العنوان مجاهدون ثابتون ثابتون
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 26-مايو-2007
مشاهدات 1
نشر في العدد 1753
نشر في الصفحة 39
السبت 26-مايو-2007
معالم على الطريق
مجاهدون ثابتون ثابتون
د. توفيق الواعي
dar_elbhoth@hotmail.com
اللهم ثبت المجاهدين في سبيلك على الحق المبين، وزلزل بجبروتك حصون
الظالمين، ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي
الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۖ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ ۚ
وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ﴾ ( إبراهيم:27)، وأنت لا يخفى عليك بغي الباغين، ولا ظلم الظالمين يا
رحمن يا رحيم ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ
إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ (إبراهيم: 42)، اللهم اجعلنا مسلمين لك، وافين لك بالميثاق الذي
أخذت علينا، مبلغين للهدى، قوامين بالقسط شهداء على الناس اللهم اهدنا صراطك
المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين الذين
شهدوا لك بالربوبية، ثم استقاموا، وعلموا أنك أنت الجبار ذو القوة المتين الذي
خضعت لجبروته الجبابرة والفراعنة، والعزيز الحكيم الذي ذلت لعزته الملوك
والسلاطين، وخشع المهابة سطوته ذوو المهابة والطاغون، ولم يرهبهم بغي باغ ولا ظلم
سفاح أثيم مثبتين بتثبيتك العظيم وتثبيت الله سبحانه هو التثبيت، ولكن ذلك له
أسبابه نذكر منها ما يلي:
١- الإيمان الذي يجلب عناية الله للمؤمن ويرسخ الاعتماد عليه مصداقا
لذلك قوله تعالى﴿وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ
شَيْئًا قَلِيلًا ﴾ (الإسراء:74).
٢- عناية الله بالمؤمن ورحمته به قال تعالى، ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ
فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ۚ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا
الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ (الأنفال:12).
٣- نصرة شرع الله والقيام بتبليغ ما أمر به﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ
وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد:7). ﴿وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ (الأنفال: 11).
٤- الجهاد في سبيله تعالى، ورد المعتدين على الفئة المؤمنة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا
وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ (الأنفال:45).
٥- اتباع خطى الأنبياء والمرسلين ودراسة مناهج سيرهم وسيرتهم الله﴿وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ
بِهِ فُؤَادَكَ ۚ وَجَاءَكَ فِي هَٰذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ
لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ (هود: 120).
٦- قراءة القرآن بتدبر وخشوع﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القدس مِن رَّبِّكَ بالحق لِيُثَبِّتَ الذين
آمَنُواْ وَهُدًى وبشرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النحل: 102).
هذا، وقد تحققت كل هذه الشروط في رسول الله صلي الله عليه وسلم ،
فكان الثابت الذي لا يبارى في المواقف كلها:
يروي البخاري عن أبي إسحاق، قال: سأل رجل البراء رضي الله عنه فقال:
يا أبا عمارة أوليتم يوم حنين، قال البراء وأنا أسمع: أما رسول الله صلي الله عليه
وسلم فلم يول يومئذ، كان أبو سفيان ابن
الحارث آخذًا بعنان بغلته، فلما غشيه المشركون فجعل يقول: «أنا النبي لا كذب، أنا
ابن عبد المطلب» وقد حدث أيضا في ثبات النبي صلي الله عليه وسلم يوم حنين البراء بن عازب، وروى أن النبي
صلي الله عليه وسلم صمد أمام العدو وتقدم
قائلًا، «أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب» حتى تجمع الناس فشن بهم على العدو،
وكان النصر.
كما كان الصديق رضي الله عنه هو الثابت العظيم في الملمات الكبار من
ذلك ثباته بعد موت رسول الله .
يقول ابن بطال: لقد ثبت أبوبكر الصديق عند الرزية الشنيعة والمصيبة
الجليلة النازلة بالأمة بموت نبيها صلي
الله عليه وسلم، وبكى الناس حتى كادوا أن تنخلع قلوبهم، وقالوا لوددنا أنا متنا
قبله إنا نخشى أن نفتن بعده، فقال معن بن عدي العجلاني: والله ما أحب أني مت قبله
حتى أصدقه ميتا كما صدقته حيا، وكان أبو بكر قد ثبت الناس قائلا: «من كان يعبد
محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت».
وقد نقضت بعض القبائل العهد وارتدوا عن الإسلام، فأشار البعض على أبي
بكر بالسكوت عنهم، فقال قولته المشهورة: «أينقص الدين وأنا حي والله لو منعوني
عقال بعير كانوا يؤدونه إلى رسول الله لحاربتهم عليه حتى تنفرد سالفتي».. وتاريخ
الثبات في المؤمنين كثير وكبير، وقصص الثابتين تثبت المؤمنين وتثري تراثهم
ومواقفهم قال سفيان بن عيينة عند ذكر الصالحين تنزل الرحمات، وقال أبو حذيفة
الحكايات عن العلماء ومحاسنهم أحب إلي من الفقه، لأنها آداب القوم وهي جند من جنود
الله يثبت الله بها قلوب أوليائه، ويزيد من صلابتهم، لأنهم سيتعرضون للبلاء، قال: «أشد
الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على قدر إيمانه،
فإن كان إيمانه شديدا، كان البلاء عليه شديدا حتى إن العبد يمشي على الأرض وما
عليه خطيئة». وإذا أحب الله عبدا ابتلاه حتى يسمع تضرعه ـ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ
الْمُعْتَدِينَ ﴾ (الأعراف:55).
والشدائد تحتاج دائما إلى التضرع والثبات حتى تزول وإلى الوفاء
للمبدأ حتى يسود وينقشع الظلام، وصدق الله ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ۖ وَالصَّابِرِينَ فِي
الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَٰئِكَ
هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾ (البقرة: 177).
والآن نحن نخشى على أمتنا الهلع السائد والجبن الفاضح، والخور الحاصل
من الفاسدين والمنحرفين الذين يبثون السموم في أجواء الأمة ودمانها بالإعلام
المنافق الهابط، وبالثقافة الملوثة التي تشيع الجراثيم هنا وهناك لتقتل النخوة
وتنسف العزائم، وتقدم للأمة النماذج الهابطة وتدعو الناس للاقتداء بها والسير على
منوالها، وتتبع خطاها، وهنا ستكون الكارثة وتكمن المصيبة.
ولكنه ولله الحمد قد قام رجال ليصدقوا مع الله العهد، ويوفوا مع
الإسلام الوعد يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم، ولا تلهيهم تجارة أو
منصب عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ولا يخيفهم تهديد أو وعيد أو تشريد،
ولا يرهبهم سجن أو اعتقال أو تهديب عن قيامهم بالواجب، وعن رعايتهم لمصالح الأمة
ونصحهم لله وقيامهم للعدالة ورعايتهم للفضيلة صامدون مكافحون مجاهدون يضربون للأمة
الأمثال ويقودونها نحو النهضة والإقدام، فشاع في الأمة الصحوة المباركة، ونادى
فيها مؤذن الفلاح وبرغ فيها نور الإصباح، فحار الباطل وضل الطريق وجن الظالم وفقد
العقل والتاث الباغي وصار يهزي ولكن الله بالغ أمره، ومنفذ قدره، وناصر جنده، والله قوي عزيز.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل