العنوان مبادئ لفهم الإسلام وجوه.. من الإعجاز في كتاب الله
الكاتب عبدالرحمن عبدالخالق
تاريخ النشر الثلاثاء 30-سبتمبر-1975
مشاهدات 19
نشر في العدد 269
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 30-سبتمبر-1975
مبادئ لفهم الإسلام
وجوه من الإعجاز في كتاب الله
بقلم الأستاذ: عبد الرحمن عبد الخالق
4- والإعجاز في القرآن: من حيث نسق اللفظ، ومن حيث معانيه وما
حوى من معجزات علمية، وكذلك سحره في النفوس، وتقويمه لعوجها، إذ ليس هناك من نفس
مؤمنة إيمانا صادقا إلا ومس شغاف قلبها نور من هذا الوحي.
قد سبق في شرح الفقرة الأولى أن القرآن
معجز تحدى الله به البشر من لدن محمد -صلى الله عليه وسلم- وإلى قيام الساعة، فما
أوجه الإعجاز في كتاب الله؟ ونستطيع أن نجعل أوجه إعجاز القرآن في الأمور الآتية:
أ- جاء القرآن من حيث البناء اللفظي على
أسلوب فريد لم تعرفه العرب في كلامها؛ فليس على نسق الشعر، وليس سجعا، ولا
رجزا، وليس نثرا مسترسلا، وإنما هو أسلوب فريد آخر. وقد أُلِّفَ من حروف العربية
التي تكلم العرب بها، واستعمل كلماتهم التي نطقوا بها، وجرى في كثير من تصاريفه
على مجاري البلاغة العربية من حيث التشبيه والاستعارة والكناية والإجمال تارة
والتفصيل تارة، وابتعد عن ضروب البلاغة الزائفة كالتهويل والتشبيهات.
وإذا كان المقصود بالكلام هو إعلام السامع
بشيء ما مع اختلاف أنواع الإعلام من التهديد والتخويف أو الترغيب والتخصيص أو مجرد
الأخبار، أو التعليم والتوجيه إلى آخره، ومقصود البلاغة هو الوصول إلى قصد المتكلم
بأحلى عبارة وأقرب وسيلة، فإن القرآن قد جمع هذا كله معجزا سائر المتكلمين
والمؤلفين أن يؤلفوا في أي غرض ما، وأن يصلوا إلى مرادهم بأسلوب مشابه لأسلوب
القرآن في بلاغته وإتقانه وإحكامه، بصرف النظر عن موضوع الكلام.
فإن الكفار لما اتهموا القرآن بأنه مفترى
مكذوب تحداهم الله بأن يفتروا مثله ويأتوا على صورته من البلاغة والإتقان، قال
تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ
مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ
صَادِقِينَ﴾ [هود: 13].
فقد تجاوز الله -سبحانه وتعالى- لهم في
التحدي أن يكون في المبنى لا في المعنى، أي فليصنعوا كلاما ككلام القرآن وإن كانت
معاني كلامهم مكذوبة مفتراة. ولم يستطيعوا هذا مع حرصهم الشديد على عداوة الرسول
وقبول هذا التحدي، وهم مع ذلك فرسان الكلام وأهله، ومعظمو أعلامه من الشعراء
والأدباء ومقيمو أسواقه في عكاظ وذي المجنة ومجنة وغيرها. فكل الدواعي كانت متوفرة
لديهم لافتراء كلام وصناعته على نسق القرآن يشهد له النقاد وخبراء البلاغة بأنه
يقارب القرآن أو يشابهه، ولقد عجزوا عن هذا عجزا كاملا، وكلام الوليد بن المغيرة
في وصف كلام القرآن وعلو شأنه معروف مشهور، فقد قال: "إن لكلامه لحلاوة، وإن
عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه، وإنه
ليحطم ما تحته".
فكلام الله تعالى باعتراف هذا النقادة
يعلو ولا يعلى عليه، ويحطم ما تحته، فلا يستطيع أسلوب آخر أن يصل إلى شيء من
مستواه لأنه كلام الله وليس كلام البشر، وقد جاء في الحديث: "فضل كلام الله
على كلام البشر كفضل الله تعالى على خلقه"، فهل هناك مناسبة ومشابهة بين
الخالق والمخلوق؟ كذلك لا مشابهة بين كلام البشر وكلام الخالق سبحانه وتعالى.
ب- المعاني التي تضمنها كلام الله -سبحانه
وتعالى- فوق إدراك البشر تحصيلها ومعرفتها بأنفسهم، فضلا عن أن يكون المتكلم بها رجلا أميا
لم يقرأ ولم يكتب.
فأسس العدل والمعاملات والأخلاق التي
تضمنها القرآن لا يستطيع البشر معرفتها بأنفسهم دون هداية من الله -تبارك وتعالى-.
وها هو التخبط العالمي في مناهج إقامة العدل في الأرض وإقامة الأسس القويمة
للأخلاق على أشده بين الشيوعية والرأسمالية والمذاهب الوجودية ومبادئ الفوضى
والانحلال والسعي وراء سراب السعادة الدنيوية، فالهداية والرحمة التي يضمنها
القرآن بتشريعاته السمحة الطيبة التي تحقق للناس جميعا الحياة الطيبة قضية من
قضايا إعجاز هذا القرآن، فلو جمعنا فلسفة الفلاسفة وحكمة الشعراء ونظريات خبراء
الاجتماع والقانون فإننا سنجد التضارب والتناقض والسعي المكدود وراء سعادة موهومة
على سطح الأرض.
وكذلك ما تضمنه هذا القرآن من تعريف بالحق
الأزلي في سبب خلق السماوات والأرض ودور الإنسان في هذا العالم، وما حولنا من
عوالم أخرى كالملائكة والجن، وما وراء ذلك من عظمة الله وكبريائه وإحاطة علمه وسعة
رحمته وحكمته، وكل ذلك بالبرهان القطعي لا بالظن والحدس الذي مارسه أهل العقائد
الوثنية والشركيات والفلسفات عبر التاريخ.
فمن أين للبشر أن يعلموا شيئا من ذلك على
الحقيقة دون هداية من الله -سبحانه وتعالى-؟ وهذا إعجاز جديد في أن موضوع القرآن
مما لا يستطيع البشر الوصول إليه بأنفسهم دون هداية الله سبحانه، حتى ولو صاغوا
ذلك بأي أسلوب غير معجز.
فهذه الوحدة والتناسق الموضوعي الكامل في
بناء عقيدة نقية واضحة وشريعة متناسقة متينة تشمل شتى فروع الحياة الإنسانية، وذلك
في الاجتماع والسياسة والاقتصاد ونظم الحكم والمعاملات بسائرها، ثم الأخلاق والمثل
العليا، والتي إذا أحيط بها علما وطبقت واقعا أنتجت بحق الإنسان الكامل والأمة
الكاملة.. لا يطيق هذا على الحقيقة، بل لا يعلم هذا ويحيط به إلا الله رب
العالمين.
ولا يفقه هذا الوجه من وجوه الإعجاز إلا
من عرف كيف تخبطت البشرية قديما، وكيف تتخبط حديثا في هذه الأمور، وكيف أن أنظمة
الحكم والسياسة ونظم الاقتصاد والاجتماع في تغير دائم وتذبذب مستمر بين الممنوع
والمشروع والمطلق والمقيد، والحق والباطل، والخير والشر، وما يحقق السعادة وما
يحقق الشقاوة.
بمجيء الإسلام بالقول الفصل والحكم الأخير
في هذه القضايا التي تتعرض الآن للتغير والتبديل لا يعني إلا الاستقرار والكمال،
وليس بعد الكمال إلا النقص. وهذا يعني أيضا أن محمدا بل ولا أي بشر ما كان ليكتب
القرآن من عند نفسه، بل البشر جميعا لا يطيقون ولن يطيقوا اختراع معانٍ للقرآن
تتضمن موضوعاته أو قريبا منها بصرف النظر عن إعجازه اللفظي البياني الذي سبق بيانه
في الفقرة (أ).
وبهذا نعلم أن القرآن معجز من حيث اللفظ
والمعنى: الصورة الخارجية وهي اللفظ، والمضمون والمحتوى وهو المعنى. فلا البشر
يستطيعون تأليف لفظ كلفظه حلاوة وبيانا وتناسقا، ولا تأليف معانيه والوصول إليها
ولو بألفاظ ركيكة وجمل غير متناسقة.
جـ- يضاف إلى الوجهين السابقين وجوه أخرى
من وجوه الإعجاز،
وهي إعجاز لا لذات القرآن ولكن بالنظر إلى أن المتكلم به هو الرسول محمد -صلى الله
عليه وسلم-، ومن ذلك:
1- إخباره بأخبار سابقة ما كان ليعلمها
لولا إخبار الله تعالى، وذلك كبدء الخلق وأخبار الأنبياء والأمم قبله، فمن أين للرسول أن يعلم
كيف خلق آدم، وكيف دعا نوح قومه وما مكثه فيهم، وشأن إبراهيم مع قومه وموسى مع
قومه وعيسى كذلك؟ والأخبار السابقة لا تصنع صناعة وإلا كانت كذبا وزورا، وقد جاء
إخبار النبي بتلك موافقا ما أنزله الله من كتابه على الأنبياء السابقين.
ولذلك لم يستطع اليهود والنصارى -وهم
الحريصون على إبطال دعوته- تكذيبه في ذلك، بل شهدوا له كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ
يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء:
197]، وأقر جميع المنصفين منهم أن ما أخبرهم به من شؤون الأمم السابقة حق وصدق
موافق لما عندهم في التوراة والإنجيل. ولذلك قال تعالى معقبا على قصة نوح في سورة
هود: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ ۖ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا
أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَٰذَا ۖ فَاصْبِرْ ۖ إِنَّ الْعَاقِبَةَ
لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود: 49]، وقال أيضا معقبا على قصة مريم: ﴿وَمَا كُنتَ
لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ
لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: 44].
وقال معقبا على قصة موسى: ﴿وَمَا كُنتَ
بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَىٰ مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ
الشَّاهِدِينَ * وَلَٰكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ
الْعُمُرُ ۚ وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ
آيَاتِنَا وَلَٰكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ
نَادَيْنَا وَلَٰكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم
مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: 44-46].
وكل هذا والرسول أمي لا يحسن قراءة ولا
كتابة، ولم يثبت أنه اجتمع مع أحد من اليهود والنصارى ليأخذ عنه هذا العلم، وما
اجتمع مع أحد منهم إلا بصحبة غيره، ولذلك قال تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن
قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًا لَّارْتَابَ
الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: 48].
فمجيء القرآن بهذه الأخبار التي لم يكن
يعلمها الرسول ولا قومه من أكبر الأدلة على أن القرآن من عند الله -سبحانه
وتعالى-، وهذا معجزة بالنظر إلى أن رجلا أميا يتكلم بأخبار السابقين دون تعلم من
أحد إلا من جبريل المنزل بالوحي، ويكون الأمر كما قال. ولم يستطع العرب أن يأتوا
برجل منهم ليتكلم هكذا من عند نفسه كما زعموا أن الرسول فعل ذلك ليقول الحق في كل
ما يقول.
2- وإتيان القرآن أيضا بأخبار مستقبلة
تأتي على النحو الذي يقع تماما ولا تتخلف في واحدة قط من أكبر الأدلة على إعجاز هذا الكلام
وأنه من عند الله لا من عند محمد -صلى الله عليه وسلم-، وهذه الأخبار كثيرة جدا
ونذكر منها على سبيل المثال:
- أولا: إخباره بسوء خاتمة أبي لهب وزوجته ووقوع الأمر كما قال؛ حيث ماتا
كافرين وظلا أعداء لدعوته حتى الموت. ويقابل هذا نهي الله رسوله عن استبعاد
الهداية لمن قاتلوه في أُحد وشجوا وجهه -صلى الله عليه وسلم- وقتلوا من قتل
من أصحابه؛ حيث قال -صلى الله عليه وسلم- بعد ذلك: "كيف يفلح قوم شجوا
وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى الله عز وجل؟"، فأنزل الله قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ
مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: 128] الآية.
