العنوان مجاهدة ومعاناة في بيت الداعية
الكاتب حامد ملا حسين
تاريخ النشر السبت 10-أكتوبر-1981
مشاهدات 107
نشر في العدد 550
نشر في الصفحة 38
السبت 10-أكتوبر-1981
أخي في الله الآن وقد أمضيت نفسك في طاعة الله وباشرت المسير على طريق الاستقامة، فاعلم حفظك الله أن عمل الجنة حزن بربوة وطريق النار سهل بسهوة «1» وهو نفس الفهم الذي تلقاه عمر- رضي الله عنه- من أبي ابن كعب عندما سأله عن التقوى فأجاب: أما سلكت طريقًا ذا شوك؟ قال: بلى، قال فما عملت. قال شمرت واجتهدت. قال فذلك التقوى «2».
أقول وأنت في هذا الطريق ستقف أمامك فتن كثيرة كقطع الليل المظلم لا تدري من أين تأتيك، فاحرص على أن لا تغفل طرفة عين، واعلم بأن من الفتن ما سيخرج من بيتك ومن نفسك فلابد أن تستضئ بما يعينك على تخطي هذا المنعطف الخطير في حياتك فاجعل هذا النور الذي بين أيدينا بعد الله هو المعين في طريقك: قال تعالى في سورة التغابن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ۚ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ ۚ وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لِّأَنفُسِكُمْ ۗ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (التغابن: 14- 15- 16).
أخي الحبيب/ إنه تحذير لك ولمن سار معك، فالأزواج والأولاد قد يكونون مشغلة وملهاة عن ذكر الله. كما أنهم قد يكونون دافعًا للتقصير في تبعات الإيمان اتقاء للمتاعب التي تحيط بهم لو قام المؤمن بواجبه فلقي ما يلقاه المجاهد في سبيل الله! والمجاهد في سبيل الله يتعرض لخسارة الكثير، وتضحية الكثير. كما يتعرض هو وأهله للعنت. وقد يحتمل العنت في نفسه ولا يحتمله في زوجه وولده فيبخل ويجبن ليوفر لهم الأمن والقرار أو المتاع والمال كما قال- صلى الله عليه وسلم: «إن الولد مبخلة مجبنة» «3» فيكونون بذلك عدوًّا له، لأنهم صدوه عن الخير، وعوقوه عن تحقيق غاية وجوده الإنساني العليا. كما أنهم قد يقفون له في الطريق يمنعونه من النهوض بواجبه، اتقاء لما يصيبهم من جرائه أو لأنهم قد يكونون في طريق غير طريقه، ويعجز هو عن المفاصلة بينه وبينهم والتجرد لله... وهي كذلك صور من العداوة متفاوتة الدرجات.. وهذه وتلك مما يقع في حياة المؤمن في كل آن. ومن ثم اقتضت هذه الحال المعقدة المتشابكة التحذير من الله، لإثارة اليقظة في قلوب الذين آمنوا، والحذر من تسلل هذه المشاعر، وضغط هذه المؤثرات «4»... وأما الآية فقد ذكر ابن جرير الطبري عن عطاء بن يسار قال: نزلت سورة «التغابن» كلها بمكة إلا هؤلاء الآيات
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ۚ﴾ (التغابن:14) نزلت في عوف بن مالك الأشجعي، كان ذا أهل وولد، فكان إذا أراد الغزو بكوا إليه ورققوه، فقالوا: إلى من تدعنا؟ فيرق ويقيم، فنزلت ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ۚ﴾ (التغابن: 14) «5» وروى الترمذي عن ابن عباس- وسأله رجل عن هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ۚ﴾ (التغابن: 14) قال: هؤلاء رجال أسلموا من أهل مكة وأرادوا أن يأتوا النبي- صلى الله عليه وسلم- فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم أن يأتوا رسول الله- صلى الله عليه وسلم، فلما أتوا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- رأوا الناس قد فقهوا في الدين هموا أن يعاقبوهم فأنزل الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ۚ﴾ (التغابن:14).
فنزل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من المنبر فحملهما، فوضعهما بين يديه. ثم قال: «صدق الله ورسوله إنما أموالكم وأولادكم فتنة نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما» ورواه أهل السنة من حديث ابن واقد فهذا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهذان ابنا بنته... وإنه لأمر إذن خطير وأن التحذير والتنبيه فيه لضرورة يقدرها من خلق قلوب الناس، وأودعها هذه المشاعر لتكفكف نفسها عن التمادي والإفراط، وهي تعلم أن هذه الوشائج الحبيبة قد تفعل بها ما يفعل العدو، وتؤدي بها إلى ما تؤدي إليه مكايد الأعداء! «4».
هذا أخي الحبيب هو النور الذي أحببنا عرضه فلعل فيه ما يعينك على فهم أكبر لمتطلبات الطريق وللتربية الربانية التي يحتاجها كل من وضع قدمه على هذه الجادة.. واعلم- حفظك الله- أن لك أخوة صقلتهم التجارب ومضت تحدثنا عنهم الأيام والكتب وضربوا لنا أكبر الأمثلة في تجافيهم عن دار الغرور وتحريهم الدائم بحدود الطريق والتحرر من رغائب النفس وشهواتها، فإن أحببت أن تستزيد من ذلك فانظر إلى حالهم-رضوان الله عليهم- وهم يتخطون هذه المنعطفات، فقد ذكر في الزاد في الحديث عن غزوة تبوك أن أبا خثيمة رجع بعد أن سار رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أيامًا إلى أهله في يوم حار، فوجد امرأتين له في عريشين لهما في حائطه، قد رشت كل واحدة منهما عريشها، وبردت له ماء، وهيأت له فيه طعامًا، فلما دخل قام على باب العريش، فنظر إلى امرأتيه وما صنعتا له، فقال: رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في الضح «5» والريح، والحر، وأبو خثيمة في ظل بارد، وطعام مهيأ، وامرأة حسناء، في ماله مقيم؟ ما هذا بالنصف ثم قال: والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله- صلى الله عليه وسلم- حتى أدركه حين نزل تبوك.. وعندئذ قال الناس: هذا راكب على الطريق مقبل. فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم: «كن أبا خثيمة» قالوا: يا رسول الله هو والله أبو خثيمة، فلما أناخ أقبل، فسلم على رسول الله- صلى الله عليه وسلم: فقال له رسول الله- صلى الله عليه وسلم: «أولى لك يا أبا خثيمة» فأخبر رسول الله- صلى الله عليه وسلم خبره- فقال له رسول الله- صلى الله عليه وسلم- خيرًا ودعا له بخير «6».
وفي الحديث الصحيح أن حنظلة- رضي الله عنه- تزوج في الليلة التي في صبيحتها كان قتال أحد، وكان قد استأذن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أن يبيت عندها فأذن له، فلما صلى الصبح غدا يريد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بأحد ثم مال إلى زوجه فأجنب منها.. وأخذ حنظلة سلاحه فلحق برسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو يسوي الصفوف فلما انكشف المسلمون اعترض لأبي سفيان بن حرب فضرب عرقوب فرسه فوقع أبو سفيان. فحمل رجل منهم على حنظلة فأنفذه بالرمح فقال- صلى الله عليه وسلم: «إني رأيت الملائكة تغسل حنظلة بن عامر بين السماء والأرض بماء المزن في صحاف الفضة» «7».
أخي الحبيب هذا شأنهم مع الأزواج.. بل كانوا أكبر معين على العمل والتضحية ألم تسمع قول أم الدحداح- رضي الله عنها- عندما نزلت هذه الآية ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ (البقرة:245) وقد جاء أبو الدحداح لها قائلًا: يا أم الدحداح، اخرجي من الحائط فقد بعته بنخلة في الجنة. فقالت: ربح البيع، ربح البيع، أو كلمة تشبهها «8».
هذا ما قالته- رضي الله عنها، ولم تقل وماذا تركت لأولادك.. بل إن إحدى روايات الحديث أنها لما سمعته يقول ذلك عمدت إلى صبيانها تخرج مافي أفواههم وتنفض ما في أكمامهم فقال النبي- صلى الله عليه وسلم: كم من عنق معلق لأبي الدحداح في الجنة.
أخي في الله ثم انظر إلى حالهم مع أولادهم.. وما أجمل ما أخرجه الحاكم عن سليمان ابن بلال- رضي الله عنه: إن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لما خرج إلى بدر أراد سعد بن خثيمة وأبوه جميعًا الخروج معه فذكر ذلك للنبي- صلى الله عليه وسلم، فأمر أن يخرج أحدهما فاستهما فقال خثيمة بن الحارث لابنه سعد- رضي الله عنهما- أنه لابد لأحدنا من أن يقيم، فأقم مع نسائك فقال سعد: لو كان غير الجنة لآثرتك به إني أرجو الشهادة في وجهي هذا، فاستهما فخرج سهم سعد، فخرج مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى بدر فقتله عمرو بن عبد ود «9» وأمثال ذلككثير...
وأما عن المال فما أظنك تحتاج إلى عرض لجوانب الإنفاق والبذل في سبيل الله ويكفينا هنا قصة قصيرة نقلها لنا التاريخ عن الفاروق- رضي الله عنه. ففي ذات يوم من أواخر أيام خلافته قدم على المدينة رسل سعد بن أبي وقاص يبشرون خليفة المسلمين بالفتح.. ويحملون إلى بيت مال المسلمين خمس الفيء الذي غنمه الغزاة في سبيل الله فلما وضعت الغنائم بين يدي عمر نظر إليها في دهشة.. فقد كان فيها تاج كسرى المرصع بالدر وثيابه المنسوجة بخيوط الذهب ووشاحه المنظوم بالجوهر وسواراه اللذان لم تر العين مثلهما قط وما لا حصر له من النفائس الأخرى فجعل عمر يقلب هذا الكنز الثمين بقضيب كان في يده.. ثم التفت إلى من حوله وقال: إن قومًا أدوا هذا لأمناء.. فقال له علي- رضي الله عنه- وكان حينئذ حاضرًا:
إنك عففت فعفت رعيتك يا أمير المؤمنين ولو رتعت لرتعوا«10».
والحمد لله رب العالمين
هوامش
«1» أحمد 1/ 327.
«2» طريق الدعوة في ظلال القرآن 1/ 216.
«3» ابن ماجه «٣٦٦٦» في الزوائد إسناده صحیح رجاله ثقات.
«4» في ظلال القرآن «٣٥٨٩- ٣٥٩٠» بتصرف.
«5» الطبري 28/ 125.
«6» أخرجه الترمذي وقال حسن صحيح وأخرجه ابن أبي حاتم وابن جرير والطبراني أ. هـ «تحفةالأحوذي 9/ 223».
«7» البخاري «فتح الباري 2887».
«8» القرطبي 8/ 6620 باختصار بسيط.
«9»في ظلال القرآن 6/ 3590.
«10» الضح: الشمس.
«11» ابن هشام 2/ 520، 521 عن ابن اسحاق بلا سند، وفي حديث كعب بن مالك الطويل المخرج في البخاري 8/ 86، 93، ومسلم «٢٧٦٩»: فبينما هو على تلك رأى رجلًا مبيضًا يزول به السراب، فقال رسول الله «صلى الله عليه وسلم»- كن أبا خثيمة- فإذا هو أبو خثيمة الأنصاري وهو الذي تصدق بصاع التمر حين لمزه المنافقون... أ. هـ «زاد المعاد 3/ 530- ٥٣١ باختصار بسيط.
«12» الحديث صحيح أخرجه ابن سعد في الطبقات وابن إسحاق في السيرة والحاكم في المستدرك 3/ 204 وغيرهم «صفه الصفوة 1/ 608 باختصار».
«13» الحديث صحيح رواه أحمد والطبراني ومسلم وأبو داود والترمذي. «صفه الصفوة «1/ 618».
«14» صور من حياة الصحابة الكتاب ٧ ص ۲۲.
«15» حياة الصحابة 1/ 498- ٤٩٩.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل