العنوان مثل أكاذيب أخري كثيرة صدقناها: الإيدز وجذوره الإفريقية الموهومة
الكاتب عمر ديوب
تاريخ النشر الثلاثاء 03-مارس-1998
مشاهدات 65
نشر في العدد 1290
نشر في الصفحة 45
الثلاثاء 03-مارس-1998
لم يتعرض سكان أي قارة من قارات العالم لمثل ما تعرض له سكان القارة الإفريقية من الإساءة والتشويه من الماكينة الإعلامية الغربية وغيرها، بل باتت بعض الأكاذيب المغرضة راسخة في أذهان شعوب المناطق الأخرى، ومن بين تلك الافتراءات ما يسميه الإعلام الغربي بقصة بداية مرض «الإيدز» أو مرض فقدان المناعة المكتسبة.
إن كثيرًا من أبناء القارة الإفريقية لم يسمعوا عن شخص مصاب بهذا المرض الفتاك أو يعرفوه خاصة في البلدان التي تقطنها أغلبية مسلمة، بل حالهم حال الشعوب الأخرى يتلقون الأخبار المغرضة التي تأخذ طابع التهويل والتنفير عن القارة الإفريقية والتي من شأنها أن تكرس الاعتقاد الخاطئ بأن القارة الإفريقية موطن الأوبئة وبؤرة كافة أنواع الآفات.
ومن ذلك المقولة التي يروجها الإعلام الغربي، ونشرتها مجلة «الإيكونومست» في عددها الصادر بتاريخ 7 فبراير عام ١٩٩٨م والتي مفادها: «إنه في عام ١٩٥٩م قام رجل في الكونغو البلجيكية جمهورية الكونغو الديمقراطية حاليًا، أو زائير سابقًا، بإعطاء عينة دم إلى أطباء أمريكيين كانوا يقومون بدراسة هندسة الجينات الوراثية البشرية، وعندما أنهوا تجاربهم قاموا بوضع تلك العينة داخل ثلاجة بدلًا من رميها في سلة القمامة، وبقيت تلك العينة داخل الثلاجة وهي شبه منسية حتى عام ١٩٨٦م، وهي السنة التي قام فيها دكتور يدعى أندري نهمياس من جامعة «إيموري» في ولاية أتلانتا الأمريكية بفحص تلك العينة المعمرة، إلى جانب ۱۲۱۲ عينة أخرى مشابهة لها بهدف الوقوف على ملامح الفيروس المسبب لفقدان المناعة المكتسبة (HIV) وهو المسبب لمرض «الإيدز» الذي كان يومها حديث العهد، وجاءت النتيجة -حسب قول المجلة- إيجابية، وأثبتت أيضًا بأن المريض الذي نعتته بوصف «المريض رقم صفر» كان مصابًا بمرض «الإيدز» أو على الأقل بالفيروس المسبب لفقدان المناعة».
كما ذكر الإعلام الغربي أيضًا بأن «الرجل المصاب كان يعمل بوظيفة مضيف جوي، وأن انغماسه في مستنقع الانحلال الجنسي اثناء رحلاته المتعددة في كل أنحاء أمريكا الشمالية كان وراء انتشار مرض «الإيدز» فيها، قبل أن يتمكن الأطباء من اكتشاف وجوده».
وهنا تنتهي رواية « الجذور الإفريقية لمرض الإيدز».. إنها لرواية عجيبة وغريبة جدًا ... وتضيف المجلة أيضًا أنه نظرًا لكثرة الجدل المثار حول منشأ مرض «الإيدز» لجأ العلماء مؤخرًا إلى استخراج العينة القديمة لإجراء مزيد من الفحوصات عليها لمعرفة المصدر الحقيقي لهذا المرض، وخاصة أن هناك العديد من نظريات المؤامرة والتي من بينها النظرية التي تقول بأن الفيروس المسبب لمرض الإيدز قد انطلق من مختبر عسكري في بلد من البلدان!! وهناك أيضًا النظرية التي مفادها أن الفيروس انطلق من جراء مؤامرة كان يديرها الرجل الأبيض الغربي العنصري لتخفيض عدد سكان القارة الإفريقية، بل إن هناك نظرية أخرى تقول بأن الفيروس ناجم عن أعراض جانبية للقاح ضد مرض شلل الأطفال، وقد قام فريق من الباحثين-من بينهم الدكتور نهمياس، ويترأسها كل من الدكتور ديفيد هو، والدكتور تيوفوزهو، وهما من مركز دايمون للأبحاث حول مرض الإيدز في نيويورك، قاما باستخراج ما يزعمون أنه من بقايا الفيروس الموجود في العينة المذكورة طوال٤٠ عامًا، وقاموا أيضًا بدراسة مادتها الوراثية لمعرفة موقعه في «شجرة العائلة» لمرض الإيدز.
وأضافت المجلة بأن النتائج التي نشرت مؤخرًا في مجلة NATURE قد أكدت ما أجمعت عليه الآراء العلمية في الوقت الراهن وهو أن فيروس (HIV) المسبب لمرض الإيدز هو فيروس تمكن من تخطي حواجز الأجناس ووصل إلى بني الإنسان بواسطة حيوان آخر، عملية التخطي هذه تمت في زمن أقدم بكثير مما كان متوقعًا لكنها قد تمت مرة أخرى على مراحل، وبعبارة أخرى فإنهم يؤكدون على وجود «المريض رقم صفر»، لكن الطريف فيما ذهب إليه هؤلاء العلماء هو أنهم نفوا أن يكون المضيف الجوي الأكثر شهرة في العالم «المريض رقم صفر» لكونه رجلًا أبيض طبعًا، وأن تلك الشخصية الوهمية تتمثل في رجل إفريقي غير معروف الهوية، وأنه ربما سيظل مجهول الهوية أبد الدهر لأسباب ما ، وبطريقة أو بأخرى لكونه -حسب ادعائهم- عاشر قردًا من نوع «الشيمبانزي» وجلب على نفسه الويل والثبور!!.
وأضافت الدراسة أيضًا بأن مرض الإيدز يأخذ شكلين يسببهما صنفان متقاربان من أصناف الفيروسات وهما، فيروس (1-HIV) وفيروس (2-HIV)، وأضافت المجلة بأن مرضى الإيدز في أنحاء العالم مصابون بالصنف الأول، وهو فيروس (1-HIV) باستثناء ضحايا الإيدز في غرب القارة الإفريقية فإنهم مصابون دون غيرهم بالصنف الثاني وهو فيروس (2-HIV)، ما أغرب هذا المنطق.. والمضحك المبكي هو أن كاتب المقال قد اختتم سرده قائلًا: «إنه بعد مرور عام واحد على جمع عينة الدم التي اكتشف في داخلها مؤخرًا فيروس الإيدز المعروفة باسم (ZR59) نسبة إلى دولة زائير سابقًا، والمعروفة حاليًا باسم جمهورية الكونغو الديمقراطية اندلعت في الكونغو أكثر الحروب الأهلية دموية في تاريخ القارة الإفريقية».
ومضى الكاتب في مبرراته السخيفة قائلًا: «إن اندلاع الحروب وما ينجم عنها من وجود لاجئين، وانتشار ظاهرة المجاعة يوفر البيئة المناسبة لانتشار الأمراض أيًا كانت، فضلًا عن أن ما تقدم عليه الجيوش التي يتألف غالبيتها من الشباب من نشاطات يعزز من فرص انتشار الأمراض الجنسية المعدية، وأنه لولا نشوب الحرب الكونغولية ربما بقي فيروس (2-HIV) مثل ابن عمه الفيروس (1-HIV) محصورًا داخل منطقة جغرافية صغيرة في القارة الإفريقية، وفي تلك الحالة لن يعبأ الغرب طبعًا بوجوده، ولما تحول اليوم موضعًا لأكثر جهود البحث كثافة في تاريخ علم الطب».
ولن أفاجأ إذا قرأت أو سمعت في يوم من الأيام بأن رائد فضاء في محطة «مير» الروسية قد أصيب بفيروس من أصل إفريقي.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل