العنوان ما لهذه الصيحة في مصر!
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 18-أكتوبر-1977
مشاهدات 86
نشر في العدد 371
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 18-أكتوبر-1977
الشعوب اليوم تستشرف لكلمة الحرية، وتتغنى بكلمة الديموقراطية! وهي نشيد تذوقت الأمم حلاوته إذ أخذت تمارس أنظمة من الحكم حلت محل الاستبداد والطغيان والجور.
وأنا كمسلم لا أعتقد أن الديموقراطية- وهي حكم الشعب بالشعب- يمكن أن ترقى بالإنسان إلى مستوى العدل والحق المطلوب، ولكنه الإنسان يحارب شريعة الله بدعوة التحرير ويدخل في عبودية الإنسان باسم التحرر، يكفر هذا الإنسان بألوهية الله ليؤمن بألوهية أخيه الإنسان أو غيره من الأوثان والطاغوت.
ولما بدأ هذا الإنسان يشرع لنفسه فيستحسن ما يراه هو حسنًا ويستتبح ما يراه هو قبيحًا وجد أن القلة يجب أن تخضع للكثرة.
وأصبحت هذه الظاهرة من الحقائق لدى هؤلاء- على اختلاف دياناتهم وعقائدهم- فروسيا الشيوعية أو أمريكا الرأسمالية تدعيان بأنهما تمارسان الديموقراطية.
هذه صيحة العالم وتقليعة الزمن!
لا نستغرب أن يخضع الذاهب إلى ألمانيا إلى قانون البلد الذي هو فيه، ولو تحول به المقام إلى فرنسا لوجدته يخضع القانون الفرنسي عن قناعة واطمئنان. بل إن الأعداد الهائلة من المسلمين في ألمانيا أو فرنسا إذا ما أرادوا أن يقيموا مسجدًا وجدوا العقبة تلو العقبة وليس هذا غريبًا لأن كلتا البلدين تدين بالمسيحية، وأهلها مسيحيون وما سمعنا أن اليهود البالغ عددهم في أمريكا ستة ملايين طالبوا أن تكون أمريكا في قوانينها موافقة لدينهم كما في فلسطين المحتلة.
أن ضجة الأقباط في مصر اليوم- هي صيحة مفتعلة تنفخ فيها وسائل الإعلام المحلية والعالمية، هذه الصيحة لها علاقة بزيارة البابا شنودة للولايات المتحدة، ونحن نشك في المساعدات الأمريكية المقدمة إلى المنطقة أن تكون غير مشروطة بإماتة الإسلام، وأن شنودة له أهميته السياسية لدى القوم كأهمية الاستقبال الذي لقيه في أمريكا.
لقد قرر الفقه الإسلامي علاقة المواطنة ووضحها توضيحًا لا لبس فيه. ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهٌ﴾ (المائدة:49) وهذه خطوط قرآنية واضحة في شأن غير المسلمين أن يحكموا بالقانون الإسلامي. وقد بينت سنة النبي- صلى الله عليه وسلم- أن أهل الكتاب قد يعفون من بعض الأحكام الإسلامية في أمورهم الخاصة بعقيدتهم كالأنكحة لأن هذه الخصوصيات ذات صلة بالعقيدة. والله قرر أن ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ ﴾ (البقرة:256)
إن خضوع المسلم وغير المسلم لقانون البلد الإسلامي من مسلمات الأقوال ما دام غير المسلمين يقيمون في ديار الإسلام.
لما بدأ التخطيط يأخذ مجراه في المنطقة لعزلها عن الإسلام وتقسيمها إلى ممالك ودويلات جعل من وجود الأقليات غير المسلمة رأس حربة يتذرع بها أعداء الله كلما علا صوت بالإسلام.
لقد فزع نصارى لبنان عام ١٩٥٨ من الوحدة بين مصر وسوريا وأصبح كل داعية للوحدة عدوًا للمسيحيين في لبنان وإن كانت تلك الوحدة لا تنص في دستورها على إسلامية الدولة.
أكدت هذه الظاهرة أن النصارى في لبنان كانوا يخشون وحدة البلاد الإسلامية، وجاءت هذه الخشية تدليلًا على الحرب الصليبية الكامنة التي لا تنطفئ جذوتها في صدور القوم.
وعام ١٩٦٣ في شهر أبريل انبثق ميثاق الوحدة بين مصر وسوريا والعراق ونص على إسلامية الدستور فضج فيمن ضج كتاب نصارى وغیر نصارى من الممالئين للفكر الكافر شيوعية أو رأسمالية.
فمثلًا صاح سهيل إدريس صاحب مجلة الآداب قائلًا: سنخسر نصارى لبنان بدعوى إسلامية الدولة! والعجيب أنهم هم الذين بدأوا لنا دعوة القومية كما أشار إلى ذلك كتاب القومية ومؤرخوها. فالتخطيط يريد إخفات صوت الإسلام بدعوى أنه طائفية.
أما أن يصبح النصراني بنصرانيته فهذا منطق وثقافة وتقدمية في عام ١٩٦٥ أو قريبًا من ذلك طلعت علينا مجلة العربي بإحصائية للملل في الكويت ذكرت فيها أن نسبة المسيحيين 1 بالمائة من مجموع سكان الكويت. وهذه نسبة جاءت أخت الزور والزيف.
ولكن أحمد زكي- رحمه الله- أراد أن يجعل للنصارى في الكويت حجة تقر لهم حقوق التبشير والأنشطة الأخرى بدعوى الأقلية.
ونحن نعرف أن الكويت فيها عائلتان أو ثلاث من النصارى، الذين وفدوا إليها وحصلوا على المواطنية، فهل هذه هي نسبة ال 1 بالمائة.
نحن نعلم من أحداث لبنان وقبرص من قبل أن نصارى العالم يتحدون في مواجهة الإسلام وهم بهذا يلتقون مع اليهود في الكيد للإسلام.
إن ميرزا ومشتقات ميرزا في الكويت مثلًا لا تقيم فيها لتحقيق المنافع المشروعة المتبادلة ولكن إيفاء بالرسالة التي تحملها على عاتقها المؤسسات التبشيرية.
ما هذه الصيحة في مصر؟ الأقباط نسبة قليلة ما علمنا أنهم وقعوا يومًا تحت اضطهاد ديني واجتماعي، بل كل ما وجدناه أن السلطان في مصر كان يخنق كل صوت مسلم، بل إن المسلم حرم عليه أن يتنفس الهواء في مصر بدعوى أنه ليس له الحق في ذلك سجن المسلم، عذب المسلم، هتك عرض المسلم بدعوى أنه مسلم والجلاد اسمه مسلم.
هل رأينا قبطيًّا إلا وهو يرقى كل أسباب السيادة والاحترام في مصر، وإن عبث بفكر الأمة وتراث الأمة كسلامة موسى ولويس عوض، بل وجدنا الذين تصدوا في الرد على هؤلاء يقادون إلى السجن كمحمود شاكر.
أين هو الحق المنقوص أتراه في حياة القبطي أم المسلم الذي مضى عليه ما يربو على النصف قرن وهو شر مكانًا من أي عبد يمارس العبودية في عصور الظلم والاضطهاد.
إن مصر بلد مسلم فإن دعا الناس فيه إلى تطبيق الإسلام فإنها هي من مطالب التسعين أو الثمانين أو السبعين بالمائة من سكان مصر، وما علمنا الحدود في الإسلام إلا أنها عقوبات قانونية جاء بها الإسلام وإن كان القانون الوضعي رأى سجن السارق وقد شجع تشريعاته الاجتماعية والقانونية على نمو السرقة وتعقيد أساليبها، وهذا شرع الإنسان للإنسان فإن شريعة الله قررت قطع يد السارق لعلم الله بصلاحية هذا القانون لبناء المجتمع والحياة الإنسانية.
وكذلك الزنا والقذف وكل القوانين التي جاء بها الإسلام، ليست لها طبيعة أن تطبق على طائفة من الناس دون طائفة لأن هذا ليس له نظير في تاريخ البشرية إلا عند من يريد خرق السفينة ليستقي الماء.
أيها المسلمون ليس هذا الكلام إلا بيانًا لما لنا وما علينا ﴿لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (الممتحنه:8)
نحن ندعو إلى القانون الذي انتصر للقبطي في مصر لما ضربه مسلم أمير، فقرر عمر أن يضرب القبطي ابن الأمير المسلم اقتصاصًا وهو يقول للقبطي «اضرب بها- الدرة- ابن الأكرمين ».
ماضركم أيها المسيحيون أن تستظلوا بقانون الإسلام وهو الذي احتميتم برحابه يوم ظلمكم الرومان؟ عودة إلى التاريخ والعدل والإنصاف، ولا تكونوا أنامل أعداء هذه البلاد تعبثون فيها فإن قيل لكم لا تفسدوا في الأرض قلتم طائفية!