; مثقفو السلطة .. ورفض الجوائز | مجلة المجتمع

العنوان مثقفو السلطة .. ورفض الجوائز

الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود

تاريخ النشر السبت 08-نوفمبر-2003

مشاهدات 65

نشر في العدد 1576

نشر في الصفحة 48

السبت 08-نوفمبر-2003

كنت أتمنى أن أحضر مؤتمر الرواية العربية في دورته الثانية، حيث انعقد بالمجلس الأعلى للثقافة في ۱۸ - ۲۰ أكتوبر ۲۰۰۳م، دعاني صديقي اللدود الدكتور «جابر عصفور» للمشاركة.

وكنت أعتزم الحضور لأكون «الطائر الغريب» وسط المجموعة المتألفة المتجانسة من مثقفي السلطة في الأقطار العربية، حالت ظروفي دون المشاركة، فأحسست بالأسف، ومع ذلك رحت من بعيد أتلمس أخبار المؤتمر وقضاياه وجوائزه كالعادة، ركز المؤتمرون على فكرة المدينة في الرواية، وعلى طريقة كهنة أمون الذين يقدسون الفرعون ويسبحون بحمده، ويكثرون من ذكره دارت معظم الفاعليات حول نجيب محفوظ وبعض كتاب الرواية من مثقفي السلطة أو ما يعرف باليسار المتأمرك فالمؤتمر لليسار ويدور حول كتاب اليسار، ولو كان بعضهم يخط سطورًا كلها هذيان على طريقة ذيل الحمار الذي رسم لوحة بيكاسو الشهيرة، وقد وصل ثمنها - يفضل النقاد والدعاية - إلى أكثر من ثلث مليون جنيه إسترليني، وبيكاسو يضحك في كمه لاستغفاله النقاد والجمهور جميعًا! 

كان الحدث الأبرز في المؤتمر هو الجائزة. دارت التكهنات حول المرشح المحتمل فوزه بالجائزة، وقدرها مائة ألف جنيه مصري، فاز بها في العام الماضي الكاتب المقيم في سورية عبد الرحمن منيف، وهو يساري قديم له مجموعة من الروايات الطويلة والقصيرة تعدد نشر بعضها في بيروت والقاهرة، والمشروع الذي توقف «كتاب في جريدة»، وكانت تموله اليونيسكو هذا العام كان المرشحون البارزون ثلاثة كلهم في خصومة صريحة أو ضمنية مع الإسلام، لأسباب طائفية أو أيديولوجية أو مسايرة للموجة السائدة وتملقًا لليسار المتأمرك الذي يملك المؤسسات الثقافية مع أنها من ممتلكات الشعب المسلم الذي يكره اليسار ويرفض سياسة أمريكا. 

كانت المفاجأة أن صنع الله إبراهيم الكاتب اليساري الذي أعلن المؤتمر فوزه بالجائزة ليس واحدًا من المرشحين الثلاثة الذين ركزت الصحف والأخبار عليهم ثم كانت المفاجأة الكبرى في رفض هذا المرشح الفائز للجائزة، ثم إلقائه بيانًا يتحدث فيه عن أعلام الرواية في زمننا وجدارتهم التي تؤهلهم لاستحقاق الجائزة، وكلهم بالطبع من اليسار المتأمرك لا يوجد بينهم رواني غير شيوعي سابق أو متأمرك حاليًا، كلهم شيوعيون ومتأمركون ومثقفو سلطة يعيشون بيننا أو رحلوا عنا منذ زمان!

وسبب الرفض كما أعلنه الفائز الشيوعي السابق المتأمرك الحالي هو أحوال الأمة العربية المتردية، وممارسات الكيان اليهودي الاستعماري في فلسطين، وعدم امتلاك الحكومة المصرية - مانحة الجائزة - من أمرها شيئًا!

لقد سعدت بالرفض وضحكت.

 سعدت لأن مثقفًا محسوبًا على السلطة تمرد عليها وأعلن رفضه لجائزتها وأدان موقفها من العرب والمصريين جميعًا.

وضحكت لأن هذه لعبة يسارية معروفة تخدم السلطة وتخدم أصحابها في أن واحد، فهي تظهر السلطة بمظهر المتسامح الذي يسمح بالمعارضة إلى درجة إلقاء بيان ضدها واتهامها بأنها ألعوبة في يد الغير، وذلك على مرأى ومسمع من خمسمائة مثقف سلطة جاؤوا من شتى بقاع الوطن العربي، وفي غمرة الرفض والبيان ينسى الناس أن هذه السلطة استبعدت تيار الأغلبية من السياسة والثقافة والإعلام والمجتمع، وأن ما يجري هو خلافات داخل التيار الذي يمثل الأقلية اليسارية المتسلطة المدعومة حكوميًا بكل الوسائل لقد كان الفائز ممن عارضوا مؤتمر الثقافة وتحديات المستقبل الذي عقدته وزارة الثقافة من 1- ٣ يوليو الماضي، ومع ذلك تمت دعوته لهذا المؤتمر، وأعلن عن فوزه بجائزة الرواية دون الآخرين - الأكثر ولاء للسلطة - كي تتم مصالحته ومصالحة بقية المعارضين لمؤتمر الثقافة وتحديات السلطة من رفاقه اليساريين المتأمركين، ولكنه قلب المائدة على السلطة الثقافية، مما جعل الوزير المختص يستدعي أركان هذه السلطة لبحث تداعيات الرفض والبيان على الواقع الثقافي الذي يهيمن عليه اليسار المتأمرك!

 بالطبع فإن الفائز - من المرجح - سيقبل الجائزة فيما بعد، وسيستقبله الوزير المختص ويحتفي به ويشرب معه القهوة، ويتبادلان الأحاديث الضاحكة، هذا منهج يساري معروف يحقق صاحبه الدعاية والشهرة من ناحية، ثم هو يضمن سلفاً أن رفاقه أو أساتذته في الشيوعية سيتدخلون ليتسلمها في إطار إخراج جيد ومبهر!

 القضية الغائبة في هذا السياق هي قضية الثقافة الفاسدة التي يروج لها مثقفو السلطة هذه الثقافة التي جعلت من الاحتفال باحتلال نابليون لمصر علاقات ثقافية، وجعلت من الإساءة إلى الإسلام والمسلمين في أعمال تنشرها السلطة الثقافية عملاً تنويرياً وتقدميًا. وجعلت خلع الإسلام من حياة الناس لصالح العلمانية والإلحاد والتبعية ضرورة حضارية وجعلت الاسم الكودي للإسلام هو الإرهاب تارة والتطرف تارة أخرى، والأصولية تارة ثالثة والرجعية تارة رابعة والإظلام تارة خامسة!

إن ثقافة تعادي مجتمعها الذي ينفق عليها ويغذيها هي ثقافة فاسدة بكل المقاييس، ونحن أفراد الشعب الذين لا نملك حولًا ولا طولًا نرفض أن تبقى الأمور كما هي عليه، وأن يفسد الشيوعيون المتأمركون عقولنا ويخربوا أفئدتنا تحت دعاوى زائفة.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1395

81

الثلاثاء 11-أبريل-2000

صندوق الدنيا

نشر في العدد 1055

82

الثلاثاء 29-يونيو-1993

ما وراء الفيديو