العنوان متابعات وتحليلات للنشاطات الفكرية والسياسية على الساحة الأمريكية
الكاتب د. أحمد يوسف
تاريخ النشر الثلاثاء 26-أكتوبر-1993
مشاهدات 71
نشر في العدد 1072
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 26-أكتوبر-1993
تطلعات الوحدة والانفصال في الشرق الأوسط
عقدت مؤسسة
«RAND» مؤتمرها
السنوي في مدينة لوس أنجلوس بتاريخ 27 أغسطس الماضي حول الشرق الأوسط والتحولات
الديمقراطية والدينية المتفاعلة فيه، حيث شارك العديد من الخبراء والباحثين في
شؤون العالم العربي والإسلامي إضافة إلى بعض السياسيين والمهتمين بوزارة الخارجية
الأمريكية.
وكان من أبرز المحللين للوضع العربي والإسلامي، المسؤول السابق بوكالة
المخابرات المركزية
«CIA» غراهام
فوللر، والذي أشار إلى أن هناك توجهات إثنية كثيرة في الشرق الأوسط تتحرك مطالبة
بالانفصال.
الأقليات العرقية وحلم تقرير المصير
بالطبع لم يتعرض أحد إلى الأسباب التي تدعو إلى هذه التوجهات، وإن كان
البعض قد أشار إلى غياب الرابطة الدينية وظهور النزعة القومية التي غلبت على باقي
التحركات السياسية في المنطقة، فالأكراد في العراق، والموارنة في لبنان، والأقباط
في مصر، والبربر في شمال إفريقيا، والنصارى في جنوب السودان، وغيرها من الأقليات
التي تتطلع إلى حقها في تقرير المصير، وتطالب بالعدالة السياسية.
وأشار «غراهام فوللر» الخبير والمحلل السياسي بمؤسسة «RAND» إلى أن أجواء
الصراع الدولي وغياب الدور المؤثر للأمم المتحدة، وتعاظم الظلم السياسي والتنازع
المصلحي في مواقف الدول الكبرى، يجعل من الصعب التنبؤ بما ستؤول إليه الأحوال في
المنطقة، إلا أنه أضاف بأن الإسلاميين والقوميين تجمعهما قواسم مشتركة على أرضية
الوحدة العربية، ففي الوقت الذي بدأ فيه العالم بالتمزق والانفصام، يظل العالم
العربي- كاستثناء- تتحدث شعوبه عن الوحدة والاندماج.
أسباب نمو المد الأصولي
أما إيفون حداد، أستاذة التاريخ بجامعة أمهرست والخبيرة بشؤون الحركة
الإسلامية، فقد تناولت موضوع تصاعد نفوذ وشعبية الإسلاميين وعالجته- كعادتها-
باستقامة علمية Objectivity) حازت بها إعجاب
واحترام المشاركين بالمؤتمر. وقد عزت
«إيفون» ظاهرة نمو المد الأصولي إلى عدة أسباب، أهمها:
1.
الخوف المتزايد
من الإسلام في الغرب، ولا سيما في (إسرائيل) التي تتخوف من ازدياد نفوذ تيار
الإسلام السياسي، الأمر الذي يشكل تهديدًا على عملية السلام مع الأنظمة العربية
المعتدلة.
2.
ضعف الغرب
المسيحي والولايات المتحدة عن التدخل لنصرة قضايا المسلمين في البوسنة وكشمير، حيث
تتكاثر ضحايا المسلمين، الأمر الذي ساهم في تصاعد شعبية المد الإسلامي وترسيخ
القناعة لدى المسلمين بأن الغرب ليس معنيًا بشكل أو بآخر بحقوقهم المدنية أو
الإنسانية، بدليل صمته على جرائم الحرب التي ارتكبها الصرب ضد الشعب البوسني
المسلم، في حين تؤكد أمريكا استعدادها الكامل للتدخل في العراق عسكريًا في حال عدم
امتثاله لقرارات الأمم المتحدة.
3.
صمت الولايات
المتحدة على الاضطهاد وتجاوزات حقوق الإنسان ضد الإسلاميين في العالم العربي من
قبل الحكومات العلمانية، في الوقت الذي تدعي فيه أنها حامية الديمقراطية والمدافعة
عن الحقوق الإنسانية.
4.
سوء المعاملة
التي يتلقاها المسلمون في أوروبا والولايات المتحدة، بالإضافة إلى حملات التشويه
التي يشنها الإعلام الغربي ضد الإسلام وتصوير المسلمين بأنهم «دعاة عنف وإرهاب».
علاوة على التجاهل لقضاياهم السياسية والاقتصادية من ناحية، ومن ناحية
ثانية التردد والبطء في مد يد العون والمساعدة لتحريك عملية التحول الديمقراطي
وتنمية الاحتياجات الاقتصادية الملحة.
معضلة التطبيع مع الشعوب العربية
وتحدث بعد ذلك ستيف كوهين رئيس مركز السلام للشرق الأوسط وأحد
الشخصيات اليهودية النشطة، حيث تناول في محاضرته مستقبل العالم العربي بعد إحلال
السلام في الشرق الأوسط، وانتهاء حالة الحرب والعداء بين العرب و(إسرائيل)، وأشار
إلى ضرورة التطبيع لإذابة الجليد وفتح صفحة جديدة في العلاقات العربية-
الإسرائيلية، ولكنه اعترف في الوقت نفسه بأن الحكومات العربية لن تجرؤ على تطبيع
علاقاتها مع (إسرائيل)، لأن ذلك مغامرة لا تحمد عقباها، لا سيما وأن الشعوب
العربية تقف بصلابة ضد التطبيع، وقد تثور على حكامها إذا ما قام هؤلاء بإقامة علاقات
دبلوماسية مع (إسرائيل).
ديمقراطية الإسلاميين وتجارب الحكم
في الجلسة التي تناولت التهديدات القائمة في وجه الدول القطرية في
الشرق الأوسط، تعرض غراهام فوللر للقضية الكردية، وكذلك ريتشارد نورتن لقضية
الشيعة، حيث أشار بأن مشاركة الإسلاميين في العملية السياسية تجعل منهم معتدلين
وغير متطرفين، واستشهد على ذلك بقبول حزب الله المشاركة في الانتخابات البرلمانية
في لبنان وتراجعهم في الكثير فيما يتعلق بلبنان الحكومة والدولة.
ثم ألقى بعد ذلك أميل ساحلية الأستاذ بجامعة شمال تكساس في محاضرته عن
مستقبل الأردن بعد إحلال السلام في الشرق الأوسط وتزايد شعبية حركة الإخوان
المسلمين هناك، وأشار ساحلية في مداخلته إلى أن الديمقراطية في الأردن لن تكون
تهديدًا للملك حسين، حيث إن العاهل الأردني له من الخبرة في معالجة المشكلات ما
يميزه عن كثير من زعماء المنطقة من خلال استحواذه على ولاء الجيش له ولعرشه.
ثم أضاف «ساحلية» أن الديمقراطية في الأردن في بداية طريقها،
فالديمقراطية لم تزل غير كاملة، حيث الملك يتمتع بكامل الصلاحيات في الدستور، مثل
قدرته على حل البرلمان، وإعلان حالة الطوارئ، واختيار رئيس الوزراء وإقالته، وشدد
على ضرورة تقوية نفوذ البرلمان؛ بحيث يصبح في الموقع الذي يؤهله لأن يشارك الحكم
مع السلطة التنفيذية، وهذا يتطلب المزيد من الصلاحيات كي يكون هناك توافق معقول
بين السلطتين التشريعية والتنفيذية.
البحث عن القيادة والسيطرة الإقليمية
وفي الجلسة التي خصصت لموضوع «البحث عن القيادة والسيطرة الإقليمية»،
ركز المشاركون في الحوار على الدور المستقبلي لبعض دول الشرق الأوسط مثل مصر
والعراق وسوريا والسعودية وإيران وتركيا، مع استعراض تحليلي لأدوارها في الماضي
والحاضر، وكان من أبرز المشاركين في هذه الجلسة لويس كانتوري وفيب مار وجيرالد
قرين.
وفي ختام المؤتمر قدم بروس ناردللي ملخصًا لأهم الأفكار التي تناولها
الباحثون، حيث ذكر أن الإسلام كعقيدة «أيديولوجي»، والعروبة والتعاون الإقليمي
وعملية السلام هي مؤشرات مهمة لمستقبل المنطقة. وأشار بأن العروبة كانت واحدة من عدة عوامل ساعدت على توحيد الأمة
العربية، وأن الإسلام أصبح الآن يتمتع بخاصية تدفع في اتجاه تحقيقه القوة المطلوبة
لذلك. أعرب بروس عن تفاؤله بأن التعاون الاقتصادي الإقليمي في الشرق الأوسط سوف
يخدم كعنصر توحيد في المنطقة، وأن نظرية العمل من أجل البقاء التي طرحها ستيف
كوهين ستجعل من جميع دول المنطقة التطلع لتحقيق السلام فيما بينها.
تعليق وتحليل
إن اللقاءات التي تجمعها مؤسسة «RAND» بين فترة وأخرى لمناقشة المستجدات السياسية في
المناطق المختلفة من العالم بما فيها الشرق الأوسط، تهدف إلى تقديم توصيات لصناع
القرار في الإدارة الأمريكية حول ما يتوجب عمله نحو هذه المستجدات، وغالبًا ما
تكون هذه التوصيات هي من بين أهم التوجيهات والأفكار التي يأخذ بها المسؤولون عن
صناعة القرارات والسياسة الخارجية للولايات المتحدة. وتبلغ ميزانية مؤسسة «RAND» مائة مليون
دولار سنويًا ويعمل بها قرابة 1200 موظف بين باحث ومستشار وأطقم عمل مساعدة. لذلك
فإن «المجتمع» ستحرص من آن لآخر على متابعة مثل هذه المؤتمرات وما يطرح فيها؛ حتى
يتعرف المسلمون على التوجهات الغربية التي تشارك في صناعة القرار تجاه العالم
الإسلامي.
انظر أيضا:
مؤسسة راند الأميركية: هل شمس الولايات المتحدة في طور الأفول؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل