العنوان ما لم يقله نائب الرئيس
الكاتب منير الغضبان
تاريخ النشر السبت 01-فبراير-2003
مشاهدات 84
نشر في العدد 1537
نشر في الصفحة 34
السبت 01-فبراير-2003
دستور حزب البعث لم ترد فيه كلمة الدين أو الإسلام ولا لفظ الجلالة، ألا يدل ذلك على أن «البعث» هو الذي لم يستوعب دور الدين في حياة الشعوب، وخالف قول مؤسسه عفلق إن الأمة العربية جسد روحه الإسلام؟
البعث يرفض قيام حزب إسلامي حتى لا يطالب النصارى بحزب لهم، لكنه هو نفسه حزب قومي عربي يقصي الأكراد السوريين!
في الحلقات التي تنشرها «الحياة» من كتاب جديد لنائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام تعرف «الحياة» بالكتاب قائلة: «يصدر قريبًا في عنوان: النظام العربي المعاصر.. قراءة للواقع واستشفاف للمستقبل، وهو يتناول الوعي القومي العربي في بواكيره الأولى وتطوراته، ويناقش مدى تقدير القوميين لوضع الأقليات ولموقع الدين الإسلامي من العروبة، ويتناول النظام العربي الراهن كما يتجسد في جامعة الدول العربية، ويتابع الوضع العربي في مرحلة الحرب الباردة وآفاق المشروع العربي في أيامنا المعاصرة، كما يشرح المشروع الصهيوني وموقف العرب منه.
وسنقف مع الحلقة الأولى (۱٦/۱/۲۰۰۳) التي عنونت لها الحياة بـ «الوعي القومي يتراجع، والتباس في علاقة العروبة بالإسلام وشبه خيبة من جامعة الدول العربية».
يتساءل نائب الرئيس: أليس مؤلمًا أن يكون الوعي القومي في عقد الثلاثينيات من القرن العشرين، الذي كانت ظروفه أكثر صعوبة بسبب الاستعمار والجهل والتخلف والفقر، أكثر وضوحًا واتزانًا مما نحن عليه الآن؟ ونقول: نعم إنه مؤلم حقًّا. ثم راح يحدثنا عن أمراض الحركات القومية الأولى التي عجزت عن أن تحقق اليقظة الكاملة، حيث لخصها في خمسة أمراض:
كانت حركة ثقافية أكثر منها سياسية.
لم تأخذ متطلبات الواقع.
لم تأخذ المبادرة لقيادة النضال الشعبي.
لم تدرس الواقع الإثني في الوطن العربي الذي يتميز بوجود أقليات قومية لا تتكلم العربية.
لم تستوعب دور الدين في حياة الشعوب.
وأقول سلفًا: إن نائب الرئيس لم يزعم أن حزب البعث الحاكم في سورية تجاوز هذه الأمراض، وهذا نحمده له، ولكن لماذا لم يقل عن «البعث» في هذا المضمار إلا كلامًا هلاميًّا -سوف نقف عنده فيما بعد- وهو اليوم على رأس الهرم؟ لقد كانت معالجة «البعث» للواقع الإثني، وخاصة الأكراد في سورية من أسوأ المعالجات.
يتساءل الدكتور هوازن قاسو بصدد حديثه عن الأكراد: «هناك شعب ذو ثقافة ولغة وعادات وفلكلور وحضارة، يعيش على هذه الأرض منذ آلاف السنين، وإنهم ليسوا دخلاء أو ضيوفًا أو غيرها من مفردات عفى عليها الزمن، فكل من يرفع مصطلح كردستان سورية فهو كردي سوري بمعنى دخل طواعية تحت لواء الدولة السورية.
لماذا تحجب التنظيمات والمثقفون السوريون حقيقتين: إحداهما تاريخية والثانية جغرافية، مصطلح كردستان سورية واسم أول تنظيم كردي في سورية في١٤حزيران - يونيو ١٩٥٧م تحت اسم الحزب الديمقراطي الكردستاني في سورية؟ حيث طرحت هذه المصطلحات في بدايات العمل السياسي الكردي في سورية وتم وأدها ودفنها إلى الأبد تحت ضغوط وغايات هنا وهناك، ومحاربة كل الذين ينشرون هذين المصطلحين بشتى الوسائل المتاحة والمتوافرة لديهم ونعتهم وتسميتهم بألقاب تزكم الأنوف: عميل، قلم مأجور مدسوس» (أخبار الشرق ٥/١٢/۲۰۰٢م).
ويتحدث نوري بريمو عن الشباب الأكراد بقوله: هم بطبيعة الحال الشريحة الأكثر عرضة للهجرة والتشرد في كل بقاع الدنيا، جراء تعرضهم -إضافة إلى الصعوبات العامة في البلد- لمختلف مظاهر التمييز القومي التي تؤدي إلى إحساس الشعب الكردي بالغربة والغبن والحرمان، ولشعوره بأنه مواطن من الدرجة الثانية أو الثالثة خاصة إذا ما علمنا أن مسلسلات فصل العمال والطلاب الكرد من المعامل والمدارس وكل المؤسسات والمدارس الرسمية متلاحقة ومستمرة، فضلًا عن اصطدام أبناء الكرد بشكل دائم بالتفرقة والمحسوبيات بمقولة: «خطر على أمن الدولة» المجحفة التي تلاحقهم أينما توجهوا «أخبار الشرق 29/12/2002م».
ونود من إخواننا الأكراد أن يضيفوا إلى تعبير الشعب الكردي قولهم: الشعب الكردي السوري، ليؤكد ذلك التحام أبناء الأمة في شعب واحد كما يقول العربي: الشعب العربي السوري، وقطعًا لدابر التفرقة العرقية.
التعريب العلماني
ويكفي أن نشير إلى أن أخطر ظاهرة من ظواهر هذا التمييز لا يشبهها إلا ظاهرة التتريك في آخر العهد العثماني، وهي ظاهرة التعريب العلماني، فالإسلام -القاسم المشترك الأعظم بين العرب والأكراد في سورية- لم يكن من منهج الحزب الذي يريد أن يتحول الأكراد إلى عرب علمانيين كما هي هوية الحزب، وانتهى الأمر بحوالي مائة وثمانين ألفًا من الأكراد لأن يصبحوا بلا جنسية كما ذكرت الصحف، وأُعطي صلاح الدين الأيوبي -رحمه الله- جنسية عربية، ونزعت عنه جنسيته الكردية، وصدق خدام حين قال: «لم تدرس تلك التشكيلات القومية الواقع الإثني في الوطن العربي الذي يتميز بوجود أقليات قومية لا تتكلم العربية.. واستمرت التنظيمات القومية العربية الأخرى ومنها البعث العربي الاشتراكي بعد عقد الأربعينيات في تجاهل هذا الوضع».
وماذا عن موقف «البعث» من الدين؟
يقول خدام عن خامس أخطاء الحركات القومية الأولى: «لم تستوعب تلك التشكيلات القومية دور الدين في حياة الشعوب متأثرة بمفاهيم النهضة القومية في أوروبا من جهة، وبقراءة خاطئة للدين والتراث والتاريخ، وبمفاهيم وسلوك بعض رجال الدين أو بعض التنظيمات الدينية من جهة أخرى. كان يجب التمييز بين الدين وما يحمله من قيم وبين التعصب الناتج عن انغلاق العقل ونقص الوعي الديني، وفقدان التوازن والجهل بإدراك حقائق الحياة. إذا كانت بعض القوى السياسية العربية استخدمت الدين لأغراض سياسية، وإن كانت بعض القوى الدولية لجأت إلى الأسلوب ذاته، فإن ما يعاب على القوى القومية ردة فعلها التي أظهرتها وكأن صراعها ضد الدين وليس ضد الذين أساءوا استخدامه، وتجاهلت أن الأمة العربية جسد روحه الدين الإسلامي كما عبر عن ذلك ميشيل عفلق أحد مؤسسي حزب البعث».
إن ما لم يقله نائب الرئيس خدام هو أن حزب البعث العربي الاشتراكي هو الذي لم يستوعب دور الدين في حياة الشعوب، وهو الذي مثل ردة الفعل ضد الدين وليس ضد الذين أساءوا استخدامه.
صحيح أن عفلق أحد مؤسسي الحزب نقلت عنه هذه الكلمة في خطبة قبل تأسيس الحزب، لكن دستور حزب البعث الذي مثل مبادئ الحزب لم يقل كلمة واحدة عن الدين والدستور بين يدينا نتحدى إن كانت فيه كلمة الدين أو الإسلام أو المسيحية، بل نتحدى بأكثر من ذلك إذا كان في الدستور كله كلمة «الله»، ولو تبنى الحزب ما قاله عفلق ذات يوم لكان الأحرى أن يكون الإسلام هو الرسالة الخالدة التي تمثل الشعار الذي تبحُّ به أصوات البعثيين صباح مساء «أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة». لقد خاف الحزب من ذكر كلمة «الإسلام» حيث يجب أن تذكر، فلم يذكرها قط في حديثه عن رسالة الأمة العربية. وخاف من ذكر كلمة «الدين» عمومًا حيث يجب أن تذكر واستعاض عنها بقوله: حرية الكلام والاجتماع والاعتقاد والفن مقدسة لا يمكن لأي سلطة أن تنتقصها.
لقد نشأ الحزب علمانيًّا وظل على علمانيته قرابة ستين عامًا، وقد يذكر في مجال النقد في مرحلة العنف الثوري والمنطلقات النظرية فيما بعد حين يدعو إلى تربية المواطن تربية اشتراكية علمية تعتقه من كافة الأطر والتقاليد الاجتماعية الموروثة والمتأخرة، لكي يمكن خلق إنسان عربي جديد بعقل علمي منفتح ويتمتع بأخلاق اشتراكية جديدة، ويؤمن بقيم جماعية «المنطلقات النظرية الاشتراكية ص ٦٧».
ونص صراحة على علمانية الحزب في التوصية الرابعة في المؤتمر القومي الرابع عام ١٩٦٢م: «علمانية الحزب خاصة في الأقطار التي تشوه فيها الطائفية العمل السياسي».
فقد كان الحزب تمامًا كما قال خدام عن الحركات والقوى السياسية: «فإن ما يعاب على القوى القومية ردة فعلها التي أظهرتها وكأن صراعها ضد الدين وليس ضد الذين أساءوا استخدامه». وكان موقف نائب الرئيس الهلامي حين أوهم الناس أن الحزب بريء من هذه النقيصة لأن ميشيل عفلق أحد مؤسسي الحزب قال ذات يوم في خطبة له: الأمة العربية جسد روحه الإسلام.
لكننا نشهد لنائب الرئيس أنه لم يقل ولكنه فعل، فقد قاد حركة التطوير الحزبي في مطلع الألفية الثالثة، وأدخل هذه الأفكار على الدين عامة والإسلام خاصة في فكر الحزب، وأصبحت جزءًا لا يتجزأ منه في فقرة مستقلة هي الموقف من الدين، ومن أهم ما قاله فيه: «الأرض العربية تتميز عن غيرها بأنها مهد الرسالات السماوية والديانات، والأمة العربية تتميز في أنها كانت حاضنة هذه الديانات وحاملة لوائها وناشرة قيمها، ويظهر التمازج الحقيقي بين العرب والأديان في أبهى صوره عبر الدين الإسلامي الذي أكد بوضوح أهمية القيم التي آمن بها العرب عبر تطورهم التاريخي. وهذه القيم حملتها كل الديانات إلا أن الإسلام حولها إلى قوة حركت الأمة العربية ووحدتها وحرضت طاقاتها الحضارية وجعلتها واحدة من إحدى أهم الأمم وأكثرها شأنًا عبر عصور متتالية.
إن مشروع النهضة العربية يؤكد التواصل بين الأصالة والتحديث بين التراث ومتطلبات العصر، وهذا يشمل أيضًا الموقف من الدين باعتباره مكونًا أساسيًّا من مكونات الشخصية العربية. إن الادعاء بوجود تناقض بين العروبة والإسلام يتنافى مع المنطق، والوعي الصائب، ومعرفة التاريخ، وفهم الجوهر التكاملي للوجود العربي».
وفي الوقت الذي نكبر له هذا الموقف العقائدي المهم نحمله مسؤولية أقواله الأخرى، فقد قال في مقاله بالحياة: «ولا شك أن استخدام الدين وسيلة في الصراعات السياسية أمر بالغ الخطورة، نظرًا لأن الناس في بلدنا متدينون سواء كانوا مسلمين أو مسيحيين، ومن ثم فإن إثارة المشاعر الدينية في سبيل تحقيق هدف سياسي أمر بالغ الخطورة وقد ألحق بالعرب والمسلمين أضرارًا كبيرة خلال قرون من الزمن». وقالها في التطوير الحزبي: «وبما أن قيم الإسلام تعبر عن جوهر الثقافة العربية الواسع، فإن محاولات استغلال الإسلام لخدمة أغراض سياسية لبعض الجماعات تسيء إليه وتضيق من أطره الواسعة، وقيمه الشاملة، وهذا يؤدي إلى تفتيت الوحدة الوطنية للشعب والأمة».
