العنوان ماليزيا.. رؤية من الداخل.. بين حالنا وحالهم
الكاتب شيخة عبدالله المطوع
تاريخ النشر السبت 21-أغسطس-2010
مشاهدات 78
نشر في العدد 1916
نشر في الصفحة 30
السبت 21-أغسطس-2010
﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ﴾ (البقرة:١٨٥)
- يحرصون على تعليم أولادهم العلوم الشرعية وكثير منا يتهافت على المدارس الأجنبية
- تأسرك الفتاة الصغيرة بروعة حجابها وكأنها درة لؤلئية وفي بلادنا هناك من تربين في بيئة إسلامية ومع ذلك يعرضن عن الحجاب بحجج واهية
- يعشق أولادهم العلم.. بينما يزهد فيه الكثير من أبنائنا وكل همهم تضييع الأوقات والاهتمام بالمظهر والماركات والسهر على الشاشات
تناولت في العدد الماضي جزءًا من انطباعاتي عن رحلتي إلى ماليزيا، وفي هذا العدد أستكمل هذه الانطباعات، ولأن الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها والحكيم من يتعظ بغيره... رأيت أن أقارن بين حالنا وحالهم، لعلنا تحذو حذوهم.
عندما التقيت عددًا منهم وتعرفت على أسمائهم، أن أغلبهم إن لم يكن جميعهم يتسمون بأسماء عربية إسلامية: هذه فاطمة وتلك خديجة، ونسيبة، وسكينة، وعائشة، وخير النساء، وشفاء، وغيرها من الأسماء وهذا أسيد، وحمزة، ومصعب، ومحمد، وعبد العزيز، وهشام وغيرها من أسماء الصحابة والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين مع أنهم عجم يتسمون بأسمائنا ويتبركون بأسماء الصالحين، وإذا نظرت الآن إلى أبناء جلدتنا تراهم يتفننون في اختيار الأسماء وانتقائها، بمعنى أو بغير معنى. المهم أن يبتعدوا قدر المستطاع عن الأسماء المعتادة لأنها من التراث الذي قد عفا عليه الدهر، ولابد من مواكبة الحضارة والشمي بكل ما هو غير مألوف حتى تتميز الأسماء وتتجدد وإذا بجيل من الأسماء المبهمة المعاني النادرة اللفظ صعبة النطق واعتذر عن ذكر الأمثلة حتى لا أسبب الحرج أو اقدح في الوصف ولاشك أن الاسم يؤثر على صاحبه لاسيما إذا كان تيمناً بنبي أو اقتداء بصحابي، وكل إناء بما فيه يتضح.
تمسك بالحجاب
ومما يدهش أيضًا: اعتزازهم – كما ذكرت- بالحجاب الإسلامي واللباس الشرعي، وهذا حال الأغلبية، فتجد الفتاة الصغيرة تأسرك بروعة مظهرها بحجابها، وكأنها تحفة فنية أو درة لؤلئية، ومع دقة أحجامهن وبراءة سنهن. ورغم أن الحجاب لم يفرض عليهن بعد، إلا أنك تراهن يلتزمن بارتدائه في مدارسهن ويتجولن به في جلهن وترحالهن، وأقارن بينهن وبين من تربين في الأراضي الحجازية، ونشان على التربية الإسلامية، ومع ذلك يعرضن عن الحجاب بحجج واهية غير مجدية، وترى للأسف - كثير من الأهل يؤيدونهن في تصرفاتهن ولا يلزمونهن بالحجاب، ويعتبرونه رجعية، ويتركون لهن في الاختيار مطلق الحرية، هذا إذا لم تكن الأم هي ايضا متحررة من حجابها وهياتها الإسلامية وإذا تحجبت الفتاة في الصغر اقاموا الدنيا عليها ولم يقعدوها واشفقوا لحالها وأسقوا لتشدد والديها، ولم يعلموا أن هذه هي الحياة الصحيحة والعيشة المهنية ولا ازال اذكر قول تلك الصحابية التي تقول: كنا نعود أطفالنا الرضع الصيام في رمضان وتلهيهم عن الطعام بالمهن... نعم منذ نعومة أظفارهميتعودون على الشرائع حتى يشبون وقد تمت الاعتقادات في داخلهم وتغلغلت ولم يبق مجال للشك والتردد أو التأخر في التطبيق، فلنتعظ ولتتدير.
حرص على العلم
ومما يحير الألباب أيضا التزامهم بالعلم والتعلم وحرصهم عليه خذ مثلا من تلك المائلة العلمية الماليزية:
يقول صاحبنا متحدثًا عن أسرته: ابني مصعب قد درس الجامعة في أمريكا بعد أن أنهى هنا الدراسة في مدرسة إسلامية وتزود من العلوم الشرعية ثم ذهب إلى العمل في اليابان حتى تعلم صنعتهم ولغتهم والآن يكمل دراسته في المملكة البريطانية، وبعدها سأرسله للمملكة الأردنية حتى يجيد اللغة العربية، ثم عدد أبناء الخمسة وتخصصاتهم العلمية والتفت إلى نفسه قائلا: وأنا أيضا قد انتهيت من دراسة الماجستير، وزوجتي أصبحت دكتورة في الثقافة الإسلامية، ثم أخذ يردد إننا امة اقرأ، وديننا يوصي بطلب العلم، إذ إن العلم من الأمور التي يزجر صاحبه حتى بعد وفاته، وذكر الحديث: إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث منها علم ينتفع به....... وامثاله كثيرا حيث يرسلون ابناءهم لتعلم العلم كما أسلفت في مصر ومكة والمدينة واليمن، ويقدسون العلم وتتمركز حياتهم عليه. نظرت إلى حالهم وحالنا وعشقهم للعلم وزهد الكثير من ابنائنا في العلم والتعلم، وإنما همهم تضييع الأوقات والاهتمام بالمظهر والماركات والتجول في الطرقات ومشاهدة آخر الصيحات او السهر على الشاشات حتى إني لأخجل حين أسال عن هويتي، فأخبرهم اني عربية خليجية، وإذا بنا لا نتميز عندهم بشيء إلا بأموالنا وإسرافنا في شراء الماركات العالمية، ويقولون: إلى هذه الدرجة أنتم تتمتعون بملاءة مالية، ولا يعرفون أن الكثير منا حالتهم المادية عادية ولكنهم يقترضون ويسافرون ولأنهم انشغلوا عن العلم والعمل والجد والتحصيل تراهم يقبلون على تزيين ظواهرهم ليخفوا فراغهم النفسي واهتماماتهم الدنيوية...
اهتمام بالعلوم الشرعية
وإلى جانب اهتمامهم بالعلم بشكل عام فإنهم حريصون بالدرجة الأولى على تنشئة أبنائهم في مدارس إسلامية، تدرس كافة العلوم الشرعية إضافة إلى باقي العلوم الأكاديمية، التقيت عدداً منهم يشرفون على مدارس ومعاهد جامعية إسلامية، وزرت مدرسة ودارا لتحفيظ القرآن في سنغافورة «التي تشبه في كثير من خصائصها ماليزيا، إلا أن المسلمين بها قلة وليسوا أغلبية كماليزيا»، ورأيت أبناءهم وهم يتعلمون اللغة العربية، ويرددون الآيات القرآنية ومعلميهم ممن درسوا العلم الشرعي في الدول العربية الإسلامية، ثم انطلقوا إلى قومهم مبشرين ومنذرين.
وعندما سألناهم عن سر اهتمامهم بتعليم أبنائهم بالمدارس الإسلامية قالوا: لكي تسلحهم بتلك العلوم الشرعية حتى لا يتأثروا بعد ذلك بأجواء الفساد التي عمت كافة البلاد، فتؤسسهم على ركائز ودعائم قوية.
ولا أخفيكم مشاعري أن منظرهم الملائكي وهم ينهلون من ميراث النبوة في تلك الأجواء الطاهرة أثار في النفس الشجون وجدد الأحزان عندما قارنتهم بأبنائنا وبناتنا، أو قل إذا شئت أبناؤنا وأمهاتنا عندما تراهم يتكالبون على تسجيل ابنائهم في مدارس أجنبية، ويقتتلون على الظفر بإحداها، وإن كان قسط المدرسة أكثر من مقدرتهم المالية لا يهم... المهم أن يتعلم ابننا الثقافة الإنجليزية، وينشأ على العلوم الحضارية ويتشرب الحرية الفكرية ولا يعلمون أنهم ينشتون ابناءهم على الانهزامية النفسية عندما يجدون هناك هوة واسعة بين ما يؤمنون وما يعتقدون وبين ما يتعلمون ويخالطون. إني أؤمن بأهمية تعليم الأبناء اللغة الإنجليزية لأهميتها في هذا الوقت وارتباط كثير من العلوم بها، ولكن هذا لا ينفي ابدا حرصنا على تعليمهم باقي العلوم الإسلامية، خاصة وأن هناك من المدارس من تجمع الأمرين معا، وإن جهلنا الحالي – للأسف يعاني من ضعف الثقافة الإسلامية، وكم التقيت عدداً منهم وسألتهم بعض الأسئلة الشرعية البدهية فتراهم يفخرون بأفواههم ويحدقون بأعينهم ويقولون بعل فيهم: ما تدري وكأني سألتهم عن معضلة رياضية أو مسألة فيزيائية حيرت العلماء وشاه بها الخبراء، فضلا عن أنهم لا يعرفون من سير الصحابة وأخبار الصالحين إلا ما شد وندر، ومن أراد التأكد من الخبر فعليه بالسؤال وسيهوله ما سمع وبصر!!
فكم تحزن حينما ترى غير العرب مهتمين بثقافتنا وعلومنا الشرعية من تفسير وقته وحديث.. وترانا نحن عنها معرضين!!
تعاملات راقية
ومما شدني – أيضًا – إليهم أدبهم الجم وتعاملهم الراقي تراهم مبتسمين راضين ينتقون الكلمات ويتمقون العبارات يكرمون الضيف أيما إكرام ويرحبون ويأهلون، وإذا نظرت إلى أبنائهم فتراهم قد تشربوا تلك الذوقيات من أبائهم، فتعرف في وجوههم السماحة والرضا، وترى الاحترام باديا في تعاملهم، تعلوهم السكينة والوقار مع أنهم أطفال صغار يتخلفون بآداب الإسلام وتحيتهم السلام عليكم وعليكم السلام.
يلعبون في هدوء واتزان وتشدهم الألعاب الفكرية والبدوية وتساعدهم دولتهم في تنمية مهاراتهم الذهنية حتى أننا رأيناهم يعلمون الصغار منذ عمر الرابعة فن الإدارة المالية. وتكوين الثروات المستقبلية، وعندما أجريت مقارنة بسيطة بين ابنائنا وأبنائهم، وجدت أن أبنائنا – مع توافر كل سبل الراحة والرفاهية لهم – منافقون متذمرون، وتراهم ينفرون من التمسك بالآداب والذوقيات إلا ما رحم ربي ويميلون الألعاب العنف والألعاب الإلكترونية ويحملون في حوزتهم الهواتف الخلوية مع أنهم لا يحتاجون إليها البنة «تعرفت إلى إحداهن وقد انتهت من دراستها الجامعية وعندما سألتها عن رقم هاتفها المتنقل قالت: تستطيعين ان تأخذي رقم أمي لأني لا أملك هاتفاً خاصاً».
فلا أعلم بالتحديد منبع مشكلاتنا التربوية هل سببها ضعف الاهتمام بالأسرة أم غياب الوالدين والاعتماد على العاملات في التربية والتوجيه أم سببها الشرف المادي وغياب المسؤوليات أم أم أم؟.. الله أعلم.
قد حالت هذه الخواطر في خاطري وتأثرت تأثراً بالغاً بعمق إيمانهم، وسمو أرواحهم وطيب عشرتهم، وروعة حضارتهم. قد أن لنا أن تحذو حذوهم وتقتفي الرحم ونعيد للأمة الإسلامية مجدها، ونعلي صرحها. صحن قوم أعزنا الله بالقرآن والإيمان، فلن تبغي من دونهم بدلا وعزة وفخراء إلهي ثبتنا على دينك واجعل لنا سهما في نصرة أمة حبيبك محمد ﷺ ، وقر أعيننا بنصر للإسلام واجعلنا ممن يغير ما بنفسه، فيتأثر من حوله. فينهض الجيل وتتغير الأمم، وتتجدد الهمم وتقوم على انقاضها أجيال مؤمنة موحدة لا تخشى إلا الله ولا ترضى الدنية في دينها .... اللهم آمين .
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل