; ما معنى التزامي..؟ | مجلة المجتمع

العنوان ما معنى التزامي..؟

الكاتب أبو معاذ

تاريخ النشر الثلاثاء 20-فبراير-1979

مشاهدات 104

نشر في العدد 433

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 20-فبراير-1979

  • الدعوة إلى الله واجبة وهي فرض في هذا الزمان على كل مسلم ومسلمة..
  • مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي أكبر مسؤولية في نظر الإسلام
  • دين الإسلام لا يقوم إلا على أساس التبليغ والدعوة ..

الناظر والمتتبع لأمر المسلمين في العالم يرى أن حالهم واحد ومختصره أنهم مستضعفون في الأرض.. لا شخصية لهم ولا كيان، مهملون، مستهان بوجودهم من قبل الشعوب الأخرى، أموالهم وعقولهم حرب ودمار عليهم من حيث لا يشعرون. فحكام المسلمين إن لم يكونوا كفرة على غير دين الإسلام، فهم- إلا من رحم ربك وقليل ما هم- أذناب وأتباع لجمعيات ماسونية صهيونية. تمتلك من الأساليب ما يمنع العضو فيها من الخروج عليها، وإلا شنت عليه حربًا معنوية وغير معنوية من قبل قطيع الغنم الآخرين، أو هددته ..

وإن هذه الحال ناتجة -بلا شك- عن تنحية الإسلام عن واقع حياة المسلمين، فقد اكتفوا به مادة نظرية تقرأ في الكتب، وإن طبقت طبقت جوفاء فارغة لا معنى لها ولا مفهوم 

مشروعية الدعوة إلى الله أن السبيل الوحيد للتخلص من هذا الواقع الأليم الذي يعيشه المسلمون في العالم عامة، والذي تبدو ملامحه واضحة في فلسطين ولبنان واليمن الجنوبي والهند وإرتريا والفلبين وتايلاند وغيرها كثير، هذا السبيل هو إعادة المسلمين إلى الإسلام كمفهوم حركي وواقع عملي، ونحن في هذا لا نبتدع طريقًا أونقترح أمرًا بلا سند شرعي، فإعادة المسلمين إلى الإسلام طريقة الدعوة إلى الله، تلك الدعوة التي أمر الله بها رسله جميعًا ومن سار على دربهم وارتضى لنفسه الإسلام، يقول الله تعالى :﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: 125) ويقول: ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (يوسف: 108) وفي موضع آخر: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ  وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: 104) و: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران: 110) ويخاطب رسوله بقوله: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (الشعراء: 214).

هذه الآيات وغيرها مما سنتعرض له هنا صريحة في توجيه الأوامر من رب العزة تعالى إلى عباده بالدعوة إلى الله وحمل لوائها انطلاقًا من إيمانهم بألوهيته وربوبيته، الأمر الذي يستوجب طاعة أوامره بلا تردد أو تكاسل. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إلى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (النور: 51)

ويقول: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (الأحزاب: 36)

إن التخاذل عن القيام بهذا الواجب معناه انحدار حالهم ومصيرهم إلى الأسوأ كما يتضح من حديث المصطفى عليه الصلاة والسلام «لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على أيدي المسيء ولتأطرنه على الحق أطرًا أو ليضربن الله بعضكم ببعض ويلعنكم كما لعنهم» يعنىبذلك اليهود الذين «كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون».

وواضح من قوله تعالى :﴿قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا إلا بَلَاغًا مِّنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ (الجن: 23- 24).

واضح من هذه الآية أنه لا سبيل إلى النجاة من النار الملتهبة المسعرة إلا الدعوة إلى الله، وتبليغها إلى الناس، ومفهوم الدعوة الإسلامية هو القضاء على شتى الأوضاع والمفاهيم الجاهلية سواء من الناحية العقائدية أو السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو غيرها، فهي إذن انقلاب على كافة الأحكام الجاهلية «غير الإسلامية» واستبدالها بأحكام نورانية ربانية من السماء، وهي واجبة في هذا العصر على كل مسلم ومسلمة كما هو مبين في قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ  يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ أن اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة: 71)

ويؤكد الشيخ محمود شلتوت - رحمه الله- على هذا الموضوع بقوله :«إن مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي أكبر مسؤولية في نظر الإسلام وقد سوى الإسلام فيها بصريح هذه الآيات بين الرجل والمرأة، وإذن فليس من الإسلام أن تكف المرأة عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اعتمادًا على ظن ووهم أنه خاص بالرجال دون النساء، وليس من الإسلام أن تلقى المرأة حظها من تلك المسؤولية على الرجل، بحجة أنه أقدر منها، أو أنها ذات طابع لا يسمح لها أن تقوم بهذا الواجب، فالرجل دائرته وللمرأة دائرتها، ولا تستقيم الحياة إلا بتكاتف النوعين في ما ينهض بأمتهما، فإن تخاذلا أو تخاذل أحدهما انحرفت الحياة الجادة عن سبيلها المستقيم. فليعلم ذلك نساؤنا وليفقهن حكم الله فيهن».

إذن فالدعوة إلى الله واجبة، وهي فرض عين في هذا الزمان على كل مسلم ومسلمة. ولكن لابد للداعية رجلًا كان أم امرأة- أن يفهم الإسلام ويدرسه وهو يدعو الناس. حتى يعرف إلى ماذا يدعو، وكيف يدعو، ولست في الدعوة إلى هذا مبتدعًا فأصحاب رسول الله درسوا الإسلام ثم انطلقوا إلى يثرب واليمن وغيرهما، ولكني أحذر هنا من ينتظرون وقتًا طويلًا بحجة التزود بعلوم الشريعة والدراسة الإسلامية. وبحجة أنهم لم يصلوا إلى مستوى الدعاة، متخذين من ذلك عذرًا لجمودهم، فرسول الله يؤكد على هذا بقوله «بلغوا عني ولو آية» ويقول «من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار».

وأحذر هنا ممن تنتابهم أمراض الكسل فيزرعون اليأس والهزيمة المعنوية في نفوس الآخرين، في هذا الوقت الذي نحن أحوج ما نكون فيه لأمثال معاذ ابن جبل الذي نفذ أمر قائده ورحل إلى اليمن، والى جعفر ابن أبي طالب الذي هاجر إلى الحبشة.. هؤلاء الذين أطاعوا الأوامر من غير كسل أو تردد، مرددین قول المصطفى- عليه الصلاة والسلام: «اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن وأعوذ بك من العجز والكسل».

وإنني أخشى أن يكون الكسل بداية للخروج عن جماعة المسلمين ورسول اللهيقول: «من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلا أن يراجع» كما ويطيب لي في هذا المقام أن أؤكد أن عـلـى الداعية المسلم أن يثبت صدق ما يدعو إليه بتمثيله سلوكًا عمليًّا- بعيدًا عن التكلف- في حياته وأخص معاملاته فالدعوة إلي الله ليست مقالات أو خطبًا أو محاضرات، بل هي قبل ذلك سلوك عملي فكم من الناس اعتنقوا الإسلام لسماحة أهله، وحسن أخلاقهم، وطيب معاملاتهم و في الجانب الآخر فإن هناك أناسًا أسلموا في بلاد أوروبا وارتدوا عنالإسلام في بلاد العرب .

طبيعة الدعوة

من الناحية الشرعية فإن عبء الدعوة إلى الله يجب أن تنهض به جماعة، ذلك أن الله عز وجل يقول: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ﴾ الآية (آل عمران: 104) أي ولتكن منكم جماعة. وكذلك في قوله: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ الآية (آل عمران: 110) بمعنى خير جماعة وفي قوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إلى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (فصلت: 33) وفي سورة العصر ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (العصر:1-3) كما ورد في فاتحة الكتاب قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (الفاتحة: 5) وليس إياك أعبد وإياك أستعين وكذا بقية السورة. والقرآن بأقواله :«يا أيها الذين آمنوا.. قل للمؤمنين.. أولئك هم المفلحون.. والفائزون.. أولئك سيرحمهم الله». إلي غير ذلك لدليل واضح على مخاطبة المسلمين كجماعة لا كأفراد.

وقد ورد في السنة المطهرة ما يدلل على ذلك بقوله -صلى الله عليه وسلم-: «يد الله على الجماعة ومن شذ شذ في النار» وقوله «من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلا أن يراجع» ويقول «إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية».

ولا بد للجماعة هذه من أن تكون ذات طابع تنظيمي يعمل على تنسيق الأمور بين أفرادها كما لابد أن يكون لهذه الجماعة أمير، ومجلس للشورى، وغير ذلك من متطلبات العمل التنظيمي. فرسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :«إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم» ويقول: «من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية».

ومفهوم الإمارة والعمل التنظيمي يتطلب طاعة الأمير في المكره و المنشط في اليسر والعسر، شبابًا كنا أم شيبًا ولنا في أبي طلحة. الذي قال عندما قرأ قوله تعالى: ﴿انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ أن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (التوبة: 41) وقال وقد علا الشيب رأسه «أرى ربنا استنفرنا شيوخًا وشبانًا جهزوني يا بني» لمثل يحتذى.

هذه مشروعية العمل الجماعي من الناحية الشرعية وهي الأساس الذي ترتكز عليه دائمًا،أما من الناحية التنظيمية فلا بد من مواجهة التيارات المعادية للإسلام -كتنظيمات وجماعات ودول من تنظيم يكون على الأقل- على نفس المستوى من حيث التخطيط وسعة الأفق فلا بد من مواجهة التنظيم بالتنظيم. والتخطيط بالتخطيط والعلم بالعلم. وأما أن يواجه التنظيم الكافر شيوعيًّا كان أم ماسونيًّا أو بعثيًّا أو نصرانيًّا أو غير ذلك بالعمل الفردي، فإن هذا يعني عين الغباء، والنتيجة واضحة لكل أبله وعاقل، وهي كما هو حالنا اليوم، والذي يؤول إلى الأسوأ يومًا بعد آخر .

هذا وقد اتضح للعاملين للإسلام عدم استطاعة العمل الفردي القيام بالواجب المرجو ذلك أنه تضييع وبعثرة للجهود والقوى الإسلامية. التي من الأولى أن تتحد. ورحم الله الشهيد سيد قطب إذ يوضح ذلك من المعالم بقوله «ومن أجل أن الجاهلية لا تتمثل في «نظرية» مجردة ولكن تتمثل في تجمع حركي على هذا النحو فإن محاولة إلغاء هذه الجاهلية ورد الناس إلى الله مرة أخرى لا يجوز ولا يجدي شيئًا- أن تتمثل في «نظرية» مجردة فإنها حينئذ لا تكون مكافئة للجاهلية القائمة فعلًا، والمتمثلة في تجمع حركي عضوي فضلا على أن تكون متفوقة عليها كما هو المطلوب في حالة إلغاء وجود قائم بالفعل لإقامة وجود آخر يخالفه مخالفة أساسية في طبيعته ومنهجه وفي كلياته وجزئياته، بل لابد لهذه المحاولة الجديدة من أن تتمثل في تجمع عضوي حركي أقوى في قواعده النظرية والتنظيمية وفي روابطه وعلاقاته من ذلك المجتمع الجاهلي القائم فعلًا».

وأود أن أوضح هنا شعارًا طرحته على الساحة الاتجاهات الساقطة للحد من النشاط الإسلامي وهو القائل «لا حزبية في الإسلام» قاصدين بذلك أنه لا جماعات أو أحزاب يقرها الإسلام حتى ولو كانت تدعو إلى تطبيقه !!

الحزب في اللغة بمعنى الجماعة وقد أثنى الله عز وجل على حزبه العاملين بطاعته بقوله تعالى: ﴿أَلَا إن حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (المجادلة: 22)

أي جماعة الله التي تدعو لدينه، وكل من يدعو إلى الله تحت أي اسم كان فهوداعيه له منا كل تقدير واحترام ما دام يدعو إلى تطبيق الإسلام ضمن النهج الواضح الذي سار عليه قدوتنا محمد عليه السلام .

وقبل أن أنتقل إلى فقرة اخرى أود أن أذكر الأخوة المنتظمين في حركات إسلامية أن حمل اسم هذه الحركة والانتظام تحت لوائحها لا يعني أن ذلك سيضمن لك الجنة، أن الذي يؤهلك لأن تكون من أصحاب النعيم إن شاء الله -هو عملك بشريعه الله وسنة رسوله ومن ضمن ذلك نشاطك في الدعوة بين الناس أما الخمول والراحة والكسل فإن هذا يعني مخالفتك لأمر الله فيما أمر .

سنة الله في الدعوات

طريق الدعوة إلى الله ليس محفوفًا بالورود والأزهار إنه طريق شائك مليء بالعقبات والعثرات ذلك أن طريق الجنة حفت بالمكاره.

والداعية في بداية دعوته يواجه هذه المصاعب من الأهل والأصدقاء كما قد يفشل في استجابة الناس له في البداية، وهذا أمر متوقع، ولكن عليه أن لا ييأس لما يواجهه من فشل، متطلعًا إلى قوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾ (الضحي: 5) وعليه أن يكون شديد الثقة، بأن وعد الله للمؤمنين بالنصر كائن، وقد لا يكون قريبًا زمنيًا، ولكن لا بد ممن يقوم ببناء اللبنات الأولى والعناصرالشابة.

إن طريق العمل للإسلام مليء بالمصاعب والمشاكل وهذه سنة الله في أنبيائه ومن سار على نهجهم فعن نوح عليه السلام: ﴿فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ (هود: 27).

﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ﴾ (هود: 38).

وهود عليه السلام ﴿إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ (هود: 54). 

وإبراهيم عليه السلام ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ﴾ (الأنبياء:68)

﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ﴾ (الأنبياء:70)

وشعيب ﴿قَالُواْ يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ (هود: 91).

ويوسف ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ (يوسف:35)

ومحمد عليه السلام: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاؤُوا ظُلْمًا وَزُورًا، وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلا﴾ (الفرقان: 4-5)

ومع كل ما عانوه فلم يعرفوا طريقًا لليأس يوقف دعوتهم هذه، فيوسف عليه السلام يقول وهو في السجن ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: 39-40).

لقد لقيت دعوة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حربًا شنيعة فها هو أبو بكر يغمى عليه من شدة الضرب ومع ذلك لم يكف عن نصرة محمد عليه السلام، وكذلك بلال وعمار وغيرهم يرددون والسياط تأكل من جلودهم –أحدأحد .

كما وأعلنت عليهم حرب اقتصادية اجتماعية في شعاب مكة لثلاث سنوات واستنفرت أجهزة الإعلام بوسائلها المختلفة آنذاك فأعلنتها حربًا إعلامية واسعة النطاق على دعوة الله، فما أن يفرغ الرسول الكريم من دعوة وفود بعض القبائل القادمة إلى مكة حتى تلتقي بهم قريش وتسفه رأيه وتردهم عن نصرته حتى وصلت هذه الحرب إلى الحبشة إبان الهجرة إليها. وأخيرًا جاءت مؤامرة قتله بأسلوب شيطاني خبيث حتى لا تطالب عشيرته القبائل بدمه .

وعلى مدار التاريخ الإسلامي يضرب الدعاة إلى الإسلام أروع الأمثلة في تحدي الطغيان، وهم غير نادمين على سيرهم في هذا الطريق... طريق الأنبياء والصالحين. ومن أولئك الذين نحسبهم عند الله ممن نذروا أنفسهم لدعوته، سعيد بن جبير والعز بن عبد السلام والإمام السرخسي، والأئمة الأربعة، وحسن البنا، وسيد قطب، والمودودي والندوي، وعبد القادر عودة، وزينب الغزالي، ومروان حديد.

إن هؤلاء القوم لا بد من ذكرهم في هذا المقام فأعمالهم تشهد بعملهم للإسلام، دينًا ودولة.. قيادة وجندية.. سياسية واقتصادًا واجتماعًا.. دينًا شاملًا لا يمكن انتزاع أي ناحية من نواحيه.

لقد كان هؤلاء يتدبرون قوله تعالى بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿ألم، أَحَسِبَ النَّاسُ أن يُتْرَكُوا أن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ  فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أن يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ أن اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (العنكبوت: 1-7)

وكانوا يتدبرون قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِن جَاءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ (العنكبوت: 10-11)

لقد كان هؤلاء واثقين مطمئنين فالله يقول: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إلا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا  وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (التوبة: 51). ويقول: ﴿وَمَا لَنَا ألا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَىٰ مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (إبراهيم: 12)

كانوا يعلمون حقًّا أن ما أصابهم لم يكن ليخطئهم، وأن ما أخطأهم لم يكن ليصيبهم، وأن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوهم بشيء لم ينفعوهم إلا بشيء قد كتبه الله لهم، ولو اجتمعوا على أن يضروهم بشيء لم يضروهم إلا بشيء قد كتبه الله عليهم.

هذه النماذج الطيبة التي تسترخص دماءها الطاهرة الزكية نود أن تعود إلينا لتبعث الأمل في إيقاظ الأمة من غفلتها وإن الأمل الكبير في الشباب المؤمن الواعي الذي بدأ شعاعه يطل علينا من مناطق العالم الإسلامي ليعيد لنا تاريخ بلال وربيعة بن عامر وصلاح الدين وإن إعادة تلك الأمجاد ليست عنا ببعيدة ما دام القرآن دستورنا والجهاد سبيلنا والموت في سبيل الله أسمى أمانينا.

نسال الله الثبات وأن يوضح لنا الطريق القويم ويهدينا إلى السواء.

الرابط المختصر :