العنوان ما بعد الانتخابات المحلية في اليمن: مبادرة جديدة للإسلاميين
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 24-مارس-2001
مشاهدات 51
نشر في العدد 1443
نشر في الصفحة 32
السبت 24-مارس-2001
المبادرة تهدف إلى إصلاح النظام الانتخابي وتحييد المؤسسة العسكرية والإعلام الرسمي.
ما تزال الانتخابات المحلية في اليمن تثير دوامات سياسية متتابعة بعد المواجهات الدامية بين المعارضة والسلطة.. وأظهرت حقيقة أن حزب المؤتمر الحاكم لن يسمح بأي حال أن تتحول «الديمقراطية» إلى وسيلة حقيقية للتداول «السلمي» للسلطة أو حتى إضعافه وانتزاع جزء مهم من أدوات السلطة من بين يديه.
لكن أهم التطورات السياسية- التي يبدو أنها ما تزال في مرحلة البداية- هي وصول العلاقة بين حزب المؤتمر الحاكم- الذي يتزعمه الرئيس علي عبد الله صالح- وبين التجمع اليمني للإصلاح- الذي يتزعمه الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر- إلى مرحلة متدنية من الود.. بعد أن اتضح في الانتخابات الأخيرة أن المنافس الحقيقي للحزب الحاكم هو حزب الإصلاح الإسلامي الذي هدد مواقع حزب الرئيس في كل مركز انتخابي- تقريبًا- تنافسا فيه! بل وتمكن من انتزاع انتصارات مهمة في مناطق استراتيجية أذهلت المراقبين الذين تابعوا مجريات الانتخابات.
وكانت ذروة المواقف السياسية طرح محمد عبد الله اليدومي- الأمين العام للإصلاح- مبادرة من نقاط عدة معلنًا أن الإسلاميين سوف يتحالفون مع أي حزب يمني يوافق عليها!
وتقوم المبادرة الجديدة على الأسس التالية:
أ - تعزيز العملية الديمقراطية وتفعيل الالتزام بالدستور والقوانين ورفض تجاوزها والاستخفاف بها.
ب - تصحيح سجلات القيد الانتخابية.
ج - إيجاد صيغة تكفل حيادية القوات المسلحة والأمن في العملية الانتخابية، إما بإتاحة الفرصة لجميع القوى السياسية بمخاطبتها أو إتاحة الفرصة الحقيقية لأفرادها في حرية اختيار مرشحيهم أو عدم مشاركتها في الاقتراع واقتصار دورها على حماية الشرعية الديمقراطية الناتجة عن صناديق الاقتراع.
د- مواجهة الفساد المالي والإداري المستشري في كل أجهزة الحكومة.
هـ - حيادية الإعلام الرسمي.
و - مقاومة التطبيع مع اليهود بكل صوره وأشكاله.
وعلى الرغم من أن أمين عام الإصلاح أكد أن حزب المؤتمر الحاكم ما زال أقرب إليهم من الآخرين، إلا أنه أوضح أنه لا يوجد أي نوع من أنواع التحالف بين الحزبين في الوقت الحاضر.. وأن العلاقة الطيبة مع رئيس الجمهورية قائمة باعتباره مسؤولاً عن كل اليمنيين لكن الأمر مختلف مع حزب المؤتمر الذي يترأسه.
وقد أثارت هذه التصريحات ردود فعل سريعة في الوسط السياسي اليمني فقد أعلن مصدر مسؤول في المعارضة التي يتزعمها الحزب الاشتراكي اليمني ترحيبهم بمبادرة الإصلاح ووصفها بأنها تتطابق ومطالب المعارضة في إصلاح النظام الانتخابي وتحييد وسائل الإعلام والمال العام في المنافسة بين الأحزاب.. لكن العلاقة بين الإصلاح وأحزاب مجلس التنسيق للمعارضة- بما فيها الاشتراكيون- ظلت طوال السنوات الماضية تتراوح بين التقارب الحذر والتباعد الذي يظل يحافظ على شعرة معاوية بين الطرفين- وتتقاطع في الحقيقة توجهات الطرفين فكريًا وسياسيًا في مواقف عديدة.. ولا يكاد يجمعهما إلا مواجهة تسلط الحزب الحاكم وهيمنته على كل شيء.
وفي سياق ردود الفعل على تصريحات أمين عام الإصلاح المذكورة سابقًا، رحب مصدر مسؤول في المؤتمر الشعبي العام بإعلان وفاة العلاقة الاستراتيجية بين المؤتمر والإصلاح.. وربما كانت سرعة إطلاق رد الفعل مقصودًا بها تجريد مبادرة الإصلاح من عنصر المفاجأة والقبول السياسي والشعبي الذي يتوقع أن تلاقيه.. وربما كان وراء تصريح المصدر المؤتمري التلويح بإمكان اتخاذ خطوات تضر «الإصلاح» كما يفهم من قول المصدر أن المؤتمر الشعبي صار في حل من أي التزام! لكن من المؤكد أن إعلان مبادرة الإسلاميين لم تكن عملاً اعتباطيًا ابن لحظته بل هي أمر تم الإعداد له من قبل ونضجت شروط إعلانه في خضم التوتر والمواجهة العنيفة أثناء الانتخابات التي أفرزت حقائق جديدة ينبغي عدم الاستهانة بمدلولاتها السياسية والاجتماعية.
