العنوان في السياسة الشرعية الحلقة (١٤).. متى يعتبر الحاكم خائنًا لله وللرسول وللمسلمين؟!
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 17-نوفمبر-1981
مشاهدات 68
نشر في العدد 551
نشر في الصفحة 13
الثلاثاء 17-نوفمبر-1981
- يعتبر الحاكم خائنًا لله وللرسول وللمسلمين، عندما ينحاز لأقربائه ومن والاه ضد عموم المسلمين، حين تحديد المسئوليات، وتسليم الولايات.
فالمفترض بالحاكم المسلم أن يستعمل أصلح المسلمين على كل عمل من أعمالهم؛ لأن استعمال الأصلح والأكفأ يأتي بمنفعة ومصلحة للجماعة الإسلامية، بينما استعمال العكس يؤدي حتمًا إلى ضرر كبير على الجماعة.
يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من ولي من أمر المسلمين شيئًا فولى رجلًا وهو يجد من هو أصلح للمسلمين منه، فقد خان الله ورسوله»، وفي رواية: «من قلد رجلًا عملًا على عصابة (الجماعة من الناس) وهو يجد في تلك العصابة أرضى منه، فقد خان الله وخان رسوله وخان المؤمنين» [رواه الحاكم في صحيحه]، وروى بعضهم أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: «من ولي من أمر المسلمين شيئًا فولى رجلًا لمودة أو قرابة فقد خان الله ورسوله والمسلمين».
فيجب إذن على الحاكم أن يستعمل فيما تحت يده في كل موضع ومنصب أصلح من يقدر عليه، وأكفأ من يقوم به.
يقول ابن تيمية في السياسة الشرعية ص ٤٨: «فإن عدل عن الأصلح الأحق إلى غيره لأجل قرابة أو ولاء أو عتاقة أو صداقة أو موافقة في بلد أو مذهب أو طريقة أو جنس كالعربية والفارسية والتركية والرومية أو لرشوة يأخذها منه من مال أو منفعة أو غير ذلك من الأسباب أو لضغن «حقد» في قلبه على الأحق أو عداوة بينهما، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين، ودخل فيما نهي عنه في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (سورة الأنفال: ٢٧).
يضيف ابن تيمية: «فإن الرجل لحبه لولده أو لعتيقه قد يؤثره في بعض الولايات أو يعطيه ما لا يستحقه، فيكون قد خان أمانته، كذلك قد يؤثره زيادة في ماله أو حفظه، يأخذ ما لا يستحقه أو محاباة من يداهنه في بعض الولايات، فيكون قد خان الله ورسوله وخان أمانته». انتهى.
قيل لعمر بن عبد العزيز: يا أمير المؤمنين أقفرت أفواه بنيك من هذا المال - أي أخليت أيديهم من المال وأفواههم من ملذات الطعام -، وتركتهم فقراء لا شيء لهم، وكان في مرض موته، فقال: أدخلوهم علي، فأدخلوهم وهم بضعة عشر ذكرًا ليس فيهم بالغ، فلما رآهم أذرفت عيناه، ثم قال: يا بني والله ما منعتكم حقًّا هو لكم، ولم أكن بالذي آخذ أموال الناس فأدفعها إليكم،وإنما أنتم أحد رجلين: إما صالح، فالله يتولى الصالحين، وإما غير صالح فلا أترك له ما يستعين به على معصية الله، قوموا عني «سيرة عمر بن عبد العزيز، ابن الجوزي، ص ۲۸٠».
رحم الله عمرًا وأمثال عمر، حقًّا إن الإمارة أمانة، وأنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها.
واليوم كما نرى ونشاهد ونلمس صار الحكام خونة لله ولرسوله وللمسلمين، وضاعت الأمانة، ووسد الأمر إلى غير أهله، وضاعت الحقوق، وصار ولاة الأمر يتاجرون في الرعية مع أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن أخون الخيانة التجارة في الرعية»، وصارت المسئولية والولاية توسد إلى من هو خالٍ من القوة والأمانة، وهما الركنان الأساسيان في ولاية الأمر بمقتضى قول الله وقول رسوله - صلى الله عليه وسلم -، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل