; ما لأبي طلحة لا يأتينا؟ | مجلة المجتمع

العنوان ما لأبي طلحة لا يأتينا؟

الكاتب عبدالقادر بن محمد العماري

تاريخ النشر الثلاثاء 30-يونيو-1987

مشاهدات 137

نشر في العدد 823

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 30-يونيو-1987

كان هناك رجل يدعى أبو طلحة عنده زوجة ولدت له بنات، ولم تلد له بنين، وكلما حملت زوجته انتظر أن يكون هذا الحمل ذكرًا، فإذا هو أنثى، فلما كانت المرة الرابعة غضب على زوجته بسبب ولادتها للبنات، فلم يأت إلى البيت وجلس في بيت آخر مجاور للبيت الذي فيه زوجته وبناتها، فأنشدت زوجته شعرًا قالت فيه:

ما لأبي طلحة لا يأتينا ************* يجلس في البيت الذي يلينا

غضبان ألا نلد البنينا ***************تالله ما ذلك في أيدينا

إن نحن إلا تربة وطينًا *************ننبت ما قد غرسوه فينا

هذا الرجل الجاهل يضع مسؤولية إيلاد البنات على زوجته، وكأن الأمر بيدها، وإذا هو فكر في الأمر من حيث الواقع سيجد أنه هو الذي وضع هذه البنت في رحم زوجته، وأن الحيوان المنوي الذي خرج منه هو الذي يلقح البويضة التي من المرأة، فتتوقف الذكورة والأنوثة على ذلك الحيوان الذي خرج منه، إذا كان فيه علامة الذكورة كان ذكرًا، وإذا كان فيه علامة الأنوثة كان أنثى فيخرج هذا الحيوان من الرجل عند العملية الجنسية مع ملايين الحيوانات المنوية التي يفرزها الرجل فيذهب حثيثًا نحو بويضة المرأة، ويفوز أحدها بالالتصاق بالبويضة يلقحها، وعند ذلك يتكون الجنين من الحيوان المنوي والبويضة، فمن الناحية الطبيعية إذًا لا دخل للمرأة في إيلاد البنات، وإنما ذلك من الرجل نفسه، فكيف يلومها على ولادة البنات؟ ولو أن الرجل عنده إنصاف في هذه الحالة للام نفسه ولم يلم المرأة، ولو كان عنده عقل وإيمان لقال إن هذا من تقدير الخبير العليم، فهو الرازق، وهو المعطي، وهو المقدر، تقدير كل أمر بيده ﴿يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا ۖ وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيمًا ۚ إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ (الشورى: 49، 50).

 أليس من الجهل المخزي أن يلوم الرجل زوجته، ويغضب عليها، ويعيرها أنها لم تلد له ذكرًا.

والأدهى والأمر ومن عجائب الجهل في بعض الناس أن تذهب امرأة تزور زميلتها في مستشفى الولادة، فتعيرها أنها ولدت بنتًا، ولم تلد ذكرًا، وبدلًا من أن تهنئها على سلامتها وهي على السرير وتدخل عليها السرور، تبكتها وتؤذيها بالكلام الجارح، وكل ذنبها أنها ولدت بنتًا، أليست هذه المرأة وقد تجردت عن كل المشاعر الإنسانية تستحق أن تُصفع على وجهها، وتقاد إلى حظيرة الحيوانات لتعيش مع الأبقار والأغنام والخنازير لأنها فقدت الصفات الإنسانية.

وهناك أيضًا أنواع من البشر تمكن الجهل فيهم، وعلى الرغم مما يعرفونه من شؤون الحياة فإن جراثيم الجاهلية الأولى، ورواسب البدائية والتخلف لا زالت تعشش في عقولهم، فما كنت أتصور أن بعض الرجال يعيرون زميلًا لهم بأن أولاده كلهم من البنات، فيقولون له استهزاءًا وسخرية «أبو البنات». يا لله العجب من هؤلاء الذين يعيشون في آواخر القرن العشرين، ويحملون هذه الأفكار السوداء، التي ترجع إلى عصر الجهل والوحشية والبدائية والتخلف.

إن الجاهليين الذين كانوا يشدون البنات ويدسونها في التراب لا زال لهم أنصار في هذا العصر ويشاركونهم في الأفكار، وهؤلاء إذا لم يقتلوا الأنثى القتل المادي، يقتلونها القتل المعنوي، فهم يئدونها كما وأدها الجاهليون السابقون والذين يعترضون على تقدير الله وتصرفه في الكون، ويعترضون على حكمته وحكمه سينالون جزاءهم يوم تنصب الموازين أمام أحكم الحاكمين ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَىٰ مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ ۚ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ ۗ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (النحل: 58، 59).

وفي العصور الأخيرة التي تسمى عصور الانحطاط، عاد احتقار الأنثى من جديد بعد أن كانت في عصور الإسلام الزاهية يأخذ الناس منها العلم، ويتلقون عنها المعرفة وظهرت نساء عالمات ومجاهدات، جاء من يزور الأحاديث فيقول «لا تعلمونهن الكتابة ولا تسكنوهن الغرف» وجاء من يقول الشعر الممجوج:

ما للنساء وللعمالة والكتابة والخطابة

هن لنا ولهن منا أن يبتن على جنابه

وهكذا ساد الجهل إلى هذا العصر، عصر الإفراط والتفريط، فجاء قوم وأرادوا أن يتجاوزوا كل الحدود وتجاهلوا طبيعة المرأة وطبيعة الرجل وما أعدل الإسلام وما أعدل أحكامه، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

الرابط المختصر :