ومنذ حرب الانفصال عام ۱۹۹۰م كان الإسلاميون حلفاء للرئيس علي عبد الله صالح بينما تحالف ضده الناصريون والاشتراكيون منذ هذا التاريخ والعلاقة بين الإسلاميين وحزب المؤتمر مرت بمراحل متعددة فقد تحالف الطرفان عام ١٩٩٤م ضد الاشتراكيين الذين خاضوا حرب الانفصال الشهيرة هادمين بذلك أحد الثوابت التي تقوم عليها دولة الوحدة، وشكل الطرفان بعد الانتصار في تلك الحرب حكومة ائتلافية لكن وبعد مرور ثلاث سنوات اكتشف الإصلاح سعي المؤتمر الحثيث للاستحواذ على الأغلبية المريحة من الانتخابات النيابية من خلال ارتكاب مجموعة من المخالفات الواسعة في عمليات تسجيل الناخبين قـبـيـل انتخابات ۱۹۹۷م.
وفي الوقت نفسه اكتشف «الإصلاح» من خلال معايشة المؤتمر لمدة ثلاث سنوات في الحكم أن نهج المؤتمر في الإدارة لم يتغير، كما اكتشف في ضوء هذه الإدارة:
1-تدني مستوى الخدمات.
2- ازدیاد شريحة الفقراء.
3- انعدام الطبقة الوسطى.
4-تزايد شريحة الأغنياء والمتنفذين التي تسللت إلى المراكز المهمة وخاصة المراكز المالية.
أمام ذلك لم يجد الإصلاح بدًا من فك التحالف والعودة إلى صفوف المعارضة، خاصة بعد أن حصل حزب المؤتمر على ما كان يرتب له من الأغلبية المطلقة.
ثم جاءت فكرة تعديل الدستور ووجد الإصلاح أن هذه التعديلات تؤدي إلى أمرين خطيرين:
1- سحب صلاحيات مجلس النواب.
2 - تجميع السلطات بيد الرئيس.
فأعلن رفضه لهذه التعديلات، لكن الرئيس علي عبد الله صالح راجع الأمر وفتح المجال لضبط المواد الدستورية المراد تعديلها وتمكن الإصلاح بمقتضى ذلك من تعديل ما بين ٨٠- ٨٥% من المواد وبقيت النسبة الأخرى تتعلق بتمديد ولاية كل من الرئيس ومجلس النواب.
ورغم أن هذه التعديلات كان يمكن إقرارها من خلال الأغلبية المريحة للمؤتمر في مجلس النواب إلا أن الرئيس أراد أن يضفي عليها موافقة شعبية، ورغبة في إلهاء الناس عن تلك التعديلات الدستورية واسترضاء الدول الأجنبية المانحة التي تشترط في منحها إعطاء صلاحيات للمحافظات «البلديات» والتقليل من المركزية.
وعندما تحدد موعد الانتخابات البلدية والاقتراع على التعديلات الدستورية، أعلن التجمع اليمني للإصلاح بعد عقد مؤتمره الثاني عدم المشاركة في الانتخابات إلا بعد تصحيح جداول الناخبين، وذكرت مصادر الإصلاح أن هناك مليون و۱۰۰ ألف من خمسة ملايين ناخب بين أسماء وهمية ومكررة ومتوفين وقبيل إجراء الانتخابات عقد الإصلاح مؤتمره الاستثنائي وفوجئ الجميع حضور الرئيس علي صالح هذا الاجتماع حيث أعلن تصحيح ١٠% من الجداول وتعهد باستكمال تصحيح الجداول بعد الانتخابات نظرًا لضيق الوقت.
وقرر الإصلاح خوض الانتخابات بترشيح ثلاثة آلاف وأربعمائة مرشح للسباق على سبعة آلاف مقعد بلدي في عموم الجمهورية «٥٠% من المقاعد»، كما أعلن الإصلاح دعمه لعدد كبير من المستقلين «7% تقريبًا».
لكن ذلك قوبل بإجراءات تصنيفية كبيرة من قبل السلطات قبل الانتخابات، وبلغت ذروتها عند فرز النتائج عندما فوجئ المؤتمر باكتساح المؤتمر للنتائج مما عرضه إلى حرج كبير ووضعه في مأزق صعب اضطره لاستخدام كل ما لديه من وسائل لتغيير النتائج وصل إلى استخدام الدبابات لمحاصرة بعض الدوائر ومحاولة وقف إعلان النتائج!
في منطقة «الحمية» التابعة لمحافظة صنعاء انطلقت شرارة الأحداث الدامية ضد الإصلاح حيث تقدم الإصلاح في جميع الصناديق، وبقيت ثلاثة صناديق دارت حولها شكوك بأنها مزورة فاقترح الإصلاح إلغاءها، لكن مندوبي المؤتمر أصروا على فرزها وتم الاتفاق على إرسال لجنة لاستطلاع الدائرة الرئيسة في صنعاء وبعد تحرك هذه، فوجئ الجميع بقوة عسكرية كبيرة تصل وتطلب حمل الصناديق كلها إلى صنعاء وأمهلت الجميع نصف ساعة وبعد ما يقرب من ربع ساعة طوقت القوات المكان وبدأت إطلاق الرصاص على الجميع.. لكن أهالي المنطقة بكل توجهاتهم.. ومعظمهم من العسكر والعاملين في الحرس الجمهوري- شعروا بالإهانة فتصدوا لهذه القوة وقتلوا منها ٤ بينما قتل ۲ من المدنيين ولم تعلن النتائج حتى اليوم.
في محافظة «إب» شمال البلاد شعر المحافظ وهو إصلاحي سابق بانتهاء مستقبله السياسي عندما فوجئ بتقدم الإصلاح في معظم الدوائر فانطلقت ممارسات تزويرية وترهيبية غريبة تمثلت في واقعتين على سبيل المثال:
أولاً: في أحد المراكز قام أعضاء المؤتمر بنقل صناديق الاقتراع من المدرسة والمقر الرسمي للاقتراع إلى بيت أحد مرشحي المؤتمر، فاتصل أعضاء الإصلاح بالمحافظ ليعيد الأمور إلى نصابها فأخبرهم أن ليس في الأمر شيء فأخبروه إذا لم تعد الصناديق للمدرسة فسوف يقاطع الإصلاح الانتخابات في الدائرة ولن تكون مقاطعتهم بعدم التصويت فقط وإنما بتعطيل العملية كلها.. فما كان من المحافظ أن استجاب وأعاد الصناديق!
لكن تزويرًا كبيرًا شاب عملیات تصويت أفراد الجيش والشرطة «للجيش والشرطة حق التصويت في الانتخابات رغم أنه ممنوع على الأحزاب عدا المؤتمر الاتصال بأفرادهم للدعاية الانتخابية».. ورغم ذلك جاءت النتائج كلها لصالح الإصلاح، مما دفع مندوب المؤتمر إلى القول: هذا غير معقول لا بد أن يكون لنا النصف!
ورفض مندوبو الإصلاح فجاءت قوات الجيش ومعها إحدى الدبابات «الدبابات لا تخرج عن مرابضها إلا بأمر مباشر من رئيس الجمهورية» وحملت الصناديق إلى أحد المقار وتصدى الناس لذلك العمل العدواني ودمروا الدبابة وقتلوا جنديين وأسروا قائد القوة فوصلت على الفور قوة كبيرة قوامها عشرون دبابة وحاصرت قرية الصوبار «المنطقة كلها كانت مركزًا لداعمي الانفصال وأصبحت من معاقل الإصلاح» وأسرت القوة اثنين وجردتهما من سلاحهما «حمل اليمني للسلاح أمر طبيعي» وقتلتهما بطريقة بشعة انتقامًا للجنديين، وهو ما أشعل ثورة القبائل والقوى السياسية بشتى اتجاهاتها وبدأوا يتصدون للدبابات التي أخذت تدك قرية الصوبار، وتمكن الأهالي من محاصرة القوة بل ومعسكر الجيش وكادوا يدمرون المعسكرين ويستولون على الدبابات وهو ما كان سيؤدي إلى انفلات الأوضاع في اليمن كله.. لولا- لطف الله ثم تدخل عقلاء الإصلاح لتهدئة الناس وتعهد الإصلاح بحمل ما حدث للرئيس للتحقيق، وبالفعل تعهد الرئيس بالتحقيق ولم يصل إلى شيء حتى الآن.
وتتعدد الأحداث المؤسفة في تلك الانتخابات، لكن مع إعلان النتائج النهائية، بقيت حقيقة مهمة وهي تمكن الإصلاح من الحصول على ٢٣% من المقاعد و7% لمن قام بدعمهم وذلك رغم ما حدث.. وقد كشفت تلك النتائج عن الجماهيرية المتزايدة للإصلاح، كما أن المرحلة القادمة- مرحلة الممارسة- ستقدم المزيد من الوجوه الإصلاحية للشارع اليمني وتفتح الباب أمام الإصلاح للمزيد من الممارسة السياسية الشعبية والمزيد من الاحتكاك اليومي بقضايا الجماهير الحياتية، وهو ما يضيف لتجربة الإصلاح رصيدًا إضافيًا ومهمًا بين الشعب اليمني.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل