; مثلث الأزمة: صناديق الاقتراع.. سعر الريال.. الأمن | مجلة المجتمع

العنوان مثلث الأزمة: صناديق الاقتراع.. سعر الريال.. الأمن

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 29-يونيو-1999

مشاهدات 106

نشر في العدد 1356

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 29-يونيو-1999

في حين يستمر الجدل حول مصير نصف مليون صوت انتخابي إضافي في قوائم الناخبين، يتوالى انخفاض سعر الريال اليمني مقابل العملات الأجنبية، ويزداد الفلتان الأمني نتيجة ذلك كله.

قبل ثلاثة أشهر من موعد أول انتخابات رئاسية في اليمن، يبدو الطريق إليها مزدحمًا بقضايا تشغل بال اليمنيين: حكومة وشعبًا، وتعكس تأثيرات سلبية لا يتمناها أحد في سلطة تواجه استحقاقًا انتخابيًّا قريبًا، فيما يفترض أن تعمل على تخفيف المنغصات وتمهيد الطريق. 

ومنذ بداية العام الجاري ۱۹۹۹م، كان واضحًا أن الأزمة الاقتصادية أمر لم تعد الحكومة بقادرة على إنكاره، ثم جاءت أزمة الأعمال التمهيدية للانتخابات لتكون الضلع الثاني من مثلث الأزمة الذي يشغل المجتمع اليمني.. فيما يشكل الوضع الأمني الضلع الثالث بها، وفي هذه القضايا الثلاث: الاقتصاد، والانتخابات، والوضع الأمني، تتداخل النتائج والأسباب، وتشكل مادة للتسخين السياسي.

  1. صراع الصناديق: على الرغم من أن الإعداد لأي انتخابات في اليمن تتولاه لجنة مستقلة -وفق الدستور- إلا أن استقلاليتها الكاملة تظل أمرًا نظريًّا إلى حد كبير، كما أن تدخلات السلطة المحلية في أحيان كثيرة في أعمال اللجان الفرعية تفقدها استقلاليتها.

هذا الوضع الذي تعيشه اللجنة العليا المسؤولة عن تنظيم الانتخابات يؤدي -بالإضافة إلى هيمنة الحزب الحاكم على الحياة العامة- إلى ظهور أزمة دورية مع اقتراب الأعمال التحضيرية، والتي تختص بتصحيح جداول الناخبين، وتسجيل أسماء الذين بلغوا السن القانونية للانتخاب.. وفي العادة تشهد هذا المرحلة تسابقًا محمومًا على تسجيل الأطفال وتكرار التسجيل للمواطن الواحد حتى يتم ضمان أكبر عدد ممكن من الأصوات.. كما يشكل تسجيل أفراد الجيش والشرطة مشكلة بسبب أعدادهم الكبيرة، والتي يمكن أن تحسم التصويت لصالح طرف معين. 

ولاعتبارات كثيرة، يفشل كثير من الجهود في تصحيح الأخطاء، وتدخل أحزاب المعارضة في متاهات الشكاوى والتقاضي.. وتبقى نسبة كبيرة من الأخطاء بعيدة عن متناول التصحيح، ولعل هذه الحقيقة هي التي دفعت أحزاب المعارضة إلى الامتناع عن المشاركة في أعمال المرحلة التمهيدية، حتى توصلت إلى حل وسط يحقق مطالبها، وقد ساعد على ذلك أن الإسلاميين فاجأوا الوسط السياسي اليمني -أثناء احتدام الأمر- بالإعلان عن امتلاكهم كشوفًا بالأسماء المكررة في جداول الناخبين.. وتم بالفعل نشر نماذج منها في الصحافة مما حسم الجدال الطويل، وتم التوصل إلى حل وسط يلبي مطالب المعارضة، بعد تدخل رئيس الجمهورية، على أن يتم شطب الأسماء المكررة إذا لم يتقدم أصحابها لإثبات صحتها.

وعلى الرغم من أن نشر الأسماء المكررة جعل كثيرين يعتقدون أن المرحلة التمهيدية الجديدة ستبرأ من الخروقات الانتخابية، إلا أن المخالفات نفسها تكررت بشكل واسع.. وساعد على ذلك خضوع رئيس اللجنة العليا للانتخابات لضغوط الحزب الحاكم في التساهل بشأن اشتراط توافر «الصورة الفوتوغرافية»، مما سمح بتكرار التسجيل من جديد!، فيما اتسمت الأيام الأخيرة من مرحلة التسجيل بمظاهر فوضوية.

وقبيل أيام من انتهاء مرحلة التسجيل، سارعت أحزاب المعارضة لتسجيل اعتراضاتها على الخروقات الجديدة.. لكن المؤتمر الشعبي العام فجر الموقف برسالة أعلن فيها رفضه للاتفاق الذي تم بين اللجنة العليا للانتخابات وبين الأحزاب برعاية رئيس الجمهورية وهو ما يعني العودة إلى نقطة الصفر، فحذف حوالي نصف مليون اسم مكرر سيكون وفق المراقبين خصمًا كبيرًا من رصيد الحزب الحاكم الذي تشير الأصابع إليه بأنه وراء كثير من الخروقات.

أحزاب المعارضة من جهتها انتقدت موقف الحزب الحاكم، ووصفه الإسلاميون بأنه تراجع يهدد مسيرة التجربة الديمقراطية بكاملها، وتدفع المعارضة للاعتقاد بأنها استدرجت للمشاركة في المرحلة التمهيدية، باتفاق رعاه رئيس الجمهورية نفسه، ولكن على نية التراجع عنه بعد ضمان مشاركة المعارضة.

موقف مفاجئ

والحقيقة أن الموقف المفاجئ للحزب الحاكم لم يكن -كما بدا- مفاجئًا للجنة العليا للانتخابات، أو على الأقل لرئيسها الذي وضع رسالة الحزب الحاكم في مستوى واحد من انتقادات أحزاب المعارضة، باعتبارها نموذجًا لما يعانيه من مشكلات مع الأحزاب! وبعد أسبوع أصدرت لجنة الانتخابات بيانًا تعلن فيه أنه لا شيء يلزمها إلا قانون الانتخابات.. أي أنها غير ملزمة باتفاق اللجنة ذاتها مع الأحزاب!

 السلطة وأحزاب المعارضة أصبحتا في مأزق حقيقي.. فإجراء تصحيح شامل لجداول الناخبين معناه خلط الأوراق، فلا شك أن حذف نصف مليون اسم غير صحيح سيجعل من المستحيل ضمان الفوز لبعض القوى التي تعودت على التلاعب بأصوات الناخبين، وأما إذا لم يحدث شيء جاد في موضوع التصحيح، وظلت الجداول الانتخابية محل شك واتهامات، فسيظل سيف التشكيك في شرعية الممارسات الديمقراطية مصلتًا يهز سمعة اليمن في الداخل والخارج.. وهو أمر يتناقض مع استراتيجية السلطة التي تعتمد في علاقاتها الدولية -مع الدول الغربية المانحة أو المنظمات الدولية- على تقديم اليمن كدولة ديمقراطية تعددية.

ولأن الترشيح لانتخابات الرئاسة سيبدأ في بداية يوليو القادم، فهذا معناه أنه لا بد من حسم الخلاف حول هذه النقطة، ولعل هذا ما ستشهده كواليس السياسة اليمنية خلال الفترة المتبقية على بدء انتخابات الرئاسة.

2-الاقتصاد وعقدة الدولار

القضية الثانية التي تشغل المجتمع اليمني تتعلق بالتدهور المفاجئ للعملة اليمنية، بعد أن استقر الصرف عند حدود ۱۳۳ ريالًا مقابل الدولار الأمريكي.. وهو وضع كانت الحكومة المتحمسة لتنفيذ المزيد من الإجراءات الاقتصادية غير الشعبية، تعده علامة نجاحها ونجاح خطتها الاقتصادية، لكن الأمر بدأ يشهد اختلالًا جديدًا لغير صالح للريال الذي بدأ يفقد ثباته. 

الجهات المسؤولة في البنك المركزي تخبطت في مواجهة تدهور العملة الوطنية، وتعددت تصريحات المسؤولين في تبرير ارتفاع الدولار، فقد عزوه -بداية- لموسم الحج، وبعد انتهاء الحج ظهر تفسير ثان، بأن إلغاء الدعم الحكومي على مادتي القمح والدقيق، وفتح الباب أمام القطاع الخاص، قد أدى إلى إقبال كبير على استيراد هاتين المادتين، وبالتالي زاد الطلب على الدولار، ومع وصول الأزمة إلى ذروتها ظهر تفسير المؤامرة الخارجية ووجود عملية مضاربة ابتغاء الربح السريع.

والحقيقة أن هناك عوامل أهم تطرقت إليها المعارضة وتجاهلتها الحكومة تمامًا.. وهي تتصل بزيادة النفقات الحكومية غير الأساسية، مما أدى إلى ارتفاع العجز في الشهور الأولى للعام ١٩٩٩م عما كان مقدرًا له بنسبة ٣٠٪ في الوقت الذي يعاني الاقتصاد اليمني من ظاهرة الكساد التضخيمي وانخفاض عائدات البترول.

أوساط اقتصادية اتهمت البنك المركزي اليمني بأنه السبب الرئيس وراء ارتفاع أسعار الدولار، بعد أن قام ببيع ملايين الدولارات بطريقة المزاد ولمن يدفع أكثر بدلًا من أن يكون دورة التدخل لحماية العملة الوطنية من التدهور. 

وأشارت بعض التحليلات إلى وجود خلاف داخل الدوائر المسؤولة، فقد بدت الحكومة أكثر سلبية في مواجهة ارتفاع الدولار، بحجة أن الأمر متروك لحركة السوق، لكن الآثار السلبية لتدهور الريال على القدرة الشرائية للمواطنين -التي تعاني من ضعف أصلًا- جعلت الرئيس اليمني يسارع إلى زيارة البنك المركزي ويشرف على إصدار توجيهات للحد من المضاربة على العملة مما أدى إلى انخفاض فوري لسعر الدولار، لكنه عاد وارتفع بفارق عشر ريالات عن السعر الرسمي المعلن، وفي هذا الصدد لوحظ أن الحكومة ظلت سلبية، بل سوَّفت في الاستجابة لدعوة مجلس النواب لعقد لقاء لمناقشة أسباب تدهور قيمة العملة.

ومن الواضح -حتى الآن- أن ضبط سعر الدولار لم يعد بمقدور الحكومة، مما يقوي توقعات المراقبين بأن هناك نية للسماح للدولار بالارتفاع إلى ۲۰۰ ريال مقابل الدولار الواحد.. وهذا يعني مزيدًا من ارتفاع الأسعار.

3- الأمن: ضحية السياسة والاقتصاد

لم يعد هناك خلاف على أن الاختلالات الأمنية ليست مجرد ظواهر معتادة.. وكانت عملية اختطاف سائحين أجانب في ديسمبر الماضي، قد شكلت أبرز حادث في سلسلة طويلة من حوادث الاختطاف التي تعرض لها السياح الأجانب وأدت إلى انخفاض مريع في حركة السياحة ووأد الآمال التي علقتها الحكومة على مداخيل السياحة، وفي السياق نفسه، استمرت عمليات الثأر الدموية داخل العاصمة، وتعددت حوادث إطلاق النار بين مواطنين أنفسهم أو بينهم وبين قوات الأمم على هامش مشكلات الأراضي أو المنازعات الشخصية.

الحكومة من جهتها شددت على منع حمل السلاح داخل المدن، لكن في بلد -كاليمن- يصعب السيطرة على حمل السلاح.. كما أن ضعف ثقة الناس بالقضاء يساعد على لجوئهم إلى السلاح لحسم خلافاتهم.

وعلى الرغم من أن عمليات الاختطاف والتفجيرات قد توقفت، إلا أن الهم الأمني ما يزال يشكل أحد التحديات التي يتوجب على السلطة اليمنية التعامل معها بجدية -بالإضافة إلى الاقتصاد والانتخابات- فكلها تشكل مصدرًا للتوتر، وتنعكس سلبيات كل منها على الأخرى، وما لم يحدث تحسن ملموس خلال فترة ما قبل الانتخابات في سبتمبر القادم، فإن الوضع العام سيكون على أسوأ صورة يتمناها أي نظام لنفسه.

نقاط

ميلوسوفيتش ليس وحده

بقلم: أحمد عز الدين

طوال عدة سنوات تجسدت صورة الشر في الإعلام العالمي في شخص سلوبودان ميلوسوفيتش سفاح الصرب الشهير، ولا يجاريه في هذه الشهرة سوى صدام حسين.

وقد ارتكب كلاهما من الأخطاء -بل الجرائم- ما أهلهما لذلك.

 ولكن هل كان ميلوسوفيتش وحده حين قتل المسلمون بالجملة في البوسنة، أو دفنوا أحياء، أو حين اغتصبت النساء، أو بقرت بطونهن أو حين أقيمت معسكرات الاعتقال، أو حين اضطر مئات الألوف لترك منازلهم والفرار بجلودهم؟

وهل ذهب ميلوسوفيتش إلى كوسوفا ليقتل ويحرق ويدمر ويغتصب، أم أن ألوفًا من الجنود والضباط الصرب مارسوا كل تلك الفظائع بإرادة حرة.. ورضا.. واستمتاع.. ومع سبق الإصرار والترصد؟

لماذا يجري تفكيك ظاهرة «النظام المستبد» أو «الجيش المجرم» وتبسيطها وتقديمها على أنها مشكلة فردية تتعلق بشخص واحد، هو أس المصائب، ولو زال عن الوجود لذهبت المشكلات وعاش الناس في سلام؟ أرى أن هذا التوجه فيه خيانة لدماء وأعراض الآلاف من المسلمين والمسلمات الذين ماتوا أو عذبوا أو عانوا من الممارسات الصربية طوال سنوات في البوسنة والهرسك ثم في كوسوفا.

قد يتم التخلص من ميلوسوفيتش -عاجلًا أم آجلًا- وقد يقدم للمحاكمة ومعه ثلاثة آخرون من قادة نظامه، ولكن ماذا عن بقية المجرمين؟ وكيف يمكن أن يتعايش مسلمو كوسوفا مع هؤلاء المجرمين وأن يضمهم معًا وطن واحد؟

في الشريعة الإسلامية -التي هي أساس كل قانون عادل- أنه لو اشترك ألف في قتل واحد اقتيد منهم جميعًا، فما بالنا والضحايا بعشرات الألوف؟

الرابط المختصر :