وقالها يوم توقيف ربيع الحرية في دمشق بحجة أنه لا يرضى «الجزأرة» في سورية.
إنه لا يدرك خطورة هذا الموقف الذي ينسف كل ما بناه، ويكسر الجسر الذي شاده، ويحطم البناء الذي رفعه، فقد بلور هذه المفاهيم بمنع قيام الحزب على أساس ديني، ونكتفي أن نوجه له هذه التساؤلات لعلها تجعله يعيد النظر في حساباته وحسابات الحزب الذي يسهم في قيادته:
ألم يكن القرآن والسنة وشريعة الله دستور الأمة خلال خمسة عشر قرنًا من الزمان؟ فهل هذا سياسة أم لا؟
في التحالف الاستراتيجي القائم بين البعث السوري والثورة الإسلامية في إيران لم نسمع أي نقد لقيام السياسة في إيران على الإسلام، وكون الحزب الحاكم فيها حزبًا دينيًّا يحكم إيران بمبادئه، فهل وجود ذلك في إيران واجب وفرض وحلال وصائب، وهو حرام وخطر وتفرقة طائفية إن طالب به السنة في سورية؟
لقد كان البعث يلتقي مع جبهة العمل الإسلامي في الأردن، ويضع ميثاق عمل مشترك معها، ويلتقي مع زعماء الحركات الإسلامية في الجزائر وتونس وحتى مصر، فهل الأحزاب الإسلامية في هذه الأقطار ظاهرة طبيعية، وهي في سورية تمثل التفرقة الطائفية والخطر على وحدة الأمة؟
بقي «البعث» حليفًا استراتيجيًّا لنظام الحكم في السودان منذ أن قامت الثورة الإسلامية فيه، فهل الانطلاق من حكم الإسلام في السودان مبدأ صحيح تتلاحم إرادة الحزبين من خلاله ومبدأ خطر ومخيف ومرعب إن ظهر في سورية؟
هل قيام أحزاب تتناقض من الجذور مع الفكر القومي مثل الأحزاب الشيوعية متاح، وقيام حزب ينطلق من المطالبة بتطبيق شريعة الإسلام -بعد أن أقر البعث رفض التناقض بين العروبة والإسلام- محظور ممنوع يهدد وجود الأمة؟
لماذا لا نرفض وجود حزب البعث العربي الاشتراكي المنطلق من القومية العربية، حتى لا يقوم الأكراد بالمطالبة بحزب قومي وتتمزق الأمة وتتشقق، بينما نرفض وجود حزب إسلامي حتى لا يطالب النصارى بحزب لهم؟ وما الفرق بين الحالتين؟
أيرضى نائب الرئيس أن يلقى ربه وقد أمضى حياته كلها جاهدًا دون تطبيق شريعة الإسلام، ومانعًا لدعاة الإسلام من التعبير عن آرائهم من خلال حزب سياسي، بينما فتح صدره للفكر الشيوعي المعروف موقفه من الدين ليعبر عن رأيه من خلال حزب سياسي؟
ما معنى كل هذا التغني والاعتزاز بالإسلام إذا كانت شريعته مرفوضة، وتمنع الجماهير الإسلامية من المطالبة بتطبيقها، فكيف يلتقي تعطيل شرع الله مع الثناء على دين الله؟
ما معنى أن يكون لأصحاب الشرائع الوضعية والمناهج البشرية حق في تحقيق مناهجهم وبرامجهم، بينما شريعة الله يحرم عليها هذا الحق؟
هل عندكم خير من حكم الله؟
هلموا ندع شعبنا ليعبر عن نفسه بما شاء كيف شاء في منافسة شريفة من خلال صناديق الاقتراع، ولا تضيفوا خمسة أعوام أخرى من خنق هذه الأمة، فالفرصة الآن وقبيل الانتخابات، أما بعدها فإلى متى تصبر الشعوب على ضيم؟
يجيب الرئيس الأسد عن ذلك بقوله:
«الشعوب لا تسكت على ضيم، ولا تتنازل عن حقوق مهما كان موقف الحكومات» «تشرين٢٢/١٠/٢٠٠٢م».
فهل تقرن الأقوال بالأفعال ؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل