; متى يهتف الناس جميعًا وداعًا للأحقاد؟ | مجلة المجتمع

العنوان متى يهتف الناس جميعًا وداعًا للأحقاد؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 21-نوفمبر-1972

مشاهدات 108

نشر في العدد 126

نشر في الصفحة 4

الثلاثاء 21-نوفمبر-1972

البابا بولس.. تهنئتكم مقبولة ولنا معكم.. كلام !! «إننا قريبون بعضنا إلى بعض.. فلماذا لا نفتش؛ والحالة هذه، بعضنا على بعض، لنحمل معًا في عالمنا البشري الشهادة لمزيد من العدالة والمحبة والاحترام والتفاهم. إن مخاوفنا في الماضي ومصائبنا تحرضنا على أن نتواجه وأن نتخاطب دون مراوغة ودون تلك الأوهام التي نجرها جميعًا معنا.. وهي من رواسب الماضي». هذه فقرات من رسالة وجهها البابا بولس السادس- بابا الفاتيكان- إلى العالم الإسلامي.. في عيد الفطر المبارك. ولعلها مناسبة أتاحها البابا لنتحدث عن هذه القضيـة- علاقة المسيحيين بالمسلمين- دون مراوغة. خاصة في هذه الظروف التي برزت فيها حساسيات حادة بين الطرفين في أكثر من قُطر: في إندونيسيا، وفي مصر، وفي الفلبين، وفي لبنان. وإذا كان ثمة نية لإقامة جسور سلام بين أتباع الديانتين؛ فإننا نرى أن ذلك لن يتم- بصدق وإخلاص- إلا بعد تصحيح لأوضاع مليئة بالجور.. والحيف، والمسلمون على استعداد- كما كانوا دومًا فـي تاريخهم- لتقبل نتائج النظرة العادلة.. في تلك الأوضاع. إن الإخلاص يقتضينا أن نقول: إن النيات وحدها لا تكفي في معالجة واقع له ثقله.. وضغطه. وإقامة السلام والعدالة.. مرتبطة بإزالة عوامل الحرب.. والظلم.. هذا إذا أردنا سلامًا حقيقيًا.. ومن غير مراوغة نسأل: هل يستطيع المسيحيون اتهام المسلمين- في أي بقعة من العالم- بأنهم يظلمون الأقليات المسيحية؟ أين.. ومتى؟ هل هناك خطة.. أو تخطيط من جانب المسلمين يعمل على إفناء هذه الأقليات.. أو تذويبها؟ أین.. ومتى؟ إن الوقائع- ومن يعرف غير ذلك نرجو أن يصارحنا ويقدم لنا الدليل- تؤكد أن المسلمين ما فعلوا ذلك يومًا لعدة أسباب: ۱ - إن معاملة أهل الكتاب بالتي هي أحسن خلق إسلامي غرسه القرآن في نفوس أتباعه.. ولا نجد مسلمـًا صحيح الإسلام يخرج على هذه القاعدة الأخلاقية السمحة. ٢- والمسلمون واقعيًا لا يستطيعون إنزال الظلـم بأحد.. لأنهم هم أنفسهم يخضعون لمظالم شديدة الضغط. إن المستضعف يشغله رد الموت المادي والأدبي عن نفسه.. وإمكاناته وظروفه لا تتيح له أكثر من ذلك. وليس معنى هذا أن المسلمين يمتنعون عن الظلم عجزًا؛ وإنما هو تقرير لحقيقة واضحة.. وافتراض أن المسلمين إذا استطاعوا أن يظلموا فعلوا.. تنفيه الفقرة السالفة.. تنفيه قاعدة معاملة أهل الكتاب بالتي هي أحسن. ٣- وبقاء الأقليات المسيحية حتى الآن بين أمواج هائلة من الركع السجود.. وجموع كثيفة من المسلمين.. هذه الظاهرة التاريخية التي لم تتخلف قط تقطع بعدالة المسلمين.. وموقفهم المتسامح من المسيحيين. ٤ - وإتاحة كل الفرص أمام الأقليات المسيحية.. في الوظائف المختلفة حجة رابعة.. غير قابلة للإنكار. أحيانًا تغلب عاطفة التسامح على ميزان العدالة؛ بمعنى أن الأكثرية المسلمة تشكو استحواذ المسيحيين على نسب من الوظائف- كمًّا ونوعًا- تتجاوز حجمهم، وحقهم المشروع. ولسنا قضاة.. ولا ديَّانين، وفي نفس الوقـت ننظر- في غير ظلم ولا تحامل- إلى معاملة المسيحيين للمسلمين، فماذا هناك؟ إن البابا طلب منا أن نتحدث وأن نتخاطب دون مراوغة، وإننا لنفعل ذلك الآن؛ لنتحرر جهد الطاقة من رواسب الماضي.. من رواسب الحروب الصليبية، وإبادة المسلمين في الأندلس.. و.. و.. ولنركز النظرة على الواقع القائم. • أكبر مشكلة تعرقل إقامة سلام حقيقي بين الطرفين هي: انحياز المسيحيين.. إلى جانب اليهود.. إن الاحتلال اليهودي لبلادنا يمثل أبشع جرائم الظلم والعدوان والقسوة في عصرنا الحديث. • الموقف المسيحي المنحاز لليهود.. رضي بأن يكون مناصرًا للظلم والعدوان والقسوة والبطش.. وكم وددنا ألا يتعرض المسيحيون لمثل هذا الحرج.. أولًا: لكي تكون فرص التفاهم الصادق مفتوحة باستمرار.. وثانيًا: لأن الضمير الديني حين يقف مع الظلم في الأرض، إنما يزلزل ثقة الناس- بصفة عامة- في حقيقة التدين والإيمان. وليس ذلك في صالح الأديان السماوية بطبيعة الحال.. • والمشكلة الثانية هي: حملة التنصير الموجهة ضد العالم الإسلامي . إن رسالة البابا تقر أننا أصحاب دين سماوي- وهذا تقدم نسبي على كل حال- وبهذه الصفة نعتبر نحن أهدى من غيرنا.. ممن لا يدينون بأديان سماوية. وبالحساب، والمنطق، والضمير الديني كان ينبغي أن تتوجه حملة التنصير إلى مناطق البوذية، وأدغال الوثنية، ومراكز الإلحاد والشيوعية.. فلماذا حدث العكس؟! وتركزت حملة التبشير والتنصير على أصحاب التوحيد النقي.. والإيمان القوي؟ في إندونيسيا حملة تنصير واسعة النطاق، وفي الفلبين قامت حملات متتالية لرد المسلمين عـن دينهم.. فلما فشلت هـذه الحملات؛ سلطت عليهم حرب الإبادة والإفناء. وفي مصر بوادر حملة من هذا النوع.. نرجو مخلصين أن ينصح البابا أتباعه بالكف؛ حتى لا تتناقص فرص التفاهم- الذي تحدث عنه في رسالته إلينا- وتكثر عوامل الشقاق والفتنة. وفي مناطق أخرى كثيرة تجرى نفس المحاولات. • والمشكلة الثالثة: هي تسلط الأقلية المسيحية على الأكثرية المسلمة في أكثـر من بلد: في تشاد ٨٥٪ من سكانها مسلمون.. ويحكمها رجل مسيحي. وفي السنغال ٩٥٪ من سكانها مسلمون ويحكمها مسيحي. وفي الحبشة ٦٨٪ من سكانها مسلمون.. ويحكمها مسيحي. فهل هناك أقلية مسلمة تحكم أكثرية مسيحية؟ لا.. وليس مبعث نقدنا لهذا الوضع الغريب هـو التعصب الديني.. إن منطق العدالة يرفض هذا الواقع الظالم.. ومبادئ الديمقراطية- حيث الرأي والسيادة للأغلبية- ترفض هذا الواقع أيضًا.. إن أي سلام حقيقي بين أتباع الديانتين لن يتم إلا بعد بذل جهود مخلصة لعلاج هذه المشكلات. إن للبابا أثره الواضح القوي في توجيه العالـم المسيحي، وفي إمكانه أن يفعل شيئًا ذا بال لتحقيق هذا السلام المنشود، وسوف نلقاه فـي الطريق إذا هو بدأ السير فيه. بالنسبة للموقف من الاحتلال اليهودي لا نطالب في هذه المرحلة بشيء مثالي أو خيالي يلزم البابا- والعالم المسيحي بالتالي- أن يقف إلى جانبنا ويعادي اليهود المحتلين.. كل ما نرجوه الآن أن يقف المسيحيون موقف الحياد، والذي لا يستطيع أن يقمع الظلم.. فلا أقل من أن يقلع عن تأييده. بالنسبة لحملات التنصير.. فهو أمر في استطاعة البابا إيقافه دون أن يواجه أي متاعب، أو عوائق.. فهو الذي يشرف على حركة التبشير في العالـم، والكنائس ومؤسسات التبشير تدين له بالطاعة التامة. أما عن مشكلة تسلط الأقليات المسيحية على مقادير الأكثريات المسلمة؛ فهي أيسر من كل ما تقدم. إن المسلمين لم يتأخروا تحت حكم الأقليات.. لأنهم خلقوا للتأخر والتخلف، ولكن تأخروا لأن هذه الأقليات حرمتهم حقوقهم، وأغلقت في وجوههم فرص التعليم والاقتصاد والوظائف، ومطلبنا أن تتاح الفرصة للمسلمين كي ينهضوا بأنفسهم.. فإذا تحقق ذلك انحلت المشكلة تلقائيًا مع مرور الأيام. وقبل كل ذلك يستطيع البابا الآن- في هذه اللحظة- أن يوجه خطابًا سريًا أو علنيًا لمراكز التوجيه المسيحي بأن تكف عن تفجير الحساسيات الحادة بين أتباع الديانتين. ونحن على يقين أن الجو سيهدأ إذا قام البابا بهذه الخطوة.. ومن الخير أن يقوم بها؛ حتى لا تتأزم الأمور وتتعقد ويصعب التغلب عليها. وبعد: هل تطلبوا منا شيئًا نفعله نحن المسلمين؟ هل تريدون منا ميثاقا وعهدًا ألا نظلم مسيحيًا واحدًا؟.. لكم ذلك.. لأننا بهذا الميثاق نعبر عن التزامنا بديننا. ونحن بدورنا نريد منكم ميثاقا ألا يُظلم مسلم واحد في بلادكم، ولا تستغل الأقليات المسيحية فضيلة التسامح فينا وتحاول لدغ يد البر والإحسان.
الرابط المختصر :