أمر لم يكن مخططًا في بداية الاحتلال؛ حيث تم تعيين جنرال كحاكم للعراق وجرى تغييره وإطلاق تسمية الحاكم المدني والإلحاح على التسمية في كل ما يصدر عن إدارة الاحتلال، لكن الأهم في تشكيل الإدارة الجديدة في العراق بالنسبة هو أنه دون إسباغ الشرعية على الاحتلال ودون الاعتراف به عربيًّا ودوليًّا، فإن مشروع الاحتلال في إجماليته يصبح مشروعًا فاشلًا، وبشكل أدق فإن ما يهم إدارة الاحتلال في كل هذا التشكيل هو ثلاث وزارات: الأولى هي وزارة الداخلية لكي ترفع عن كاهل الجنود عملية مواجهة المقاومة، وفي الأغلب ستحاول القوات الأمريكية والبريطانية بعد حين الانسحاب من المدن العراقية بعد تثبيت وزارة الداخلية ودعمها -كما هو الحال في أفغانستان- مع التقوقع داخل قواعد عسكرية، وهي نفس خطة الكيان الصهيوني في الانسحاب من المدن الفلسطينية وتطويق الفلسطينيين من الخارج بعدما أيقنت أنها لن تتمكن من البقاء على الحال الراهن طويلًا، حيث المدن العراقية أصبحت مصايد لجنودها. 

والوزارة الثانية هي وزارة البترول؛ بالنظر إلى أن إدارة الاحتلال لا يمكنها من الناحية التجارية أو من ناحية القانون التجاري الدولي إجراء عمليات بيع النفط العراقي، والتوسع في الإنتاج وتصديره باعتبارها سلطة احتلال، حيث يمكن إرباك كل عمليات التعاقد والتصدير قانونيًّا وبنجاح من قبل الشركات الأوروبية والروسية المنافسة، لكن وجود وزير بترول عراقي يحقق لها النصر النسبي في تلك المواجهة. والوزارة الثالثة التي تهمها هي وزارة الخارجية، التي سيكون دورها الأساسي نيل الاعتراف العربي الذي سيترتب عليه تحقيق الكثير من أهداف الاحتلال، والتي ستصل إلى حد إعطاء شرعية للوجود الصهيوني في العراق أو تطبيع العلاقات مع العدو الصهيوني، أو تحويل العراق مستقبلًا لكي يكون أداة وخنجرًا في ظهر الموقف العربي، أو ليلعب دوره في المحيط المجاور الإثارة المشكلات الحدودية مع الجيران.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

541

الثلاثاء 24-مارس-1970

حول العالم

نشر في العدد 8

596

الثلاثاء 05-مايو-1970

حول العالم - العدد 8