العنوان متى نستبدل الشعار بالشعور؟
الكاتب خضير جعفر
تاريخ النشر الثلاثاء 18-يناير-2000
مشاهدات 62
نشر في العدد 1384
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 18-يناير-2000
الإسلاميون اليوم يرفعون لافتات كبرى ويتأبطون ملفات مشروع طموح، ويتحدثون للعالم بثقة واعتداد عن بديل حضاري شامل. لافتاتهم تعد بحلول أساسية للمعضل الإنساني، ومشروعهم الطموح يطرح نفسه بقوة فتواجهه قوى وتتحداه أسئلة كبرى تبحث عن إجابات وافية، وبديلهم الحضاري الشامل يبشر بحاضر سعيد ومستقبل واعد رغيد.
ومثل هذا الطرح الشمولي الكبير فتح عليهم عيون العالم الذي انقسم إزاءهم بين مؤيد مساند، وعدو حاقد، ومراقب محايد، ولكن هؤلاء جميعًا يلحون في طرح التساؤلات على الإسلاميين ولا فرق بين أن تكون للاستفسار أو للاستنكار.
ومن هنا، فالإسلاميون -مفكرين ودعاة وتنظيمات- معنيون بتوفير إجابات واسعة سعة الإسلام، كبيرة بحجم التحديات وشاملة على قدر مساحات مشكلات العالم وأزماته واهتماماته الاقتصادية، والسياسية، والأمنية، والاجتماعية، والثقافية، والبيئية، والتنموية، أما استصحابهم مرحلة الشعارات وما رافقها من حماس وانفعالات طوت صفحاتها الحركة المتسارعة للأحداث والتطورات، فهو عودة للوراء أو توقف عند مفترق طرق بكل ما يحمله ذلك التوقف من مغامرات وأخطار وأضرار، وهذا ما يفرض على حملة الهم الإسلامي أن يتعاملوا مع الواقع والمستجدات بروح جديدة مزودة بإجابات عملية وواقعية مقنعة، لأن الشعار كان يومًا ما مطلوبًا وضروريًا لاستقطاب الجماهير وتعبئة الأمة لحمل الرسالة وشدها للإسلام وقيمه الخيرة، لكن الشعور هو الذي ينبغي أن يحتل مواقع الشعار حاليًا، إنه الشعور بالمسؤولية والشعور بضرورة التسلح بالوعي الكامل، والتزود بآليات وبرامج العمل، ثم الشعور بضرورة البحث الجاد لإيجاد حلول لمشكلات الحياة والإنسان والمجتمعات وبما تمليه الضرورات وتتطلبه المتغيرات ويستجيب للتحديات، هذه هي مشكلة الإسلاميين وتلك إشكالية خطابهم.
إن مهمة التغيير الاجتماعي التي مارسها الدعاة في بدايات عصر الصحوة الإسلامية وما فرضته على الخطاب التعبوي الوعظي ذي الطابع الحماسي قد فتحت نتائجها وترشحاتها أبواب استحقاقات جديدة لا تلغي اعترافنا بالجميل لتلك الطلائع الرسالية ذات الدور التأسيسي، ولا تمنع من التسليم بالنجاحات المهمة التي تحققت ومهدت الطرق لعودة الإسلام فكرًا، ورؤية ونظرية عمل يتبناها تيار واسع في الأمة، ويدعو لها طيف ملون من النخب الواعية التي اعتراها شعور عميق بالثقة بالنفس جراء امتلاكها مقومات النهوض، ومعالم الهوية، وأبجدية الفكر القادر على تأهيلها للعب دور ريادي يستعصي على الانزواء والإقصاء محدثًا تغييرات اجتماعية ضخمة لصالح الإسلام، مثلت في مجملها تطلعات جيل يترقب حدوث أو إحداث زلزال هائل يهز العالم مؤذنًا بظهور جبل أشم، وقد تراءت من على قمته لوحة أمل تقول «الإسلام هو الحل».
بيد أن النهج الخطابي الذي وسم هذه المرحلة بسماته والشعار الأيديولوجي والحماس العقائدي الذي لون كل أنشطة الحركة الإسلامية على سعة امتداداتها قد أهل الإسلاميين لبلوغ ساحات الاختبار لإثبات المصداقية، بعد أن تجاوزوا مرحلة إثبات الوجود والهوية، وجعلهم وجهًا لوجه مع الآخر في أسواق التحدي الجديدة، وهو يثير أمامهم جملة من التساؤلات عن كمية وكيفية بضاعتهم في عروض المنافسة، فما برامجهم العملية؟ وما خطابهم السياسي الجديد؟ وما مفردات مشروعهم الذي بشروا به كثيرًا ونجحوا في إقناع الكثيرين به وبإمكان تحققه؟ ولذلك فهم يقفون اليوم مكشوفي الصدور والظهور أمام دنيا تنظر إليهم كثيرًا وتنتظر منهم كثيرًا ولا تنتظرهم كثيرًا، حينما يقفون أو يتوقفون وسط المعمعة والزحام دون برنامج تفصيلي مقنع يجيب السائل، لأن شمولية الطرح التي يبدونها- أو نبديها- سيف ذو حدين يضغط بأحد حديه على خواصر ضعفنا التي قد تنفذ منها سهام النقد إلى مقاتلنا دون استئذان، خاصة أن النقاد، والحساد، وذوي الأحقاد متربصون بعيون مفتوحة لمراقبة هذا البديل الحضاري الذي شغل بالهم وقرب آجالهم، وهو يحار- لا سمح الله- في تقديم إجابات وافية، شافية، قصر الإسلاميون حتى هذه الساعة في استكمال إعدادها وتقديمها حلًا شموليًا لمشكلات الحياة في ساحات الاختبار التي لا يمكن للحماس- مهما تألق- أن يكون لها بديلًا، كما لا يمكن للادعاءات مهما كبرت أن تنهض هناك دليلًا لإقناع من يطالبنا بعرض تفصيلي لمفردات ما نحمله للعالم من حلول لأزماته العاصفة، ولذلك فلا سبيل أمامنا إلا المبادرة واستنهاض همم الفقهاء والمفكرين والمختصين في كل الميادين كي نملأ مناطق فراغ ما زالت تستفز المخلصين منا لأن يستنطقوا كتاب الله والسنة المطهرة فينسجوا على ضوء هداهما لوحة البديل الحضاري بكل تفاصيله المقنعة، ويفرشوا أرض الواقع وميادين التحدي بموزاييك الإبداع لتكتمل صورة الحل الإسلامي المنشود، وفي غيرها لن يعني ذلك إلا قصورنا أو تقصيرنا الذي نجل عنه شريعة الإسلام إذ «ما من واقعة إلا ولله فيها حكم».
ترى هل نحن بمستوى هذه المسؤوليات وتلكم التحديات؟ أم أننا ما زلنا نستسهل لغة الشعار ونخشى من تبعات الشعور هذه واستحقاقات المسؤولية والعقلنة والحوار؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل