; متطلبات الاحتجاج السلمى | مجلة المجتمع

العنوان متطلبات الاحتجاج السلمى

الكاتب محمد السيد حبيب

تاريخ النشر السبت 26-أبريل-2008

مشاهدات 49

نشر في العدد 1799

نشر في الصفحة 38

السبت 26-أبريل-2008

تشهد مصر منذ فترة حالة احتقان عام.. أو غليان.. أو فوران.. سمها ما شنت ولا أتصور أن هناك من يختلف حول وجودها وتجذرها وتشعبها وانتشارها وامتدادها على مستوى الساحة المصرية كلها.. وأن النظام الذي يتعامى أو لا يأبه بذلك لا يقرأ المشهد قراءة صحيحة.. كما أن النظام الذي يقرأ المشهد ولا يعي أبعاده يخطئ في ذلك خطأ جسيما…

والذي أراه أن النظام لديه من الأجهزة والوسائل والأدوات التي تعينه على معرفة ما يجري، لكنه لا يسلك الطريق الصحيح في المعالجة معتمدا على قوته أو أداته الأمنية القمعية الأمر الذي يؤدي إلى تعقيد الأمور وإلى إضافة مزيد من التوتر والغليان والاحتقان لما هو موجود.. هذه المعالجة التي استمرأها النظام تزيد النار اشتعالا والأوضاع تأزمًا.. لقد حذرنا طويلًا وحذر معنا الجميع من هذه الحالة، ومن الطريقة التي تعالج بها الأمور.. لكن النظام لا يريد أن يسمع.. وإذا سمع هز كتفيه استهانة وغرورا.. قلنا له مرارا إن مصر تعيش أزمات في كل المجالات.. سياسية... واقتصادية.. واجتماعية، وإنه لابد من تغيير هذه السياسات، لكنه يريد إبقاء الحال على ما هي عليه ولتذهب الصيحات أدراج الرياح.. هو سعيد بما يصنع مطمئن إلى أن الأوضاع ساكنة وأن كل شيء تحت السيطرة.. نعم. قد تكون ساكنة على السطح، لكنها تغلي في العمق.. وبين كل حين وآخر تظهر بعض الفقاقيع لتنبه الغافل وتوقظ النائم أن ثمة شيئا ما يجري تحت السطح، وأنه يوشك أن ينفجر في لحظة ما، وساعتها لن تستطيع أي حكومة بكل أدواتها القمعية -من قوات ومدرعات ورصاص حي ورصاص مطاطي، وضرب وسحل وقنابل مسيلة للدموع- أن تسيطر عليها. أو أن تتحكم فيها...

 إن الانفجار قادم لا محالة، وإذا لم يتحرك النظام قبل فوات الأوان لينزع فتيل الأزمة، فسوف يأتي الانفجار على الأخضر واليابس.. وساعتها لا ينبغي أن نلوم إلا أنفسنا.. نحن نشعر أن حالة مخاض تجري لتحول ما.. لمنعطف ما.. وإذا لم نتحرك بوعي وحكمة ورشد وبشكل جاد وفاعل فقد تحدث الكارثة.. لقد اعتمد النظام في مواجهته الحالة الاحتقان على سياسة أظنها خائبة ومعيبة فضلا عن أنها تحتوي - كما هي العادة - على قدر من الالتواء والمراوغة.. فقد تضمنت السياسة عزل حركات الاحتجاج السياسي - الضعيفة في الواقع - عن حركات الاحتجاج الاجتماعي القوية والمتنامية. كما تضمنت أيضا تجزيء وتفتيت حركات الاحتجاج الاجتماعي إلى حركات فئوية. حاول النظام أن يجعلها جزرا منعزلة عن بعضها حتى يسهل التعامل مع كل منها.. ونسي أو تناسى النظام أن ثمة قواسم مشتركة يعاني ويشكو منها الشعب المصري... فالفساد، والاستبداد، والغلاء، والاحتكار.. سواء الاحتكار بالمعنى السياسي كاحتكار السلطة والانفراد بالحكم أو الاحتكار بالمعنى الاقتصادي كاحتكار رجال المال والأعمال البعض السلع الإستراتيجية والحيوية أصبح حديث الناس في كل موقع ومجال وميدان. 

لن أخوض فيما هو معروف للجميع.. وأقصد بذلك الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تعاني منها مصر، لكن الذي أود التأكيد عليه أننا أمام أزمة حكم في المقام الأول، وكل الأزمات الأخرى هي بعض تجليات أو أعراض أو فروع لهذه الأزمة.. ومن ثم يجب أن تتوحد الرؤى والوسائل والأدوات لمواجهتها... 

أولًا: نحن في حاجة إلى قيادة أو قيادات معروفة ومعلومة ولها رصيدها من احترام وتقدير الجماهير.. هذه القيادات يمكن أن تمثل الرايات التي تلتف حولها الجماهير وتعطيها ثقتها ونصرتها وولاءها.. إن وجود مثل هذه القيادات لازم وضروري لتوجيه وترشيد حركة الجماهير وبخاصة في أوقات الأزمات، حتى لا تتبدد الجهود أو تتبعثر الطاقات أو تختطف الحركة من قبل الغوغاء أو غيرهم الذين يطفون على السطح ويظهرون غالبا في مثل هذه المواقف لتحقيق مآربهم في الفوضى، والسلب، والنهب، والتدمير.

 ثانيا: نحن في حاجة إلى خطاب عام محدد يتجاوب مع أماني وطموحات الجماهير من ناحية، ويمتاز بوضوح الرؤية -فيما يخص الأهداف والوسائل- ويضع في حسبانه التقييم الموضوعي لقدرات الجماهير وإمكاناتها ومدى التكاليف التي يمكن أن تتحملها والسياق الذي تعمل فيه والمناخ العام الذي تتحرك من خلاله من ناحية أخرى.

 ثالثا: من حيث تثقيف وتنمية الوعي السياسي للجماهير يجب ألا تغفل البعد الإقليمي والعالمي في نظرتنا حيث إن التحديات التي نواجهها ليست على مستوى الداخل فقط وإنما هي على مستوى الداخل والخارج معا والفصل بينهما يجعل الأمر قاصرا، ويضر بالقضية ضررا بالغا.. نحن أمام مشروع أمريكي صهيوني يستهدف تركيع الأمة وتفكيك المنطقة وإعادة رسم خريطتها وفق مصلحته ومشروعه وأجندته.. وما يحدث في المنطقة على مستوى القضية الفلسطينية والعراقية والسورية، والإيرانية واللبنانية والسودانية وغيرها يؤثر بشكل أو بآخر على الأوضاع في مصر وليس مقطوع الصلة عن توجه سياساتها الداخلية.

رابعا: نحن في حاجة إلى التدرج في الخطوات حتى لا تحدث قفزة غير محسوبة أو غير مأمونة العواقب تأتي بنتائج سلبية فتؤدي إلى يأس وإحباط وعودة إلى الوراء، وبالتالي فتدريب الجماهير على تبني ثقافة الاحتجاج السلمي وفق خطة محكمة ومدروسة أمر لازم وضروري، هذه الخطة تضع في حسابها كيفية تجميع حركات الاحتجاج الاجتماعي من ناحية وربط ذلك بحركة الاحتجاج السياسي العام التي تواجه الفساد والاستبداد من ناحية أخرى، وهو ما يحتاج إلى مناقشة واسعة وحوار جاد يضم علماء الاجتماع السياسي والتاريخ والمفكرين والرموز العاملة في مؤسسات المجتمع المدني، وبعض الشخصيات العامة. 

إنها دعوة أرجو أن تلقى قبولًا.

الرابط المختصر :