وقد تاب الله -سبحانه- على طائفة كثيرة
منهم بالفعل؛ كخالد بن الوليد ورئيس الحملة أبي سفيان وزوجته هند بنت عتبة وعكرمة
بن أبي جهل وغيرهم كثيرون.
- ثانيا: إخباره في آخر سورة المزمل -وهي من أوائل السور المكية- أنه نسخ عن
المؤمنين قيام الليل؛ لأنه سيكون منهم مجاهدون في سبيل الله؛ حيث قال تعالى:
﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ
وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ ۚ وَاللَّهُ
يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ۚ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ
عَلَيْكُمْ ۖ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ ۚ عَلِمَ أَن
سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَىٰ ۙ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ
يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ ۙ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ
اللَّهِ ۖ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: 20].. الآية.
ولم يكن عند نزول القرآن هناك أي أمل يلوح
لبشر في أن دعوة الرسول سيكتب لها نجاح وهي وسط هذا الطوفان الهائل من الأعداء
لولا وعد الله -سبحانه وتعالى- بالنصر والتمكين، وشبيه بهذه الآية قوله تعالى:
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيستخْلِفَنَّهُمْ
فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ
لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ
خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور: 55].
وقد فعل -سبحانه وتعالى- كل ذلك، وكذلك
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ
لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: 33].
وقد فعل سبحانه وظهر الإسلام على كافة
الأديان؛ فدفع اليهود والنصارى والمجوس الجزية، وأكرم الله منهم من شاء بالهداية،
وأصبح الإسلام غالبا على الأديان كلها بفضل الله ورحمته.
د- ومن أوجه الإعجاز أيضا هذه الأدلة
الكونية الكثيرة
التي استدل بها الرب -سبحانه وتعالى- على وحدانيته وعظمته -جل وعلا-، والتي ما كان
للرسول محمد -صلى الله عليه وسلم- أن يعلمها لولا تعليم الله -سبحانه وتعالى-، وقد
جُمِعت في هذه الأدلة الكونية كتب كثيرة وُفِّقَ كثير من أصحابها إلى مطابقة معاني
الآيات بما أثبتته التجارب العلمية؛ كقوله تعالى عن خلق الإنسان: ﴿خَلْقًا مِّن
بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾ [الزمر: 6].
فمن أين للرسول أن يعلم هذا ولم يتعلم
التشريح؟ وقوله تعالى عن الظلمات المعنوية التي يعيش فيها الكافر: ﴿أَوْ
كَظُلُمَاتٍ فِي بحر لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن
فَوْقِهِ سَحَابٌ ۚ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ
يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور: 40].
وليست هناك ظلمة في الوجود أقوى من ظلمة
البحر إذا اجتمعت ظلمة السماء، حتى إن أحد البحارة لما سمع هذه الآية قال: إن
محمدا أعظم بحار، فقيل له: إنه لم يركب البحر، فآمن. وقوله تعالى: ﴿بَلَىٰ
قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [القيامة: 4].
وذلك في موقف التحدي بإرجاع الإنسان، وقد
تبين بعدُ أن البنان هو أعظم جزء في الإنسان دقةً في التركيب، وخطوطه في باطن
الأصبع تختلف في كل إنسان عن غيره إلى قيام الساعة، ولم يُعرَف هذا إلا قريبا.
وكقوله تعالى: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ
عَلَى اللَّيْلِ﴾ [الزمر: 5].
وقد عُلِم بعد رؤية الكرة الأرضية على ما
هي عليه أن هذا التكوير هو أصدق وصف لليل والنهار. وكقوله عن العسل: ﴿فِيهِ
شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ﴾ [النحل: 69]، وما زالت الدراسات تكتشف كل يوم جديدا فيما فيه
من شفاء للناس. وكقوله عن ماء المطر: ﴿مَاءً مُّبَارَكًا﴾ [ق: 9]، ثم تثبت
الدراسات أن البرق يلقح ماء المطر بالكربون الذي يصير الآن من أهم الأسمدة
للنبات.. إلى آيات كثيرة جدا ما كان للرسول -صلى الله عليه وسلم- أن يعلمها وحده
وهو الرجل الأمي الذي نشأ في بيئة أمية لا تدري عن هذه العلوم شيئا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل