العنوان مجالات الإعلان تتسع وهيمنته تزيد
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 13-مارس-1990
مشاهدات 60
نشر في العدد 958
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 13-مارس-1990
90% من الإنفاق العالمي على الإعلان يتم في أوروبا وأمريكا واليابان.
انتشار التلفزيونات الحرة في الدول الغربية خفض أثمان الإعلان.
اتحادات عالمية للإعلان من أجل كسر العوائق السياسية أمام التدفق الحر للمعلومات والبضائع والأموال.
النظام الرأسمالي قائم أساسًا على النشاط الاقتصادي الحر، وتشمل هذه الحرية تنقل الأفراد والبضائع والأموال داخل القطر الواحد. وعندما تحدَّت هذه الحرية حدود القطر الواحد، ظهر ما يسمى بالرأسمالية العالمية، المتمثلة بالخصوص في الشركات والمؤسسات التجارية والصناعية العملاقة العابرة للحدود أو الدولية، والتي تمارس نشاطها في أكثر من قطر، والتي يُفترض أن يشارك في رأسمالها أكثر من جهة. وقد كان الإعلان والدعاية دائمًا مقومًا من مقومات هذا النشاط الاقتصادي الحر وجزءًا لا يتجزأ منه. ومن الطبيعي أن يواكب الإعلان والدعاية حركة النمو والتطور التي يشهدها الاقتصاد الرأسمالي، فتظهر مجموعات ووكالات متخصصة فيه تقدم خدماتها للأطراف الاقتصادية. غير أن الجديد بالنسبة لهذه المجموعات والوكالات أنها أخذت تتحد في شبكات عملاقة تتهاوى أمامها الاختلافات السياسية والاقتصادية والثقافية، وتعزز بذلك جبروت الرأسمالية العالمية من خلال فرض نفسها كجهة لها وزنها مع السلطات السياسية فيما يتعلق بالإعلام ووسائله.
العالمية و«الثلاثية»
في نطاق السباق المحموم بين الوكالات والمجموعات على سوق الإعلان، وفي إطار التغييرات والتطورات السياسية والاقتصادية المرتقبة، تشكَّل مفهومان للدعاية والإعلان المستقبليين: المفهوم الأول هو مفهوم العالمية الذي خرجت به وكالات الإعلان الأمريكية الكبرى واتخذته شعارها منذ الثمانينيات. ويعني هذا المفهوم أن مفتاح النجاح في استغلال الأسواق الدولية يتمثل في بيع سلعة معينة في أي مكان في العالم تحت نفس الشعار وبنفس الصورة والتغليف وبواسطة نمط واحد من وسائل الإعلان. وهذه الطريقة ليست جديدة، بل مقتبسة عن بعض الشركات الصناعية العريقة مثل كوكا كولا وأفلام كوداك. أما المفهوم الجديد الذي أخذ يتغلب على مفهوم العالمية وبدأت شركات الإعلان والدعاية تصوغ على أساسه استراتيجياتها، فهو مفهوم «القوة الثلاثية» الذي صاغه موظف ياباني. ويتمثل هذا المفهوم في حصر الأنشطة الإعلانية في ثلاث ساحات رئيسية في أوروبا وأمريكا الشمالية واليابان؛ باعتبار أن هذه الساحات الثلاث معًا يتركز فيها 90% من الإنفاق العالمي. وبناءً على ذلك فلا بد لشركات الإعلان العملاقة إذا أرادت أن تضمن عالميتها أن تكون متواجدة في هذه الساحات، وأن تدرس كل ساحة على حدة وتبني استراتيجيتها على أساس اختلاف أذواق المستهلكين في هذا «الثلاثي»، بحيث تصوغ وسائل إعلانية مناسبة لكل ساحة لنفس البضاعة من أجل اجتذاب أكبر عدد ممكن من المستهلكين على تباين ثقافاتهم وأذواقهم. لكن العقبات أمام شركات الإعلان ووكالاته، سواء بنت استراتيجياتها على مفهوم العالمية أو القوة الثلاثية، تبقى سياسية بالدرجة الأولى وليست مالية، حيث تقف بعض القوانين والسياسات حاجزًا قويًّا يحول دون التدفق الحر للمعلومات والبضائع والأموال. وهذا هو السبب الذي تسعى من أجله مجموعات الإعلان والدعاية ووكالاتهما إلى الانخراط في اتحادات عالمية أو تشكيل وكالات عالمية عملاقة يكون لها من الثقل بحيث تكسر تلك العقبات والحواجز.
اتحاد وتعملق
تعملق شركات الإعلان ووكالاته بدأ يتضح أكثر فأكثر في أواخر الثمانينيات. ففي عام 1987 اتحدت أكبر مجموعة فرنسية للإعلان والدعاية وأكبر وكالة يابانية وأكبر وكالة أمريكية، وأنشأت معًا وكالة إعلانية عالمية، هي وكالة HDM (والحروف الثلاثة الأولى من أسماء الشركات الثلاث الفرنسية More واليابانية Marmelle والأمريكية Deste). وبالنسبة للمجموعات، قادت المجموعة البريطانية «ساتشي وساتشي» -المجموعة العالمية الأولى الآن- عملية التوسع، باستيلائها على شبكات كبيرة لوكالات أمريكية، وبإزاحة مجموعات أخرى صغيرة من السوق الأوروبية. وهكذا يبدو أن الاتجاه نحو مزيد من المركزية في مجال الإعلان والدعاية هو السائد الآن، مما يجعل من شركات الإعلان ووكالاته مؤسسات رهيبة ذات إمكانات جبارة وتأثير سياسي واقتصادي لا يستهان به. والذي ساعد على عمليات الاندماج والاتحاد المشار إليها عاملان أساسيان: أما الأول فهو انتشار التلفزيونات الخاصة مما جعل التنافس على أشُده بين المعلنين، وجعله قائمًا على تخفيض الأثمان، وبالطبع لا يصمد في هذه المنافسة إلا الأقوى.
العامل الثاني هو بوادر تشكل وحدات اقتصادية كبرى وفي مقدمتها الوحدة الأوروبية المزمع قيامها عام 1992، والتكامل الاقتصادي بين الولايات المتحدة الأمريكية وكندا مما يشكل وحدة اقتصادية في أمريكا الشمالية.
لقد بدأت من الآن مؤسسات الإعلان العملاقة ضغوطاتها على الأوساط السياسية وأصحاب القرارات لتنفيذ سياساتها الإعلانية. ومما يدلل على ذلك السماح بالإعلانات في التلفزيونين البلجيكي والدنماركي في عام 1988 وغزو الإعلانات التلفزيون الهولندي «تجاوز وقت الإعلان 5% من وقت الإرسال». ولا تزال الحمى الإعلانية متواصلة في أوروبا بالخصوص، وتسعى شركات الإعلان العملاقة لتحقيق المزيد من النقاط، ومن المرجح أنها ستحقق نقاطًا أخرى وأن تتجه شرقًا بعد انفتاح أوروبا الشرقية وبدء سيلان مال الاستثمار نحوها.
نشاط غير تقليدي
اللافت للنظر في أنشطة وكالات الإعلان والدعاية الدولية المبالغ الضخمة التي تخصصها لدراسة مفاهيم الإعلان وأسواقه والرأي العام. وقد ذكرت الصنداي تايمز في 17 سبتمبر 1989 أن هذه المبالغ تُقدر بخمسة مليارات من الدولارات في العالم كله حاليًا. ومن الأمثلة على ذلك الدراسة التي قام بها مركز الاتصال المتقدم CCA التابع لمجموعة ايروكروها فاس بباريس، والتي استغرقت عامين وشملت 23 بلدًا أوروبيًّا، وتناولت أساليب الحياة والسياسة وأنماط الاستهلاك فيها من خلال استجواب 24 ألف شخص، وجاءت نتائجها في شكل تقرير من ثلاثة آلاف صفحة. ومن دواعي هذا الإقبال على الأبحاث توسع الاستثمار في الإعلان الدعائي، إذ يشير تقرير المؤسسة الثلاثية الأوروبية للإعلان واتحاد الإعلان البريطاني أن معدل الزيادة في الاستثمارات الإعلانية يُقدر بنسبة 103%، وحققت التلفزيونات زيادة إيرادات إعلانية بنسبة 181% في الفترة المتراوحة بين 1980 و 1987. وهذا لا يعني أن التلفزيون يحظى بنسبة كبيرة من إيرادات الإعلان والدعاية التي يتقاسمها مع وسائل الإعلام الأخرى كالصحف والمجلات والسينما ومساحات الملصقات وغيرها، إلا في بعض الدول مثل تركيا والبرتغال واليونان وإيطاليا، حيث نصيب التلفزيونات من إيرادات الإعلان يصل إلى 50% من الإيرادات الإجمالية. وفي مهمات البحوث الإعلانية التي تقوم بها وكالات الإعلان والدعاية العملاقة تفسير هذه الظواهر وتعليلها بالنسبة لكل قطر، وهي في ذلك تتداخل مع بحوث الإعلام بصفة عامة، فالمعاهد المذكورة تقوم بدراسة السوق وباستطلاعات الرأي وقياس عدد متتبعي البرامج وتقدم المشورة.
لقد تعدت وكالات الإعلان والدعاية وتجمعاتها الكبرى حدود نشاطها التقليدي نتيجة تداخل أهدافها مع أهداف الإعلاميين بدخولها مجال الإنتاج الفني السمعي-البصري، حيث دخلت السوق الدولية للإنتاج التلفزيوني وهي ساعية لتمويله من أجل وضع يدها على جزء هام منه، وعندئذ تصبح الطرف الأقوى ما بين المعلنين ووسائط الإعلام. ومن مظاهر هذه القوة التي لاحت بوادرها نظام المقايضة بينها وبين التلفزيونات، ويقوم هذا النظام ببساطة على أن تقدم وكالة الدعاية برنامجًا تلفزيونيًّا جاهزًا إلى إحدى القنوات التلفزيونية وتأخذ بالمقابل مساحات زمنية للإعلان في هذه القناة تستخدمها لفائدة زبائنها. لم يقف الأمر عند هذا الحد بالنسبة لرجال الدعاية والإعلان الأمريكيين، بل برهنوا مرة أخرى على أنهم رواد في هذا الميدان.
والأوروبيون لن يتخلفوا عن اقتفاء آثارهم بطبيعة الحال، وذلك عندما ابتكروا فكرة المسلسلات العاطفية التجارية، أي ذات المضمون التجاري.
وهكذا يتغلغل أخطبوط الإعلان مجالات جديدة ويقتحم جوانب عديدة من حياة الإنسان ويحاصره من كل صوب، ليصبح في نهاية الأمر وكأنه نظام مدروس لعملية غسل دماغ من أجل دفع المستهلكين للإنفاق. إنه يتسلل إلى الفن والمسلسلات بعدما تسلل إلى القاعات الرياضية والملاعب، وحتى أحذية اللاعبين وفانيلاتهم، وقد أصبح يمسك بخيوط خفية يملي بواسطتها المفاهيم والقوانين والمعايير وما يُقبل وما يُرفض وما يُحب وما يُكره. فهل يصل إلينا غول الإعلان هذا ليفترس عقولنا ووجداننا من حيث لا نشعر ولا نعي؟