العنوان ما العمل...؟ «تصور لخطة إنقاذ...»
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 29-نوفمبر-1977
مشاهدات 15
نشر في العدد 376
نشر في الصفحة 6
الثلاثاء 29-نوفمبر-1977
ما العمل..؟
تصور لخطة إنقاذ..
في التاسع من ذي الحجة عام 1397 سجل مرصد التاريخ حركتين بارزتين:
حركة السقوط التاريخي العربي، وحركة الاستعلاء التاريخي اليهودي. ويمكن رؤية ذلك
في مرآتين: مرآة التفكير العربي.. ومرآة التفكير اليهودي.
يمثل التفكير العربي توفيق الحكيم؛ فقد كتب في جريدة
"لوبوان" الفرنسية بتاريخ 21 - 11 - 1977 مقالاً أشاد فيه بـ
"السقوط التاريخي" - الذي سُمّي خطأ بالهزيمة التاريخية - ويطرح حلاً
مسرحيًا للصراع مع اليهود، فيقول:
"إنني أقتَرح إقامة نادٍ يضم الشباب الفلسطيني والإسرائيليين لكي
يعمد هؤلاء إلى التعايش معًا ولكي يتبادلوا الآراء، وسيكون هذا النادي بمثابة
الخطوة الأولى نحو التفاهم الذي ننشده؛ لكي نمهد الطريق نحو صيغة سياسية يقبلها
الجميع. وأنا مستعد لأن أساهم في تأسيس هذا النادي لأنني متأكد من أنه بمعزل عن
الخوف، سيتمكن الشباب من حل أزمة الشرق الأوسط بالوسائل السلمية".
ويمثل التفكير اليهودي أبا إيبان - الوزير السابق لخارجية العدو - فقد
كتب في جريدة "الهيرالد تريبيون" بتاريخ 24 - 11 - 1977 مقالاً قال فيه:
"الرؤية التي استلهمها العرب من تاريخهم لم تشمل على الإطلاق
فكرة سيادة يهودية تُظِلّ الشرق الأوسط، أو قيام مجتمع مشبع بالذكريات اليهودية
وبالأفكار اليهودية، يستوحي تراثه من خارج التجربة العربية. وفي التاريخ العربي،
كان اليهود موضوع تسامح، أو لا تسامح، ولكنهم لم يكونوا أبدًا حملة هوية سياسية
معينة، وورثة إرث إقليمي معين. ولكي ينقل العرب فكرة قيام الدولة اليهودية ينبغي
عليهم أن يلجأوا إلى الإبداع والابتكار، لا إلى التذكر فقط - يعني تذكر تعاليم
الإسلام! - فمهادنتهم الثقافية صعبة وينبغي ألا يتم هزها بالطائفة" - هذه
دعوة صريحة من إيبان إلى تأصيل العلمانية في الوطن العربي.
ثم يقول:
"العديد من الأحداث في التاريخ اليهودي بشعة جداً بحيث إنها لا
يمكن أن تُصَدَّق، ولا شيء في هذا التاريخ فظيع إلى حد أنه لا يمكن أن يحدث.
والإسرائيليون - وهم من إفرازات هذا التاريخ - أكثر عرضة لرؤية الأخطار، ويرون من
الخطر في مجموعة من المواقف أكثر مما تحمل المواقف ذاتها بكثير. فالمقروص - كما
يقولون - يخاف من اهتزاز الحبل. فإذا أضفنا إلى كافة هذه الأعباء التاريخية عاملَ
رفض الاتصال المباشر، تصبح المصالحة مستحيلة، ولذلك فإن وجود أنور السادات في
إسرائيل اكتسب أهمية غير عادية، بغض النظر عما إذا أدى هذا الوجود إلى نتائج فعالة
على المدى القصير أم لا".
ويقول:
"السبب الرئيسي للنزاع هو وجود تصورين مختلفين لدور الشرق الأوسط
في التاريخ: في التصور العربي، تحمل إسرائيل بذور فنائها لأنها غريبة عن المنطقة.
أما في التصور الإسرائيلي، فإن إسرائيل استمرار للتيار الإنساني الأولي في
التاريخ. والشرق الأوسط ليس مسألة ذات لون عربي واحد، وإنما هو موزاييك من عدة
ألوان، كان الخط الرئيسي فيه من صنع التجربة اليهودية قبل مئات القرون. وعندما
يطير رئيس مصر بمبادرة منه إلى إسرائيل ذات السيادة وفي عاصمتها، يصبح تاريخ الرفض
كله باطلاً بين يوم وليلة: وجود شرق أوسط بدون إسرائيل هو في حد ذاته ثورة على
التاريخ وقانون الأمم".
هذان النمطان من التفكير يمثلان حركتي: السقوط التاريخي في جانب،
والصحوة التاريخية في الجانب الآخر. والفرق بين التفكيرين هو نفس الفرق بين
"الفهلوة" وبين الالتزام بعقيدة. والموقف نفسه يتكرر على المستوى
السياسي؛ فلقد ظن حاكمٌ فردٌ أنه بالإمكان مواجهة التنظيم الأيديولوجي اليهودي بـ
"الهمبكة" الفردية، وهذا سلوك يعبر عن العمى التاريخي والعقائدي
والسياسي والحضاري.
وكما وُضِعَت من قبل إمكانات ضخمة وسُخِّرَت في سبيل تحقيق هوى الفرد،
تُسَخَّر اليوم مبررات وفلسفات لخدمة "الهمبكة" الفردية. من ذلك:
- أن
الشعب المصري يريد هذا، والذين يرددون هذا القول لا يخجلون من توريط شعب كامل
في السقوط التاريخي، من أجل تبرير تصرف انفرادي لم يُستَشَر فيه شعب مصر.
- وأن
الشعب المصري مستعد لقبول كل شيء، وكأنه شعب لا تاريخ له ولا كفاح، بينما
المعروف أن شعب الكنانة كان في طليعة الكفاح ضد الغزو التتري والصليبي..
والغزو الاستعماري الحديث.
- وأن
الرخاء سيعم مصر بعد "الصداقة مع العدو"، وهذه أسطورة بالغة
التهافت.
أولاً: إن اليهود
والأمريكان لا يريدون وجود مصر قوية اقتصاديًا وصناعيًا؛ فوجود مصر قوية يعني - في
عرف هذه القوى - التهديد المباشر للوجود الصهيوني. ولئن وثقوا في حاكم بعينه، فإن
احتمالات مجيء حاكم طموح ثائر على "الواقعية الظالمة" لا يستطيع أحد أن
يلغيها بصفة نهائية. فإذا أضيف إلى هذا الاحتمال ازدهارٌ صناعيٌ واقتصاديٌ في مصر،
تكون عوامل المواجهة الجادة قد اكتملت.
إن هؤلاء يريدون مصر الضعيفة، مصر السوق الضخم الذي تروج فيه بضائع
الغرب.. واليهود، ولا مانع عندهم من استغلال مصر؛ بمعنى أن يحولوا إليها بعض
الأموال التي تجلب أكبر الأرباح للقطاع الخاص الأجنبي، فيعمل عمالٌ مصريون في هذه
المشاريع الأجنبية فيأخذون الشيء القليل من عائد كدهم وعرقهم، ثم إن هذا الشيء
القليل يذهب من جديد إلى جيوب الذين دفعوه، وذلك عن طريق البضائع الأجنبية التي
يشتريها العامل المصري.
ثانيًا: أن أمريكا لم
تستطع - أو أن الرأسمالية الأمريكية لم ترد - أن تنقذ من الإفلاس بلداً أوروبياً
عضواً في حلف شمال الأطلسي هو إيطاليا. إن الأزمة الاقتصادية تطحن إيطاليا طحناً
مجنوناً، والحزب الشيوعي يقترب من الحكم بسبب هذه الأزمة، ورغم كل ذلك لم تنقذ
أمريكا ذلك البلد الأوروبي مما يعانيه.
ثالثًا: إن الأزمة
الاقتصادية إنما هي أزمة داخلية في الأساس، والحكومات المتعاقبة هي سبب الأزمة،
وأنه لا رخاء حقيقي إلا بوجود حكومة وطنية مخلصة جادة تشبع آخر الناس وتجوع أولهم.
- وأن
قولهم: "إن مصر خاضت الحروب مع اليهود في سبيل فلسطين وشعب فلسطين"
أسطورة تُحكى كثيراً لتبرير الرغبة الدفينة في مصادقة اليهود والانفتاح
عليهم؛ إن الحقائق الموضوعية تبطل سحر هذه الأسطورة:
حرب 1948 قادها فاروق لا لتحرير فلسطين، وإنما لتطويق الحركة الفدائية
الجادة وسحب شرعية الكفاح منها، حتى يظل الكفاح حكراً على الأنظمة المرتبطة
بالإنجليز. ومن غير اللائق أن يقول أحد: إن الإنجليز كانوا جادين في دفع الجيوش
العربية لتحرير فلسطين.
