العنوان المجابهة المأساوية بين الحضارة الغـربية والعالم الإسلامي
الكاتب شامل سلطانوف
تاريخ النشر السبت 27-مايو-2006
مشاهدات 78
نشر في العدد 1703
نشر في الصفحة 38
السبت 27-مايو-2006
مجتمعات الغرب تتآكل (٢من٢)
الخلفيات التاريخية.. الدوافع الاستعمارية .. النتائج المستقبلية
• الغرب يعاني من عجز مطرد في الطاقة.. ولذا يسعى دائمًا لفرض الهيمنة الاستراتيجية على موارد العالم الإسلامي الذي يمتلك ٧٠٪ من احتياطيات النفط و٤٩٪ من الغاز و٢١٪ من اليورانيوم والموارد الإستراتيجية الأخرى
• بحكم العوامل والأسباب الدينية يبدو العالم الإسلامي قادرًا على المقاومة الحضارية ويرفض أن يكون مسمارًا في النظام الاقتصادي العالمي
• هناك ۷۰۰ مليون امرأة مسلمة في العالم الإسلامي يمثلن آخر سوق هائل لم يتمكن الغرب من استثماره بعد.. والطريق هو تحرر النساء من القيم الدينية وتحقيق الانفتاح أمامهن والنتيجة انهيار أسس المجتمع الإسلامي
• السياسي الأمريكي بوكينين: العالم الإسلامي حافظ على شيء أضاعه الغرب, وهو الرغبة في التكاثر ومواصلة حضارته وثقافته ودينه .. واليوم من المتعذر العثور على دولة أوروبية لم ينقرض سكانها الأصليون
• الهوة السحيقة بين الحضارة الغربية الشاذة والعالم الإسلامي هي أحد الأسباب الرئيسة للضغوط المتزايدة على المسلمين
الحرب الشاملة ضد الإسلام بدأت، لا شك في ذلك على الإطلاق. وكل الأحاديث المهذبة والمداولات الفكرية عن ضرورة حوار الحضارات، والحيلولة دون اصطدام الحضارات، وما إلى ذلك إنما هي في الحقيقة والواقع مناورات لصرف الأنظار.
ثمة أربع نقاط مفصلية تشير إلى حدة المجابهة المأساوية بين الحضارة الغربية والعالم الإسلامي.
أولًا: الاقتصاد الغربي الشمولي يعاني من عجز طاقي متزايد فإن بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تنتج أكثر من ٨٠٪ من المنتوج الإجمالي العالمي, إلا أن اعتمادها على إرساليات النفط من العالم الإسلامي الذي يتركز فيه ٧٠٪ من الاحتياطيات البترولية العالمية, و ٤٩٪ من الغاز الطبيعي، و21٪ من اليورانيوم والموارد الإستراتيجية الأخرى, يزداد باطراد على مدار الثلاثين عامًا الماضية.
وانطلاقًا من مصالحه الحضارية المتدنية يسعى الغرب دون ريب, وسيسعى إلى فرض الهيمنة الاستراتيجية على موارد العالم الإسلامي.
طبيعي أن العديد من الأنظمة الحاكمة في الأقطار الإسلامية والعربية قد تكامل واندمج مع المجتمع الغربي أو على استعداد تام لهذا الاندماج، «شأن القسم الأكبر من المؤسسة السياسية الروسية الحالية» وفي الوقت نفسه يتقوى عدد القوى الاجتماعية ذات الميول المعادية للأمريكان والإنجليز في المجتمع الإسلامي العالمي, ويزداد نفوذها بسرعة.
ثانيًا: العولمة الحالية هي شكل من أشكال الهيمنة الغربية التامة الاقتصادية والعسكرية والسياسية والأيديولوجية والثقافية، فالحضارة الغربية ابتلعت بالكامل -في الواقع- بقايا الحضارات الأوروبية والأمريكية الشمالية والروسية والهندية واليابانية. كما يستحوذ الغرب اليوم بقدر ملحوظ على قسم من الحضارة الصينية أيضًا من خلال التكامل.
وبحكم العوامل والأسباب الدينية بالدرجة الأولى يبدو العالم الإسلامي قادرًا على المقاومة الحضارية، حيث يرفض أن يكون مجرد مسمار في النظام العالمي الاقتصادي والاجتماعي الشامل. فإن التجارة مع أقطار إفريقيا والشرق الأوسط وآسيا (ما عدا الصين و«النمور» الآسيوية الأخرى)، وهي في المقام الأول أقطار العالم الإسلامي، لا تتجاوز ٩٠٪ من التداول البضاعي للولايات المتحدة والمجتمع الأوروبي، علماً بأن أكثر من ثلثي قيمة هذه التجارة من نصيب النفط ومشتقاته، وإن استثمارات الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في هذه المنطقة على أدنى مستوى -لا يزيد على 1,7٪ من الحجم الإجمالي للاستثمارات الأمريكية وحوالي 4% من الحجم الإجمالي للاستثمارات الأوروبية- وإلى ذلك، فإن الطوائف والمجتمعات الإسلامية في الغرب نفسه لا تذوب في السيل العام لأسلوب الحياة الغربي, بـل تحتفظ بقيمها وتقاليدها الدينية على نحو فاعل.
إلا أن العولمة المعاصرة هي أيضًا موديـل أو نموذج تشاركي متشدد لا يتقبل أية استثناءات من بناء وتجديد مختلف الأسواق العالمية وعناصرها التجارية.
ولنتساءل، مثلًا: لماذا يدافع المفكرون والسياسيون الغربيون بكل هذا الإصرار على حقوق المرأة المسلمة ويطالبون لها «بالحرية والحقوق المتكافئة» و«السماح لها بدخول سوق العمل»، وما إلى ذلك؟
يوجد على وجه البسيطة اليوم أكثر من ۷۰۰ مليون امرأة مسلمة، وذلك في الواقع هو آخر سوق هائل في العالم لم يستثمره الغرب بعد، وإذا تقوضت المبادئ والأصول الإسلامية الأساسية وتزعزع المجتمع الإسلامي يطلق العنان لهذا المجال الاقتصادي الهائل أمام توسع الحضارة الغربية الاستهلاكية.
وإلى ذلك فالنساء في العالم الإسلامي يمثلن القطاع الاجتماعي المحافظ الأكثر تقيدًا بالتقاليد، ولذلك فمن الاتجاهات الاستراتيجية للضغوط الغربية على العالم الإسلامي المطالبة بالانفتاح أمام المرأة وتحررها من القيم الدينية، وإذا أفلح الغرب في تحقيق ذلك، فإن تركيبة وأسس المجتمع الإسلامي تغدو ضعيفة لدرجة كبيرة.
وأخيرًا، فالنساء المسلمات بالذات «شـبه الأغلبية المطلقة من النساء عمومًا» من أشد خصوم الشذوذ الجنسي والثقافة المثليـة و«الوعي الأزرق» و«أسلوب حياة اللوطيين».
ثالثًا: إن المجابهة المبدئية بين الحضارة الغربية والعالم الإسلامي تعود إلى التناحر والتناقض بين القيم الاجتماعية والقاعدية, وأهمها -بالنسبة للغرب- حرية الفرد غير المشروطة ,والتي تتجلى في الممارسات العملية في حرية الخيار المادي للفرد المستهلك.. أما بالنسبة للإسلام فالقيمة المفصلية هي العدالة.
إن حرية الفرد المستقل وأولوية مصالحه الشخصية غير المشروطة وتفضيلها على أية قيم أخرى هي في الواقع الأساس الأيديولوجي لتبرير الأولوية المطلقة للقيم الاقتصادية، فإن حرية الإنسان، بصفتها في المقام الأول حرية الخيار الفردي إنما تولد بالضرورة عزلة المصالح الفردية التي تتعارض دومًا مع مصالح الشخص الآخر والجماعة والمجتمع، في حين أن تاريخ البشرية لم يشهد حتى الآن حضارة تقوم على الحرية المطلقة للفرد المنعزل، كما لم يشهد حضارة تعطي المنزلة الأولى للمصالح الاقتصادية مستهينه بالمصالح الأخرى، وإلى ذلك تفترض «حرية الإنسان» كقيمة قاعدية مسؤولية الفرد عن ذاته فقط أمام نفسه فقط.
أما مبدأ العدالة فيرفض إضفاء صفة المطلق على الميدان الاقتصادي ويؤكد بخاصة أهمية القيم الدينية والاجتماعية المترابطة فيما بينها للكشف عن مغزى الحياة البشرية اللامحدود زمنيًّا والاستفادة منه عمليًّا.
ويتطلب مبدأ العدالة الإسلامية تحمل المسؤولية الشاملة من جميع الوجوه من قبل المجتمع والجماعات والأفراد أمام بعضهم البعض، أمام الماضي والمستقبل، وفي المقام الأول أمام الخالق, ويتجلى مبدأ العدالة في ضرورة التضامن الاجتماعي.
والحرية تقتل العدالة أجلًا أم عاجلًا, وقد صاغ هذه المأساة الموضوعية فريدريك نيتشة بقوله الشهير: «ينبغي للمرء أن يكون قويًّا جدًّا ليعيش ناسيًا (حقيقة أن تعيش وتكون ظالمًا شيئًا واحدًا)» الحرية تخون وتقتل وتخدع من أجل مصالح الفرد الذي كأنما يواجه العالم كله بالفطرة، بينما العدالة تخلق الحرية الحقة حرية طاعة الخالق, حرية كونك قطرة تذوب في المحيط بطلاقة، إن الخلاف بين الحضارة الغربية والعالم الإسلامي هو فاجعة التصادم الشديد بين الحرية والعدالة.
سلطانوف : ثمة هوة سحيقة بين الحضارة الغربية الشاذة الزرقاء وبين العالم الإسلامي, وأحد الأسباب الرئيسة للضغوط المتزايدة على العالم الإسلامي موقفه المتشدد من الشذوذ ومحاربته بلا هوادة.
فالإسلام يحرم علاقات الجنسية المثلية وهي تتعارض مع فكرة الباري الذي خلقنا أزواجًا، الأمر الذي ورد ذكره في القرآن الكريم مرارًا: ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا﴾ (النبأ:8)، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ (النساء:١)، إن الإسلام يحرم العلاقات بين الرجل والمرأة من دون زواج شرعي، ولا يجيز الزواج إلا بين الرجل والمرأة. وبذلك تتجلى الحكمة الإلهية العظمى, حكمة الخالق الذي وهب الجنسين خصالًا يكمل بعضها بعضًا.
الإسلام يحرم الشذوذ الجنسي المثلي، فهذه الأفعال الشاذة في نظر الإسلام مخالفة لطبيعة الإنسان, وتقود إلى تفسخ الرجولة والإجرام بحق المرأة. وقد قال الله جل جلاله في القرآن الكريم عن قوم لوط: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم ۚ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ (الشعراء:١٦٥-١٦٦).
ولعن رسول الله ﷺ الرجال المخنثين والنساء المسترجلات، وقال: «اطردوهم من منازلكم».
وتاريخيًّا كانت ولا تزال تستخدم في الأقطار الإسلامية أشد العقوبات على الشذوذ الجنسي. فقد كان الشاذون يزج بهم في السجون ويرمون بالأحجار ويقطعون بالسيوف، ويحرقون في النار, واليوم تنص قوانين ٦٤ دولة إسلامية على عقوبات جنائية شديدة على الشذوذ الرجالي والنسائي، وفي سبع دول تنص القوانين على عقوبة الإعدام على الشذوذ الجنسي.
.... فهل يعجب هذا المؤسسة العليا «الزرقاء» التي يزداد نفوذها في الغرب يومًا بعد يوم؟
لقد بقي لدى الغرب مخرج استراتيجي واحد هو إعادة هيكلة العالم الإسلامي بالقوة وتغيير بنيته الاجتماعية جذريًّا وغرس القيم الغربية فيه, وفرض معايير الحياة الغربية عليه عنوة وقسرًا وإرغامه على التخلي عن دينه.
وهذه الاستراتيجية تطبق الآن ربما ليس بنجاح كبير، لكن تلك قضية أخرى.
في كتابه الشهير «موت الغرب» كتب باتريك بوكينين مرشح الحزب الجمهوري للانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة لسنة ۱۹۹۲م وسنة ١٩٩٦م: «أمريكا وأوروبا واليابان تقدمت إلى الأمام مسافة أجيال كثيرة في العلوم والتقنيات والاقتصاد والإنتاج الصناعي والزراعة وصنع السلاح وإشاعة الديمقراطية في المجتمع, إلا أن العالم الإسلامي حافظ على شيء أضاعه الغرب، وهو الرغبة في التكاثر، ومواصلة حضارته وثقافته وعائلته ودينه. ومن المتعذر الآن تقريبًا العثور على دولة أوروبية لم ينقرض سكانها الأصليون، ومن المتعذر أن تجد بلدًا إسلاميًّا لا يتكاثر سكانه يومًا بعد يوم. أجل، لقد عرف الغرب كثيرًا مما لا يعرفه الإسلام، إلا أن الإسلام يتذكر ما نسيه الغرب: لا عالم هناك سوى العالم الذي يخلقه الإيمان».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل