; ما أحوجنا اليوم إلى هارون جديد! | مجلة المجتمع

العنوان ما أحوجنا اليوم إلى هارون جديد!

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 28-ديسمبر-1982

مشاهدات 69

نشر في العدد 601

نشر في الصفحة 49

الثلاثاء 28-ديسمبر-1982

في السطور التالية أحد مواقف هارون الرشيد مع البيزنطيين. وهو موقف حازم يمثل مفهوم السياسة وتدبير الأمور عند المجاهدين من هذه الأمة؛ وهو نموذج فريد من هذا الباب. إن حكام هذه الأمة كانوا يعرفون أكثر ما يعرفون العمل والعمل فقط ولم يعرف عنهم أنهم أمة صراخ وشكوى وعندهم الشكوى لغير الله مذلة.

وقد كانت بلاد البيزنطيين يومها أي عهد هارون الرشيد تجاور دولة العباسيين وكانت ثمة هدنة وجزية مفروضة على حاكمة هذه البلاد الإمبراطورة إيريني. وعندما توفيت اعتلى عرشهم نقفور وأرسل هذا الإمبراطور إلى هارون الرشيد سنة ۱۸۷هـ كتابا ينقض فيه الهدنة وألح في طلب إعادة الجزية التي دفعتها الإمبراطورة الضعيفة في نظره أي دفعتها إلى دولة الإسلام. وكتب يقول «من نقفور ملك الروم إلى هارون ملك العرب. أما بعد فإن الملكة التي كانت قبلي أقامتك مقام الرخ وأقامت نفسها مقام البيدق فحملت إليك من أموالها ما كلفت حقيقًا بحمل أمثالها إليها. ولكن ذلك حمق النساء وضعفهن فإن قرأت كتابي فاردد ما حصل قبلك من أموالها وافتد نفسك بما تقع به المصادرة لك وإلا فالسيف بيننا وبينك!!»

فلما قرأ الرشيد هذا الكتاب استفزه الغضب وتفرق جلساؤه من الخوف واستعجم الرأي على الوزير. ودعا هارون الرشيد من فوره بدواة ورد على الإمبراطور بهذه الكلمات ونسطرها هنا ونهديها إلى زعماء العالم الإسلامي والعربي كتب الرشيد ما يلي «بسم الله الرحمن الرحيم من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم قد قرأت كتابك والجواب ما تراه دون ما تسمعه والسلام». خطاب في سطر واحد وعدد كلماته أقل من خمس وعشرين كلمة.

ثم خرج إليه لمحاربته فسار يقود جيوشه الجرارة شعارها لا إله إلا الله فاخترق آسيا الصغرى «تركيا حاليا» وظل هارون الرشيد يتابع الحروب حتى تمكن من كسر كبرياء هذا الإمبراطور وصلفه وذلك بعقد صلح أرغم فيه الإمبراطور على دفع الجزية من جديد.

إن الملاحظ أن كلمات هارون الرشيد كانت قليلة فلم يعرض قضيته في مذكرة ولا في ملف لأن الفيصل عنده العمل وليس الكلام ومن كثر كلامه كثر سقطة إن علينا:

أن نكون أمة قارئة لتاريخها نعلم هذه المواقف لأجيالنا إن لم يكن في المدارس ففي المنازل ذلك لأن المدارس لا تتحمل مثل هذه المواقف ذلك نذر قليل من تاريخ هارون الرشيد الذي طالما شوه سمعته المستشرقون وأذنابهم في العالم الإسلامي ولكن لن يضيره مثل هذا التشويه وقديمًا قال الشاعر:

کناطح صخرة يومًا ليوهنها *** فلم يصبها وأعيى قرنة الوعل

ذلك هو هارون الرشيد الذي كان يحج عامًا ويغزو عامًا فما أحوجنا اليوم إلى هارون رشيد من جديد

الرابط المختصر :