العنوان متى يَنْجَلِي اللَّيْلُ عن أرتيريا؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 18-ديسمبر-1984
مشاهدات 97
نشر في العدد 696
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 18-ديسمبر-1984
كان الثوار الإرتيريون عند قيام ثورتهم كغيرهم من ثوار الستينيات يرددون بيتين من الشعر من صدر قصيدة أبي القاسم الشابي شاعر الثورات، والبيتان من قصيدته النارية، الذي يقول فيها:
ولا بُدَّ لِلَّيْلِ أنْ يَنْجَلِي *** ولا بُدَّ للقيْدِ أَنْ يَنْكَسِر
ولقد أراد شعب أرتيريا الحياة حقًا، وخاض كفاحًا مسلحًا منذ أكثر من عشرين عامًا، قدم من الشهداء ما يقدر بعشرات الألوف، ومع ذلك لم يتحقق له شيء مما أراد، ولا يزال يعيش مشردًا مضطهدًا، فلا الليل انجلى عنه، ولا القيد انكسر عن أرجله، فالليل قائم، والقيد باق.
والحق، أن الشعب هو الذي يجب عليه أن يستجيب للقدر، لأنه لا إلزام للقدر بأن يستجيب لرغبة شعب من الشعوب، أو أن يحقق مشيئة مخلوق مهما كان، إلا أن يشاء الله ذلك.
ولكن إذا كان الكفاح لإقامة دين الله وتنفيذ شرع الله، كان جهادًا في سبيل الله، وفاز المجاهد بإحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد: 7)، ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ (الحديد: 19)،
والشهيد له مكانة عظيمة عند الله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (آل عمران: ١٦٩).
لذلك فإن الواجب على المناضلين من أجل الحرية، أن يلتزموا بشرع الله، ويحافظوا على حدود الله، ويكون هدفهم من كفاحهم إقامة مجتمع إسلامي حتى يكونوا جديرين بنصر الله وتأييده ما داموا ينتمون إلى مجتمع إسلامي بالفطرة، أما أن يركنوا على أن يستجيب لهم القدر لمجرد أنهم حملوا السلاح وأوقعوا بعض الخسائر بالمستعمر، فهذا ضرب من الخيال؛ لأن النصر له شروط يجب توافرها في المجاهد لكي يكون جديرًا بالنصر.
وعند قيام الثورة ظن الأرتيريون أن الليل قد أدبر، والصبح قد أسفر، ولكن تبين لهم- فيما بعد- أن الصبح لا يزال بعيدًا، أو أنه كالصبح الذي وصفه امرؤ القيس في إحدى معلقاته، بقوله:
أَلا أَيُّها اللَيلُ الطَويلُ أَلا اِنجَلي *** بِصُبحٍ وَما الإِصباحُ مِنكَ بِأَمثَلِ
كيف كانت أرتيريا قبل الاحتلال الأثيوبي؟ وما الحال التي آلت إليها الآن؟؟
أما بعد الاحتلال الأثيوبي الذي تم في عام ١٩٥٢م تحت ستار الاتحاد الفيدرالي بين دولتي أثيوبيا وأرتيريا بواسطة هيئة الأمم المتحدة، وبضغط من الدول الكبرى التي كانت لها علاقات ودية مع إمبراطور أثيوبيا، بعد هذا الاحتلال استحالت أرتيريا إلى بلد فقير متخلف؛ حيث قام الجنود الأحباش بعمليات الإبادة الشاملة للإنسان والحيوان والنبات؛ إذ مارسوا أبشع جرائم القتل والاعتداء على الأعراض، ونهب وإتلاف الممتلكات بلا تمييز بين الثوار وغيرهم، تحقيقًا للشعار الذي رفعه الحكام الأثيوبيون ونصه: «إذا أردت القضاء على السمك فجفف البحار، وإذا أردت القضاء على الثورة فأبد الشعب»، لهذا حل الدمار والخراب بأرتيريا.
هجرة جماعية:
إزاء هذه المأساة اللا إنسانية اضطر مئات الألوف إلى اللجوء إلى السودان؛ ليصبحوا لاجئين هناك، ولم تتوقف قوافل اللجوء إلى الآن، وعلى مدى عشرين عامًا تقريبًا تاركين قراهم وديارهم.
ويقوم شعب وحكومة السودان بواجب الضيافة تجاه إخوتهم اللاجئين، وبرعايتهم ومنحهم حق الإقامة والعمل للقاصرين منهم على العمل، وإتاحة فرص التعليم في حدود إمكانات السودان المحدودة، وتقديم الأرض للذين يستطيعون فلاحتها، والعلاج المجاني في مستشفيات الحكومة، وإشراكهم في المواد التموينية النادرة الوجود، يقدم السودان كل ذلك رغم الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها منذ سنوات.
نقص الخدمات التعليمية:
يعاني اللاجئون بجانب الفقر والأمراض، من نقص حاد في الخدمات التعليمية، وأن فرص التعليم المتاحة لهم لا تفي باحتياجاتهم الملحة، وتقدم لهم بعض الجهات الخيرية منحًا دراسية، وفرصًا تعليمية محددة، إلا أن حاجة اللاجئين تفوق ذلك كثيرًا، خاصة في مجال الدراسات الإسلامية والتقنية- اللتين لا يجدون منهما إلا النزر اليسير جِدًّا- رغم أهميتهما بالنسبة لهم، فالأولى لازمة لهم للإبقاء على عقيدة الإسلام لديهم؛ حيث كادت المصائب التي حلت بهم أن تمحوها من صدورهم، وعلى رأس هذه المصائب الاحتلال الأثيوبي؛ حيث منع الأثيوبيون دراسة الدين الإسلامي واللغة العربية بغرض طمس معالم الشخصية الأريتيرية- العربية- الإسلامية، كذلك أنهم في حاجة إلى العلوم التقنية لكي تعينهم على ولوج سوق العمل.
النشاط التنصيري في صفوف اللاجئين:
لقد استغلت بعض المنظمات التنصيرية حاجة اللاجئين إلى المعونات الغذائية والدواء والملابس والتعليم، فسارعت بتقديم بعض المعونات لهم، فانجرف إلى أحضانها العديد منهم مما يخشى معه من تنصيرهم خاصة الأطفال منهم، كما تبنت بعض هذه المنظمات موضوع هجرتهم إلى بلدان أوروبا الغربية، ودول اسكندنافيا وأميركا وكندا، وكثير منهم يفكر في الهجرة إلى أستراليا للعمل والتعليم والاستيطان هناك- فهل يوجد من يحول دون هجرتهم إليها- بإيجاد البديل؟!
وبالإضافة إلى اللاجئين بالسودان، فهناك لاجئون أريتيريون آخرون يقيمون في الصومال وفي جيبوتي ويعانون ما يعانيه اللاجئون بالسودان.
هذه أحوال اللاجئين الذين فروا من أرتيريا خوفًا على أرواحهم ودينهم وأعراضهم، أما من بقوا في أرتيريا حتى الآن فحالهم أوهى وأمر.
مجاعة شديدة:
هؤلاء يتعرضون للاعتداءات الوحشية والاضطهاد وسوء المعاملات والإرهاب من جانب قوات الاحتلال الأثيوبي، بالإضافة إلى المجاعات كسائر سكان أثيوبيا، بل هم أشد مجاعة من الأثيوبيين حيث إن الحكومة الأثيوبية لا تشركهم في المساعدات الغذائية التي تنهمر عليها من دول الغرب، لأنها لا تعتبرهم جزءًا من مواطنيها.
إذا لم تتداركهم عناية الله فإن سكان أرتيريا المتبقين فيها معرضون لمجاعة شديدة قد تقضي على حياتهم دون أن يرى أو يسمع عنهم، وهم أشبه بالجيش المحاصر، غير أنهم لا يحميهم قانون الحرب الذي يحمي أسرى الحرب.
الإهمال من جانب المنظمات الدولية:
والمنظمات الدولية لم تهتم بهم، ولم تحاول تقصي الحقائق عنهم، كأنهم ليسوا أعضاء في الأسرة البشرية؟؟
وتعتبر أثيوبيا أي محاولة لمعرفة مشكلاتهم تدخلًا في شئونها الداخلية، وتقاومها بشتى الوسائل، مما ساعد على إسدال الستار عليهم وعلى أوضاعهم.
ومنظمة الوحدة الأفريقية لا تعطي أذنًا صاغية لشكاوى سكان أرتيريا، لأن ميثاقها يمنعها من نظر المشاكل التي تنشأ من جراء عدم واقعية الحدود التي ورثتها الدول الأفريقية من الاستعمار، أو بعبارة أخرى أنها ملزمة حسب ميثاقها باحترام الحدود الموروثة من الاستعمار الغربي مهما تنافت هذه الحدود مع مقتضيات العدالة وتطلعات الشعوب، ولسوء الحظ فإن المنظمة كان يسيطر عليها التيار الكنسي، وكلاهما تتزعمهما أثيوبيا، فهي الخصم والحكم في القضية الأريتيرية، ولسوء الحظ أيضًا فإن منظمة الوحدة الأفريقية حالت دون تدخل الأمم المتحدة في مشاكل القارة الأفريقية، باستثناء مشكلة ناميبيا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل