العنوان ما زال المسلمون في فرنسا يتعرضون للمضايقات
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 06-فبراير-1990
مشاهدات 125
نشر في العدد 953
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 06-فبراير-1990
• بعض البلديات تخرق القوانين الفرنسية وتحول
دون دخول أطفال المهاجرين المسلمين إلى المدارس.
• لم تهدأ الضجة بعد حول الحجاب في فرنسا وما
زال الرأي العام الفرنسي يضمر الشر.
يشعر المسلمون
في فرنسا اليوم بقلق متزايد من جراء الحملات الإعلامية المناهضة لهم ويخشون من أن
تخرج فرنسا عن تقاليدها في استيعاب المهاجرين وإيواء المضطهدين وتسامحها الديني
والثقافي.
وقضية الإسلام
في فرنسا متداخلة مع قضية الهجرة؛ لأن مسلمي فرنسا يشكلون أساسًا من مهاجرين
فرنسيين ومن أصول مهاجرة ومن بعض الفرنسيين الذين اعتنقوا الدين الإسلامي؛ ولذلك
عندما تثار قضية الإسلام في فرنسا فإن كل المهاجرين حتى من غير المسلمين يصبحون
معنيين بهذه القضية لأنها تطرح في النهاية سؤالًا كبيرًا وهو: هل تقبل فرنسا
الآخرين بثقافاتهم وأديانهم أم لا؟
يلبون حاجة
فرنسا ليس من قبيل الصدفة أن يتواجد عدد هائل من المهاجرين من بلدان عديدة في
الدول الأوروبية عامة وفي فرنسا خاصة، وليس من قبيل الصدفة أيضًا أن يكون عدد كبير
من المهاجرين إلى فرنسا من مسلمي أفريقيا والمغرب العربي بالذات، فقد شجعت على هذه
الهجرة عوامل اقتصادية أساسًا حيث كانت فرنسا وبقية الدول الأوروبية بحاجة ماسة
إلى الأيدي العاملة بعد الحرب العالمية الثانية لإعادة الإعمار والبناء وظلت
اقتصادياتها في توسع ونمو بحيث كانت دائمًا قادرة على استيعاب الوافدين إليها
وسهلت انخراطهم في الدورة الاقتصادية، وكانت بلدان العالم الثالث التي منها غالبًا
هؤلاء المهاجرون تشجع هي نفسها على هذه الهجرة بسبب سوء الأحوال المعيشية
والبطالة. وهكذا استقر في فرنسا حوالي 5 ملايين مهاجر نسبة كبيرة منهم من
المسلمين، وحتى عندما أقفلت فرنسا حدودها أمام المهاجرين منذ حوالي 10 سنوات بسبب
الكساد الاقتصادي على أثر الصدمة النفطية الثانية، فإن ذلك الإقفال لم يكن تامًّا،
وبقيت السلطات الفرنسية تغض الطرف عن المهاجرين بصورة غير رسمية لا سيما بعد أن
عاود الاقتصاد الفرنسي نموه وتوسعه وصار قادرًا على استيعاب المزيد من العمال
المهاجرين في مختلف الأنشطة. وما يذكر عن نسب البطالة في فرنسا من حين لآخر فإنه
لا يعني بالمرة وجود أزمة اقتصادية، وتلك النسب البسيطة هي ضرورة يحتم وجودها
الاقتصاد الرأسمالي، ولا أدل على ذلك من أن كل المهاجرين الجدد إلى فرنسا حتى
أولئك الذين هاجروا إليها بطرق غير رسمية يجدون الكثير من مواطن العمل الشاغرة،
وقد تعدى الأمر المهن البسيطة والصنائع إلى مهن أخرى تتطلب مهارات معينة، من ذلك
مثلًا أن في بعض المناطق التعليمية لم يعد يوجد من الفرنسيين من يسد النقص في مجال
التدريس في المدارس الابتدائية والثانوية فأخذت تعتمد على بعض المغاربة والأفارقة
من الحاصلين على دبلوم لتوفير المدرسين لمدارسها. وخلاصة القول إن فرنسا هي التي
شجعت على إقامة المهاجرين فيها جيلًا بعد جيل، وأن لهؤلاء المهاجرين دورًا لا ينكر
في بناء الاقتصاد الفرنسي وأن فرنسا لا زالت بحاجة إلى خدماتهم في ضوء تناقص
الولادات فيها وتشيخ سكانها.
مزايدات سياسية
التحامل العنصري على المهاجرين العرب بالذات في فرنسا ليس أمرًا جديدًا أو هو ينقص
ويزيد تبعًا للأوضاع والظروف المتغيرة وتبعًا للحكومات المتعاقبة، ولكنه في
السنوات الأخيرة طُبع بطابع ديني مميز بسبب تحرك المسلمين لإثبات وجودهم والحيلولة
دون ذوبان ثقافتهم وهويتهم وتسارع انخراطهم في جمعيات وروابط للدفاع عن حقوقهم
وخاصة حقهم في أن تكون لهم مساجد يؤدون فيها صلاتهم؛ فرأت الدوائر العنصرية
والصهيونية في فرنسا في ذلك التحرك الفرصة المناسبة لإثارة الرأي العام على
المسلمين والمهاجرين العرب عمومًا، وما الضجة المفتعلة أخيرًا حول ارتداء بعض
الفتيات المسلمات للحجاب في المدارس إلا دليل واضح على ذلك، ولم تهدأ بعد تلك
الضجة التي بدأت منذ شهرين. وما زال المسلمون يتعرضون إلى كثير من المضايقات، وما
زال الرأي العام الفرنسي يضمر الشر للمهاجرين العرب والمسلمين تحت يافطات عديدة،
وأهمها أن هؤلاء المسلمين يستحيل اندماجهم في المجتمع الفرنسي، وأن في تناميهم
خطرًا وأي خطر على الجمهورية الفرنسية ومبادئها.
وأصبح الموضوع
مجالًا للمزايدات السياسية وتنافسًا حزبيًّا على حساب الحقوق الطبيعية لمسلمي
فرنسا ومصالحهم، وكانت فرصة لليمين الفرنسي أوجدها بنفسه لكي يستعيد ما خسره من
مكاسب سياسية وانتخابية، وهكذا يصبح ماري لوبان من جديد محط الأضواء الفرنسية
كمدافع عن "مقومات الجمهورية الفرنسية" بعد أن كان نجمه آخذًا في
الأفول. وتكتيك لوبان وكل اليمينيين من حوله يعتمد على التخويف، تخويف الفرنسيين
من شبح "الإرهاب الإسلامي"، والادعاء بأن الإسلاميين في فرنسا من ورائهم
ليبيا وطهران يمولانهم لأغراض إرهابية، وقد نجح بإثارة الخوف وحتى دون إقناع ومنطق
في محاصرة العديد من المشاريع الإسلامية لإقامة مساجد ومراكز ثقافية في المدن
الفرنسية. وحتى في مسألة الحجاب لم تحزم الحكومة الفرنسية أمرها فيها وتركت الباب
مفتوحًا لمديري المدارس ليتخذ كل واحد القرار "المناسب"، وعلى هذا
الأساس جاء في الأنباء منذ أيام قليلة أن إدارة مدرسة في "نوبون"
القريبة من باريس فصلت 3 طالبات مسلمات بسبب رفضهن نزع الحجاب، وقد علل مدير
المدرسة قراره بما هو متوقع وهو أن لبس الحجاب في قاعات الدرس يتنافى ومبادئ
العلمانية المطبقة في المدارس الفرنسية، وأنه صبر على هؤلاء الفتيات طويلًا ولكنهن
أصررن على وضع الحجاب. وما تشهده بعض المدارس الفرنسية التي بها أعداد من الطلبة
والطلاب المسلمين هو في الحقيقة انعكاس لمشكلة أكبر هي مشكلة الرفض للإسلام
ومحاصرته.
ومشكلة الهجمة العنصرية الجديدة على المسلمين
ليس بسبب ضغوطات اقتصادية أو مشكلة بطالة أو غيرها وإنما بسبب الحقد العنصري
والعداوة للإسلام. وكما هو الحال في كل البلدان الغربية والشرقية يلعب اليهود
دورهم في تغذية هذه الأحقاد وإشعال نيرانها؛ ففي حين تُبنى المدارس اليهودية على
أرض فرنسا التي تُنشئ أطفال اليهود على التعصب الديني والولاء
"لإسرائيل" لا لفرنسا، يُطلب من المسلمين التخلي عن ثقافاتهم والخروج عن
مبادئ دينهم كي يقبل بهم المجتمع الفرنسي ويُسهل عملية اندماجهم فيه.
عداء متأصل إن
مسلمي فرنسا اليوم يواجهون مضايقات شديدة وأعمالًا عنصرية يقوم بها اليمينيون خفية
وعلانية، ولا تتمثل هذه العقبات في طرد المحجبات من المدارس، ولا في العوائق
الإدارية والقانونية أمام بناء المساجد والمراكز الثقافية والمعاهد الإسلامية، بل
وصلت إلى حد الاغتيال وإضرام النيران في مقار سكنى المهاجرين المسلمين، ناهيك عن
المضايقات الأخرى في مجال العمل والسكن والدراسة؛ فقد ورد في أحد التقارير عن منح
المساكن الاجتماعية في أن "ما بين 20 و30% من المطالب في المنطقة الباريسية
تأتي من الأجانب وأن 50% فقط تلقى إجابة بالقبول."
وفي بعض الجهات
تقوم البلديات بصفة مفضوحة وخارقة لكل القوانين بردع المهاجرين ومنعهم من تسجيل
أبنائهم في المدارس الفرنسية، وأحيانًا يقوم هذا الاعتراض على أساس اللون؛ فالسود
والملونون تُرفض مطالب تسجيلهم فكيف يتم التعايش بين مختلف الفئات في فرنسا وبعض
العنصريين يعزلون المسلمين والأجانب عمومًا ويدفعون بهم إلى العيش ضمن غيتوات
مغلقة. ويدل على تأصل هذه العنصرية ورسوخها في بعض العقول الفرنسية الادعاء بأن
زيادة نسبة الأطفال غير الفرنسيين بالمدارس الفرنسية تؤدي إلى انخفاض المستوى
التعليمي لهذه المدارس مما ينعكس سلبًا على أطفال الفرنسيين. وقد حدا هذا المنطق
ببعض مديري المدارس والعمد إلى رفض قبول أطفال المهاجرين، ولكن ألا يعني هذا
المنطق اتهامًا لأبناء المهاجرين بأنهم أكثر غباء من الآخرين، وكيف نصدق هذه
المقولة والنتائج المدرسية تؤكد عكس ذلك وشهادات المعلمين والمديرين تثبت انضباط
أبناء المهاجرين وجديتهم في العمل المدرسي.
إن المشكلة ليست
مشكلة حجاب أو عدم توفر مقاعد دراسية أو بيوت أو أراضٍ صالحة لبناء مساجد ولكنها
مشكلة يقظة النزعة العنصرية والعداء الصليبي والخوف غير المبرر من الآخرين -
المسلمين - الذي تثيره أوساط سياسية وحزبية مشبوهة. وإن كان ماري لوبان الذي يقود
الحملة على المسلمين والمهاجرين قد رفع مرة في إحدى المسيرات شعارًا واحدًا هو:
"أيها الفرنسيون افتحوا أعينكم"؛ فالأجدر بنا نحن المسلمين أن نرفع نفس
الشعار فنقول أيها المسلمون افتحوا أعينكم، من أجل تفويت الفرصة على الأعداء للنيل
منكم وعرقلة نهوضكم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل