; مجاهدون منسيون.. المجاهد العالم بيري رئيس | مجلة المجتمع

العنوان مجاهدون منسيون.. المجاهد العالم بيري رئيس

الكاتب د. محمد بن موسى الشريف

تاريخ النشر السبت 25-مايو-2013

مشاهدات 86

نشر في العدد 2054

نشر في الصفحة 44

السبت 25-مايو-2013

  • اسمه أحمد محيي الدين بن محمد وقد ولد بمدينة غاليبولي الواقعة على بحر مرمرة ما بين عام 869- 874هـ/ 1465- 1470م
  • كان له عم يدعى كمال رئيس وكان بحارًا شجاعًا نذر نفسه لمهاجمة الصليبيين وقد عُين رئيسًا لأركان البحرية العثمانية
  • استفاد من ملازمة عمه استفادة كبيرة وكان من أعظم أعمالهما نقل عشرات الآلاف من مسلمي الأندلس عقب سقوطها إلى سواحل شمال أفريقيا
  • اشترك في حملة السلطان سليم على مصر وتخليصها من المماليك الذين ثبت اتصالهم بالصفويين وتآمرهم على الدولة العثمانية
  • عُين قائدًا بحريًا لترسانة مصر –قبودان بلغة العثمانيين- وكان مقرها في السويس
  • قمع تمرد عدن واستولى على المدينة بعد إحراق سفن البرتغاليين عام 956هـ/ 1549م
  • رسم خرائط متقنة للعالم عام 919هـ/ 1513م وبقيت منها بقية محفوظة في متحف «توب كابي» في إسطنبول إلى اليوم

رؤساء البحر العثمانيون كانوا أسياد البحر الأبيض المتوسط في القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي، وكان منهم أبطال يزيدون عن الحصر، ويفوتون العاد، لكن كان منهم ثلاثة أصفهم بأنهم أعظم من وصلت إلينا سيرتهم من أولئك الأبطال: خير الدين بارباروس، وأخوه عروج، وبيري رئيس، وقد كنت تحدثت في أعداد سابقة في سيرة خير الدين وأخيه، وفي هذا العدد سأبين جوانب العظمة في الملاح العثماني العالم بيري رئيس رحمهم الله تعالى جميعًا.

نشأته: ولد بيري رئيس وهذه شهرته واسمه أحمد محيي الدين بن محمد في مدينة غاليبولي الواقعة على بحر مرمرة بالقرب من إسطنبول ما بين سنة ٨٦٩-٨٧٤هـ/ ١٤٦٥- ١٤٧٠م، وكان له عم يُعَدُّ من رؤوس البحارة العثمانيين، ويدعي كمال رئيس، وكان كمال هذا بحارًا شجاعًا نذر نفسه لمهاجمة الصليبيين في البحر، لذلك سموه وأمثاله خير الدين بارباروس وعروج وبيري رئيس سموهم جميعًا قراصنة، وحاشاهم أن يكونوا قراصنة بالمعنى المعروف المتبادر للذهن من أن القرصان هو سارق مغير نهاب، لا بل كانوا في طوريهم؛ طور الاستقلال، وطور التبعية للبحرية العثمانية كانوا مجاهدين في سبيل الله –تعالى- يسعون للانتقام من الصليبيين واستنقاذ المسلمين من بين أيديهم، لكن القراصنة الحقيقيين كانوا من الصليبيين الذين اشتهرت عنهم أعمال السلب والنهب لأجل المال وأسر الحجاج المسلمين في البحر، لكن ما العمل مع هجمة الشبهات على رموزنا وعظمائنا وإلصاق التهم بهم على طريقة «رمتنى بدائها وانسلت»، وليس لنا إعلام قوي كإعلامهم، بل إعلامنا مشغول بالأفلام والأغاني والكرة، والإعلام في دول الربيع العربي مشغول بالهجمة على المشروع الإسلامي الناشئ.

إنقاذ مسلمي الأندلس

استفاد بيري رئيس من ملازمة عمه الخبير البحري والمجاهد العثماني استفادة كبيرة، وكان من أعظم أعمالهما أنهما نقلا عشرات الآلاف من مسلمي الأندلس المعذبين المقهورين -عقب سقوطها- إلى سواحل شمال أفريقيا، وقد كان هذا عملًا عظيمًا قام به بيري في صدر شبابه، يرحمه الله تعالى، وقد أكمل هذا العمل العظيم خير الدین بارباروس وأخوه عروج على ما نقلت في سيرتهما في المقالات الماضية.

وفي سنة ٩٠٠هـ/ ١٤٩٤م قام السلطان بايزيد الثاني -والد السلطان سليم الأول- باستدعاء مجموعة من المتطوعة المجاهدين في البحر إلى إسطنبول لتكليفهم بالإشراف على الأسطول العثماني، وكان منهم البطل المجاهد بيري رئيس وعمه كمال رئيس، فساعدًا في بناء أربعمائة سفينة والمشاركة في إدارتها، وعين عمه كمال رئيسًا لأركان البحرية العثمانية.

حملة بحرية

وفي سنة ٩٠٤هـ/ ١٤٩٨م شارك بيري وعمه كمال في حملة بحرية على جمهورية البندقية، وعلى أن الأسطول العثماني كان أضعف عدة وعتادًا وعددًا من أسطول البندقية المدعوم من قبل بعض دول أوروبا لكن النصر كان حليف العثمانيين -بفضل الله تعالى- وهزم البنادقة هزيمة منكرة، وتكررت هزائمهم بعد ذلك في عدة معارك بحرية إلى أن اضطروا لعقد معاهدة مع العثمانيين سنة ٩٠٩هـ/ ١٥٠٣م، وظل بيري رئيس يعمل مع عمه إلى حدود سنة ٩١٣هـ. ثم أخذ في الاستقلال وهو في الأربعين من عمره.

غرق عمه

وفي سنة ٩١٦هـ/ ١٥١١م غرق المجاهد الكبير كمال رئيس في البحر على إثر عاصفة، وصار الأمل معقودًا بابن أخيه بيري رئيس في مواصلة الجهاد البحري خلفًا لعمه، وهذا ما حصل، فقد بقي بيري في البحر مجاهدًا أربعين سنة أخرى تقريبًا يرحمه الله تعالى، وقاتل في البندقية وجنوا ورودس وصقلية وسردينيا وكورسيكا وغيرها من جزر البحر الأبيض المتوسط، وجاهد البرتغاليين في عدن وفي الخليج العربي، كما سيأتي قريبًا، إن شاء الله تعالى.

بيري في مصر

اشترك بيري في حملة السلطان سليم على مصر، وتخليصها من المماليك الذين ثبت اتصالهم بالصفويين الرافضة في إيران، وتآمرهم على الدولة العثمانية، وبقي في مصر بضعة أشهر رسم فيها خريطة مفصلة للقاهرة.

ثم عاد إلى مصر سنة ٩٣٠هـ/ ١٥٢٤م مع الصدر الأعظم -رئيس وزراء الدولة العثمانية- إبراهيم باشا لضبط الأوضاع في مصر بعد وفاة أمير مصر خاير بك واضطراب أحوال البلاد، ثم عُين قائدًا بحريًا لترسانة مصر -قبودان بلغة العثمانيين- وكان مقرها في السويس.

قمع تمرد عدن: وأرسل إلى عدن لقمع تمرد جرى هنالك، ولقي قرب عدن ثلاث سفن برتغالية فطاردها إلى أن وصلت إلى ميناء زيلع فاستولى عليها، وأسر بحارتها وكانوا ۱۲۰، واستعملهم مجدفين في سفنه، وأحرق سفن البرتغاليين قرب عدن، وحاصر المدينة حتى استولى عليها، ورفع عليها أعلام بني عثمان، ورفع الخبر إلى القاهرة ثم إلى إسطنبول، وأمر السلطان بمكافأة بيري ومن معه من البحارة بمكافآت سخية، وكان ذلك عام ٩٥٦هـ/ ١٥٤٩م.

ومن العجب أن والي عدن وهو محمد ابن علي بن سليمان أرسل إلى البرتغاليين يستعديهم ضد العثمانيين، وهذه خيانة صعبة، وقد تكررت في الأندلس وشمال أفريقيا وغيرها من الأماكن، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

تأمين باب المندب: وإلى بيري يرجع الفضل -بعد الله تعالى- في تأمين مضيق باب المندب وحمايته من البرتغاليين الذين كانوا يتربصون بالحرمين سوءًا، ويريدون النفاذ إليهما من باب المندب.

ثم إن حاكم هرمز استعان بالبرتغاليين لطرد العثمانيين من القطيف!! فخف البرتغاليون في تسع عشرة سفينة من الهند تقل حوالي ۱۲۰۰ مقاتل، واستطاع البرتغاليون بمعونة الخونة من العرب أن يخرجوا العثمانيين من تلك المنطقة، لكن بيري وابنه محمدًا حاصرًا مسقط وهرمز وتمكنا من الانتصار على البرتغاليين ومن معهم من خونة العرب أكثر من مرة، لكن بيري أيضًا اضطر لرفع الحصار عن مسقط وهرمز بسبب النجدات البرتغالية القادمة من الهند تباعًا، ولذلك اضطر بيري رئيس للعودة إلى البصرة.

وقرر بيري رئيس أن يترك الأسطول العثماني في البصرة، ولا يجازف بإخراجه من الخليج خوفًا أن يدمره البرتغاليون الذين كانوا في هرمز، لكنه أخذ ثلاث سفن صغيرة سريعة وحملها بالغنائم وانطلق بها متخفيًا، واستطاع أن يصل إلى القاهرة بسفينتين فقط وتحطمت الثالثة.

إعدامه بوشاية خسيسة

وكان في البصرة وآل عثماني يدعى قباد باشا، وقد اختلف مع بيري رئيس وحقد عليه، فاستغل هذه الفرصة، وأرسل للسلطان سليمان القانوني رسالة ذكر فيها أن بيري قد ترك الأسطول العثماني وهرب، وأن الأهالي في مسقط وغيرها اشتكوا منه ومن بحارته، ونجحت هذه الوشاية الخسيسة في استصدار فرمان عثماني بإعدام بيري رئيس!! وهذا ما جرى، فقد أعدم في القاهرة بعد سجنه عام ٩٦١هـ/ ١٥٥٣م، وقد تجاوز الخامسة والثمانين من عمره!! وإنا لله وإنا إليه راجعون ولنفترض جدلًا أن بيري رئيس أخطأ أفهكذا يعامل القادة العظماء الذين وهبوا حياتهم لله تعالى جهادًا وعملًا وعلمًا؟! ألم يقل النبي الأعظم ﷺ: «أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم»، وبيري رئيس من ذوي الهيئات ولا شك، أفلا عفوا عنه وراعوا شيخوخته؟! لكن هذا التسرع غير المحمود ربما كان له سبب آخر لم نعرفه فالله أعلم، ونسأل الله تعالى أن يقبله شهيدًا، ويرفع درجته في عليين.

الجوانب العلمية في بيري رئيس

كان بيري رئيس مجاهدًا بحريًا عظيمًا، وفي الوقت نفسه كان عالمًا متقنًا لفنه الذي اشتهر به وهو رسم الخرائط للمعلوم والمكتشف من العالم آنذاك؛ ففي عام ۹۱۹هـ/ ١٥١٣م رسم خرائط متقنة للعالم، وبقيت منها بقية محفوظة في متحف «توب كابي» في إسطنبول اليوم، عليها توقيع بيري نفسه، وقد اكتشفها خليل أدهم مدير المتاحف الوطنية أثناء تصفية الملفات في قصر «توب كابي» سنة ١٣٤٨هـ/ ١٩٢٩م، وتسلطت عليها الأضواء منذ ذلك الوقت.

ورسم خريطة لمصر أثناء وجوده فيها زمن الحملة العثمانية على مصر واستيلائها عليها، وقدمها إلى السلطان سليم الأول في مصر عام ٩٢٤هـ/ ١٥١٧م.

وألف كتابًا سماه «بحرية» فيه ۲۱۲ خريطة، وفيه معلومات إرشادية للملاحين، وبعض الاكتشافات الأوروبية للبحار، وفيه ذكر آنذاك لجغرافية أجزاء من العالم المعروف آنذاك.

وفيه ذكر لأعمال عمه البحار كمال رئيس، وقد ضمن كتابه هذا مئات الأبيات الشعرية التي تحدث فيها عن بعض ما ذكرته آنفًا من معلومات، وأهدى الكتاب للسلطان سليمان القانوني أعظم سلاطين بني عثمان ومن دام ملکه قرابة نصف قرن، وإن لم يكن أفضل سلاطينهم، وأهداه إياه سنة ٩٣٢هـ/ ١٥٢٥م، وكتابه هذا موجود ومنشور.

وقد ذكرت المصادر العلمية الحديثة أن خرائط بيري رئيس فيها أمران محيران وعجيبان:

الأمر الأول: الدقة البالغة مبلغًا مدهشًا إلى درجة أن الخرائط التي رسمها تطابق إلى درجة قوية جدًا الخرائط المرسومة بالأقمار الصناعية، حتى أن ندوة عقدت في سنة ١٣٧٦هـ- 26/ 8/ 1956م في جامعة «جورج تاون» لدراسة خرائط بيري، واتفق الجغرافيون المشاركون فيها على أن خرائط بيري رئيس لأمريكا هي اكتشاف خارق للعادة.

وهذه الخرائط -خرائط بيري- هي أقدم خرائط رسمت لأمريكا الشمالية والجنوبية موجودة على ظهر الأرض اليوم.

الأمر الآخر: الخرائط التي رسمها بيري رئيس أظهرت أماكن لم تكتشف إلا بعده بمئات السنين، وهذا أمر عجيب لم يجد العلماء تفسيرًا له إلى الآن، وقد قال الراهب الجزويتي «لاين هام» وهو مدير لأحد مراكز الأرصاد في ويستون: «خرائط بيري رئيس صحيحة بدرجة مذهلة للعقل، وهي تظهر بوضوح أماكن لم تكن قد اكتشفت حتى أيامه في القرن السادس عشر الميلادي، وقد رسم جبال أنتاركتيكا -القارة القطبية الجنوبية- بتفاصيلها فيما رسمه من خرائط مع أن هذه الجبال لم يكن أحد قد تمكن من اكتشافها إلا في عام ١٩٥٢م، أي في القرن العشرين بعد استخدام الأجهزة المتقدمة العاكسة للصوت، ولم يكن أحد يعرف أن أنتاركتيكا موجودة إذ كانت مغطاة بالجليد طوال عصور التاريخ».

وقال غيره: «بمقارنة صورة الأرض التي التقطت من مركبات الفضاء في القرن العشرين بالخرائط التي رسمها القائد البحري العثماني في البدايات المبكرة للقرن السادس عشر اتضح التشابه المذهل بين صور مركبات الفضاء وبين خرائط بيري».

طباعة الخرائط على العملة

ولقد عنيت الحكومة التركية الحديثة بخرائط بيري فطبعتها على العملة التركية القديمة من فئة عشرة ملايين ليرة بين عامي ١٤١٩- ١٤٢٥هـ/ ١٩٩٩- ٢٠٠٥م، وطبعتها أيضًا على ورقة العشر ليرات بين عامي ١٤٢٥- ١٤٢٩هـ/ ٢٠٠٥- ۲۰۰۹م، وتعرض الحكومة أيضًا خرائط بيري بين الفينة والأخرى على الجمهور التركي.

تلك كانت سيرة ذلك المجاهد البحري العظيم، والعالم الجغرافي، وراسم الخرائط الدقيقة أحمد محيي الدين بيري رئيس، وأرى -والله تعالى أعلم- أن الحكومة التركية ينبغي أن تظهر سيرته وأعماله علي وجه حسن متقن ويا حبذا لو عملت «فيلمًا» يبين جوانب العظمة في جهاده وعلمه، فهو حري بسيرته العطرة أن يكون قدوة للناشئة الأتراك وغيره من الناشئة في العالم الإسلامي، ولو كان بيري رئيس غربيًا أو شرقيًا لكانت العناية بسيرته على وجه غير هذا، رحمه الله تعالى وغفر له.

الرابط المختصر :