حرب 1956 كانت بسبب قناة السويس.
حرب 1967 كانت - في البداية - مظاهرة عسكرية في سيناء، لم يُقصد من
ورائها حرب حقيقية، ومن فقدان العدل أن يقول أحد بأن تلك الحرب كانت كفاحاً في
سبيل فلسطين؛ إنها حرب زادت رقعة الاحتلال، حيث احتل العدو فيها سيناء والجولان
والضفة الغربية، أي أن جزءاً جديداً من فلسطين ضاع في تلك الحرب.
وحرب 1973 كانت للتحريك لا للتحرير، وهذا بشهادة الذين أعلنوها.
طبعاً من الجور القول بأن مصر لم تقدم ضحايا ولم تبذل إمكانات في
الحرب مع العدو، فنحن نشهد أن مصر أدت واجبها وتحملت مسؤوليتها، لكن من الجور
أيضاً تبرير كل المتاعب بقضية فلسطين.
- وأن
القول: "إن السلوك الحضاري يقضي بالسلام والحب" هذه أيضاً خرافة؛
فإقرار الظلم ليس سلوكاً حضارياً، وليس متحضراً من يبرر عجزه عن تحرير فلسطين
بمنح اليهود شرعية احتلالها. إن تاريخ الحضارة هو تاريخ الكفاح من أجل الحرية
ومكافحة الظلم، ولو أخذ الناس بهذا الشعار: "أنا قابل للظلم إذن فأنا
متحضر"، لما شهد التاريخ الحديث حركة استقلال واحدة، ولظلت شعوب الأرض
تتمتع بالحضارة تحت سلطة الاستعمار. وإنه لمنطق غير متحضر أن تُساق تلك
المبررات جميعاً لتقليل "الهمبكة" الشخصية، أو في سبيل مجد شخصي
عابر يتمتع به فرد فيذهب آجلاً أو عاجلاً، مخلفاً وراءه إرثاً تنوء به أكتاف
الأجيال القادمة.
الليبراليون ودين ابن عربي
وفي الأمة متثقفون، يسرهم أن يوصفوا بالليبرالية، ومن العجيب أن
ليبراليتهم دائماً مع الحكام.. موافقون على كل شيء، وقلوبهم وأفكارهم قابلة لكل
شيء؛ كقلب محيي الدين بن عربي الذي اخترع لنفسه ديناً ليبرالياً وصفه بقوله:
لقد صار قلبي قابلاً كل صورة ** فمرعى لغزلان ودير لرهبان
وبيت لأوثان وكعبة طائف **
وألواح توراة ومصحف قرآن
أدين بدين الحب أنى توجهت ...
ركائبه فالحب ديني وإيماني
وهؤلاء المتثقفون موجودون كأفراد، وموجودون في حركات وأحزاب، لكن
يجمعهم جميعاً حزب عام هو: "حزب فلاسفة الحاكم". ولقد سارعوا فرفعوا
شعار "الواقعية" فلسفة من عند أنفسهم يفسرون بها رحلة السقوط التاريخي.
وهم بعملهم هذا يقعون في تناقض مع شعاراتهم الأخرى في التجديد
والتغيير؛ لأن شرط التغيير الأساسي ألا تستسلم للواقع السيئ مهما كان ثقيلاً
ومعقداً. وكل الحركات التي ترفع شعار التغيير ستفقد سبب وجودها إذا هي خضعت
لبدائية شعار: واقعية تبرير المظالم بالواقع.
خياران
ومن الخطأ تصور رحلة السقوط التاريخي على أنها مغامرة لشيء آخر؛
فالتمهيد لهذا السقوط قد بدأ منذ عهد بعيد. والكلام العربي الذي قيل في الكنيست
اليهودي يوم عيد الأضحى هو نفس الكلام الذي نشره الكاتب المصري محمد سيد أحمد في
كتابه "بعد أن تسكت المدافع".
وزيارة زوجة تحسين بشير - الناطق الصحفي باسم القصر الجمهوري -
لفلسطين المحتلة وإشادتها بالعدو، والمباحثات المصرية اليهودية المشتركة حول مناهج
التربية والثقافة برعاية جامعة هارفارد، والامتناع الإعلامي عن استعمال كلمات: عدو
وخصم، حين تُذكر "إسرائيل"؛ كل ذلك - وغيره كثير جداً - تمهيد مقصود
للزيارة إياها.
وسُبِقَت الأحداث بطريقة تجعل الأمة بين خيارين:
- أن
تجتمع على الإشادة برحلة الخيبة السياسية فتجتمع - من ثَمّ - على ضلالة.
- أن
نتسلح بالصحوة التاريخية، ونعتصم - في لحظات الانبهار العام - بموارثها
وبمقدساتها، فيُعلَم عند ذلك أن مصر ستمضي في الطريق المرعب وحدها.
وفي الخيارين مصلحة للعدو، وكارثة على العرب.
ما العمل
ومن أبسط الحلول: إطلاق سيل من الشتائم، وشن هجوم كاسح على مصر، وهذه
حلول بليدة تزيد المصيبة هولاً ورعباً.
إن الهجوم على مصر كلها يخدم تماماً الذين يزعمون أن مصر كلها موافقة
على هذه الخطوة عن علم؛ فعدم التفريق في النقد يبث العصبية، وبهذه العصبية تُساق
مصر إلى الذبح. إن لمصر تاريخها المضيء في الكفاح والتحرر، ومصر العروبة والإسلام
ليست ملكاً لفرد ما مهما كان شأنه، ومصر - شئنا أم أبَينا - بلد مؤثر في الوطن
العربي. هذه كلها حقائق ينبغي الانتباه إليها.
ومن هنا تعيّن الاجتهاد من أجل إيجاد تصور للحظة إنقاذ. لقد حدث
الانهيار العام.. نعم، وإذا كان ليس في الإمكان محو التاريخ - أو السقوط التاريخي
- فمن الممكن إنقاذ ما يمكن إنقاذه في الحاضر والمستقبل. وهذا تصور نحسبه معيناً
في وضع خطة إنقاذ:
- تركيز
الجهود على إيقاف التدهور: في هذه المرحلة، وأن تُبذَل
هذه الجهود من قبل حكومات عربية لم تقطع الخيوط مع النظام المصري، وتتمثل هذه
الجهود في تقديم دراسات سياسية علمية عن المخاطر الوطنية والقومية التي ستنجم
عن اتجاهات النظام المصري.
- تكوين
جبهات: ثقافية وفكرية وإعلامية وشعبية واقتصادية
لإحباط سياسة الانفتاح على العدو.
- إقصاء
المتواطئين: بذل جهود مضنية وذكية لإقصاء العناصر
المهيأة للتواطؤ مع العدو في شتى المجالات: الإعلام والتجارة والثقافة
والفن... إلخ. وهذه الخطوة تقتضي ألا تخلع العناصر الوطنية المخلصة يدها
وتزهد في تولّي الأمور العامة؛ إن البيت يحترق، وفي هذا الموقف تسقط التحفظات
حيث إن المروءة توجب المساهمة في إطفاء الحريق.
- القيادات
الشعبية: في المجال الشعبي العام مطلوب قيادات شعبية
مدربة ومستنيرة تبرز كبديل محتمل للواقع السيئ، وسوف تواجه هذه القيادات
متاعب ومصاعب، وهذا أمر طبيعي يواجهه كل الذين آثروا ألا يعيشوا لأنفسهم.
- المواجهة
الثقافية: الاستعداد العالي جداً لمرحلة الصراع
الفكري والعلمي والثقافي.
- المبدأ
الجامع: جمع الأمة على مبدأ جامع تذوب فيه الجنسيات
الصغيرة؛ فمن التحريف المتعمد للقضية: نشوب معارك بين المصريين والفلسطينيين
وكأن المعركة الحقيقية بين هؤلاء الإخوة. إن الذين اجتمع بهم السادات في
فلسطين المحتلة يهود من أجناس شتى: من روسيا، وألمانيا، واليمن، وأمريكا،
وأستراليا... وقوميات شتى جمعهم الدين اليهودي. والإسلام هو المبدأ الجامع
الذي يجمع المسلم المصري، بالمسلم الفلسطيني، بالمسلم السوري، بالمسلم
السعودي، بالمسلم الكويتي، بالمسلم الأردني.. وهكذا.
- دولة
الفكرة: إعادة طرح شعار "دولة الفكرة" من
جديد وبوضوح؛ ففي فلسطين المحتلة كيان يقوم على "فكرة"، وليس من
الذكاء الحضاري - إن صح التعبير - مواجهته بالهمبكة الفردية. إن المواجهة
الحضارية المتألقة تستلزم إقامة دولة الفكرة الإسلامية في هذه المنطقة.