العنوان ما الرجعي؟ وما التقدمي؟
الكاتب ا. د. عماد الدين خليل
تاريخ النشر السبت 02-مارس-2013
مشاهدات 83
نشر في العدد 2042
نشر في الصفحة 66
السبت 02-مارس-2013
يعتبر المستشرق المعروف بارتولد - مثلًا- إخوان الصفاء جماعة من المفكرين الأحرار.. اتحاد شبيه بالجمعية الماسونية (تاريخ الحضارة الإسلامية، ص 80).
وغير بارتولد ، كثيرون أصدروا أحكامهم أو تصنيفهم للأنشطة التي شهدها التاريخ الإسلامي، ولكن على أي أساس؟ هل هو أساس علمي صحيح؟ إننا بإحالة العديد من هذه الأنشطة على المنظور الإنساني الحضاري نجد الأمر يختلف، وعموما فإن المسلم يملك تمييزه الخاص وهو يرفض - ابتداء - تقسيمات صارمة كهذه بين رجعي وتقدمي وحر، أو إنه يتقبلها ولكن وفق مقاييس أخرى أكثر موضوعية وعد لا، وهو الذي أمره كتابه الكريم بأن يعدل في حكمه على الأشياء والخبرات والا يشط به النوى كراهية أو تحيزا﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8) ﴾ (المائدة). ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (181) ﴾ (الأعراف)، ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152) ﴾ (الأنعام)، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (58) ﴾ (النساء)، ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (76) ﴾ (النحل)، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90) ﴾ (النحل).فما ينسجم ومطامح الإنسان المؤمن، ويتلاءم مع نزوعه العمراني ومهمته التي أنيطت به في العالم يقف في خط التقدمية البنائية وبالعكس، يكون رجعيا متخلفا وهداما. مهما يكن من أمر، فإن حركة معروفة كحركة القرامطة بأجنحتها كافة، وثورة معروفة هي الأخرى كثورة الزنج جنوبي العراق، تؤخذ ويحكم على تقدميتها أو رجعيتها من مواقفها إزاء الإنسان والعمران فقرامطة البحرين - على سبيل المثال - انطلقوا من بينة بدوية جافية وزادتهم أحقادهم على أهل السنة والجماعة قسوة وجفاء، فما وجد زعيمهم (الجنابي) مانعا من إجراء تلك المذبحة الرهيبة التي شهدها موسم الحج عام ٣٢٦هـ، والتي قطعت فيها رؤوس الآلاف من الحجاج المسالمين، وهو جالس منتش بسكرة الخمر على صهوة فرسه، مرددا هذا البيت فلو كان هذا البيت لله ربنا لصب علينا النار من فوقنا صبا!!
ولم يكتف بذلك، بل أمر أتباعه بانتزاع الحجر الأسود من مكانه وتضييعه في الصحراء. وأما ثورة الزنج في جنوب العراق والتي اكتسحت البصرة، فقد ألحقت بها خرابا يصعب وصفه، فقتلت ونهبت وأحرقت.. حتى لقد اعتاد العراقيون على ترديد المثل الذي يقول: بعد خراب البصرة مشيرين إلى ذلك الذي شهدته على أيدي الزنج.
هذه هي نماذج من أفعالهم، فهل يمكن التصديق بتصنيف الحركتين على خط التقدمية، كما فعل بندلي جوزي في كتابه من تاريخ الحركات الفكرية في الإسلام لا لشيء إلا لأنهم نادوا بمشاعية الأموال، رغم أنهم لم ينفذوها وفق ما دعوا إليها في أدبياتهم المعروفة؟ المفارقات كثيرة، وكتاب اليسار سودوا بها صحائف بحوثهم وكتبهم فهذا - على سبيل المثال - مؤرخ عراقي يدعى حسين قاسم العزيز يكتب أطروحته للدكتوراه في إحدى جامعات الاتحاد السوفييتي قبل انحلاله، عن الحركة البابكية في أذربيجان، ويعتبرها، كما يدل عنوان الأطروحة، حركة تقدمية، رغم أن هذه الحركة مارست الكثير من الأعمال المضادة لبداهات التحضر، فخرجت عن الإسلام، وقتلت وخربت، ونحت منحنى شعوبيا ضد كل ما هو إسلامي عربي واتصلت بأعداء الدولة العباسية من البيزنطيين، وشكلت معهم تحالفا لتدمير هذه الدولة، ومن ورائها قيم العروبة والإسلام، حتى قيض الله سبحانه لها الخليفة العباسي المعتصم الذي تمكن بعد طول عناء، من سحقها وإخراجها من التاريخ.. لقد كانت الحركة البابكية في جوهرها حركة فارسية شعوبية استهدفت تدمير العرب والإسلام، وها هو أحد الباحثين الذين غسلت أدمغتهم بالتوجيهات الماركسية، يعتبرها حركة تقدمية فإذا ما عدنا إلى بدء حديثنا حول مقولة «بارتولد » من اعتبار إخوان الصفا ، محاولة من المفكرين الأحرار، أو اتحادا شبيها بالجمعية الماسونية، تذكرنا كيف أن الماسونية في نبضها وأهدافها، ليست جمعية حرة على الإطلاق، وإنما هي أداة مسخرة بيد الصهيونية العالمية، فيما أكدته جملة كبيرة جدًا من البحوث والدراسات.
فأية معايير هذه التي يعتمدها المستشرقون وأذنابهم، للحكم على الحركات الفكرية في تاريخنا الإسلامي؟ وهل ثمة قيم موضوعية عادلة تنطوي عليها وتسوقها إلى مواقع الصدق الذي يمكن التسليم به، أم أن العداء المغروس في جبلتهم لهذا الدين، ولتاريخه وحضارته يسوقهم متعمدين أو غير متعمدين إلى تصنيفات بائسة كهذه ما أنزل الله بها من سلطان؟
وصدق الله العظيم القائل في محكم كتابه: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى (23) ﴾ (النجم).