العنوان مالك بن نبي
الكاتب د. هشام الحمامي
تاريخ النشر السبت 16-ديسمبر-2006
مشاهدات 97
نشر في العدد 1731
نشر في الصفحة 44
السبت 16-ديسمبر-2006
حين تسود اللفظية والجمود والسلبية وفقدان الفاعلية والقابلية للاستعمار والانهزام والخضوع، حين يغيب تأثير الروح والعقل، تكون الحضارة وقتئذ قد قاربت على النهاية والأفول، كلمات مشبعة بالمعنى تنقر في القلب نقرأ كما كان يقول الأفغاني، كلمات كأنها منحوتة من صخر الواقع العربي والإسلامي في العصر الحديث، قالها مالك بن نبي أحد الرواد الإصلاحيين الذين قدموا للأمة مشروعًا فكريًا كاملًا للإصلاح وإعادة البناء.
قد يجد المرء بعض الصعوبة في تحديد مكانة مالك بن نبي على خريطة الفكر العربي، هل هو فيلسوف، أم عالم اجتماع، أم باحث في تاريخ الأفكار؟على أنه من المهم أولًا أن تعلم أن مالك بن نبي كان مهندسًا ميكانيكيًا، وممن ساهموا بقوة في إعادة إعمار الجزائر بعد تحريرها، يرصد الباحثون في حياه مالك بن نبي ثلاث مراحل مهمة، المرحلة الباريسية، والمرحلة القاهرية، ومرحلة العودة «۱۹۳۰- ۱۹۷۳م».
مرحلة التأسيس
سبقتهم مرحلة التأسيس الأول -والتي كان الرجل الإصلاح الكبير في الجزائر عبد الحميد بن باديس دور- مهم فيها، ولد مالك عام ١٩٠٥م في أسره محافظة كان لها دور كبير في صياغة وعيه المبكر، فتعلم القرآن واللغة العربية في طفولته، بعد أن حصل على الشهادة الثانوية من الجزائر، ثم سافر إلى باريس قدرس فيها الهندسة، وكان المغاربة -من تونسيين وجزائريين ومغاربة- يشكلون تجمعًا كبيرًا في ذلك الوقت بباريس، فتواصل معهم وأخذ يدعوهم إلى تذكر دينهم وأوطانهم، ولاقت دعوته استجابة كبيرة بينهم، وهو ما أقلق الحكومة الفرنسية منه فتم ترحيله إلى بلاده، ولم يلبث إلا قليلًا حتى عاد ثانية إلى باريس.
ولعل هذه العودة السريعة كانت الأسباب عائليه؛ إذ إنه في سفرته الأولى كان قد تزوج من فرنسية أسلمت وكانت عونًا له في حياته، وحين استقرت به الأمور عمل في صحيفة «اللوموند» وكانت ميوله الفكرية والثقافية قد أصبحت أكثر وضوحًا، فعمل موجهًا تثقيفيًا للعمال الجزائريين، وأتاحت له هذه المهمة الاتصال بالمثقفين والمفكرين الفرنسيين، فأخذ يشرح لهم قضية بلاده، وأكسبته هذه الفترة خبرة كبيرة بدهاليز العقلية الأوروبية في إيجابياتها وسلبياتها، فأوروبا لم تكن لديها «اتجاهات استعمارية» فقط بل قيم حضارية أيضًا، وأثمرت هذه الفترة كتابه الأول «الظاهرة القرآنية» الذي أصدره سنه ١٩٤٧م، وكان له صدى كبير في المكتبة الفرنسية وقتها.
لم تمر سوى سنوات قليلة حتى بدأ الشرق الأوسط يمور -بعدها- بأحداث «السويس» فيذهب مالك إلى مصر، قلب العروبة النابض والتي كانت مركزًا لدعوات التحرر والاستقلال ويمكث بها 7 سنوات كانت من أهم السنوات في اكتمال «مشروعه الفكري الإصلاحي» وكانت أيضًا الفترة التي عرف فيها العالم العربي مفكرًا باسم «مالك بن نبي وأصدر خلال هذه الفترة ثلاثة كتب: تأملات في المجتمع العربي- ميلاد مجتمع- حديث البناء الجديد.
عودته للجزائر
في سنه ١٩٦٣م عاد إلى الجزائر بعد استقلالها من قبضة أبشع استعمار عرفه التاريخ «۱۳۷ سنة» واتجه بطبيعة الحال إلى محيطه الطبيعي، ليقوم بدوره في البناء فكانت «الجامعة» فتولى منصب مديرها ومستشار التعليم العالي، وركز بصره صوب فكرة «الإصلاح الاجتماعي» وهي الفكرة الأساس التي حام حولها كل المصلحين الكبار في خطوهم الأول، وأخذ يجند كل ما حوله من إمكانات لهذه المعركة الكبيرة، لأن الاستعمار الفرنسي كان قد خلف وراءه أطلالًا بالية وأشلاء المجتمع مخنوق الأمل، مهدم البنيان ممزق الشمل تناثرت هويته ولغته ووحدته ومصيره أنقاضًا مع الريح.
عشر سنوات قضاها الرجل في جهاد وعمل دؤوب لا ينقطع بين مشروع إعادة بناء ما تهدم عبر أكثر من قرن في بلاده، وبين مشروعه الفكري لأمته كمفكر إصلاحي، أصدر خلالها أهم كتبه «مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي» و«المسلم في عالم الاقتصاد» و«يوميات شاهد قرن»، وبعد أن أكمل ٦٨ عامًا، وتصعد روحه إلى بارئها.
منهج التغيير
لعل أبرز أثر تركه مالك بن نبي - كرائد من رواد الإصلاح الإسلامي في العصر الحديث- مشروع «الإسلام كمنهج للتغيير» فزيادة على أنه كان مسلم العقل والقلب والوجدان، رأى مالك أن الإسلام -كدين وكمنهج ومنظومة قيم متكاملة- قادر على البناء من نقطة الصفر، فقد استنتج بيقين حضاري وتاريخي أن نهضة أي أمة تتم إذا تهيأت لها نفس الظروف العامة التي تم فيها الميلاد الأول، وهي الفكرة «المفتاح» لكل ما طرحه مالك من آراء تناولت مشكلات الحضارة وميلاد وبناء وإصلاح المجتمعات.
ثلاثة أعمدة
رأى مالك أن البناء الحضاري يرتكز على ثلاثة أعمدة؛ الأفكار والأشخاص والأشياء، هذه الأعمدة الثلاثة موصولة فيما بينها بما أسماه «شبكة العلاقات الاجتماعية» هذه الشبكة هي المظهر التطبيقي والحركي للأفكار والأشياء والأشخاص، فالفكرة التي بلا فاعلية وتأثير هي «فكرة ميتة»، والأشياء التي بلا قيمه ووظيفة هي أشياء باهتة والأشخاص بدائيون دون ترابط اجتماعي يفسر وجودهم وأهدافهم في الحياة.
أصل الأفكار
وعنده أن «الفكرة الدينية» هي أصل كل الأفكار، ومركز الدائرة التي تتسع وتتسع في محيط الفكر الإنساني كله فزيادة على أن الدين رافق تركيب الحضارة الإنسانية من يومها الأول، فهو الذي يغرس في قلوب الناس الإحساس العميق بالمعنى والغاية، وهو ما يعطي الفكرة عمقها النفسي ويمنحها الثبات الموضوعي في الوعي والإدراك ومن ثم في التطبيق.
الجديد في تناول مالك بن نبي لموضوع «الأفكار» أنه تناولها في تفاعلها وتحركها في الحياة وبين الناس، وعلى إيقاع هذه الحركة يكون إيقاع التغيير في المجتمعات، قوه وضعفًا بطئًا وسرعة، تقدمًا وتأخرًا، تطورًا وجمودًا، وهذه هي اللمسة «المالكية» في التناول والمعالجة والتفسير للأعمدة الثلاثة التي ذكرناها سابقًا، والتي تقوم على رصد الحركة والتفاعل والتأثير والتأثر لهذه الركائز الحضارية.
نفس الأمر بالنسبة للأشخاص، فقد تناول مالك، الإنسان في سياق حركته في رحاب الدنيا ما دوافعه؟ ما محركاته؟ ما معوقاته؟ ما إيجابياته وسلبياته، الظواهر الحياتية التي تحوطه والتي هو بالأساس أحد أجزائها.
بيئة واعية
وهو يرى أن الثقافة لا تؤخذ بالتعليم ولكن بالتنشئة في بيئة تعي هذا البعد وتدركه، وينتقد الثقافة العربية في العصر الحديث، ويعيب عليها الميل للفظية والضخامة في الجدل والتبرير وسيادة النزعة الخيالية، وتعاملها مع الواقع بشكل مجزئ لا ككل متحد.
وفي نظرته للدورة الحضارية التي تمر بها الأمم والشعوب، يرى أن أي حضارة تمر بثلاث مراحل:
- مرحلة الصعود وهي مرحلة ذات طابع روحي وأخلاقي بالدرجة الأولى.
- مرحلة الصمود وهي مرحلة ذات طابع عقلي وفلسفي، تكثر فيها الأسئلة وتكثر فيها الإجابات أيضًا.
- مرحلة الهبوط وهي مرحلة ذات طابع غريزي جامح..
- البعد الإسلامي حاضر دائمًا في تجليات بن نبي وأفكاره ورؤاه، فلم يغفل الإشارة في هذه الرؤية لدور الإرادة الإنسانية وينزع عن الدورة الحضارية فكرة «الحتمية» لأنها تتعارض مع المفهوم الإيماني ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ﴾ (الرعد: 11).
ولعل من أروع الإشراقات الفكرية لمالك بن نبي -كمفكر وإصلاحي- قراءته للواقع العربي المأزوم في مرحلة ما بعد الاستقلال فيقدم تحليلًا وتشخيصًا لا يزال قابلًا لتوظيفه في الزمن الحاضر.
أسباب الأزمة العربية
يرى بن نبي أن المجتمعات العربية مرت في النصف الثاني من القرن العشرين بحالة من «خيبة الأمل» فلم يمنحها الاستقلال ذلك الحلم الذي كانت تتطلع إليه في الحياة الكريمة الصحيحة بكل تفصيلاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية، وتشكلت أزمة حقيقية في الواقع العربي، ويقرأ لنا مالك هذه الأزمة قراءة عميقة ويلخص أسبابها في:
- محاولات التجريب المستمرة والمستمدة من ثقافات الغير.
- الغياب الكامل للجماهير في توجيه الشؤون العامة للمجتمع وغياب الديمقراطية.
- غياب النظرية التعليمية التي يتم وفقها تحديد المناهج التعليمية وخطط ووسائل تطبيقها.
- الشخصانية وسيادة إرادة الزعيم الأوحد.
- طرح نظم لا تعبر عن ثقافة الأمة مما يؤدى إلى تسيب في الاستجابة الاجتماعية للمواطنين.
- استمرار الصراع بين النخب والقوى السياسية بصورة تشبه الصراع مع الاستعمار القديم.
- تضخم الدور الوطني للمؤسسة العسكرية.
قدم مالك قراءة بديعة للمشهد الحضاري الإنساني عبر التاريخ بمسحة إضافية من التفكير والتأمل العميق، منحها عمقًا إسلاميًا أكسبها مرونة وسعة ويقينًا في الفهم والتفسير، حاول من خلالها البحث عن الظروف والشروط الأفضل للنهضة، التي تثمر الإنسان المؤمن حامل مشعل الحضارة الإنسانية.
• نشأ في أسرة محافظة وتأثر برجل الإصلاح الجزائري عبد الحميد بن باديس كان يرى أن «الفكرة الدينية» هي أصل كل الأفكار الإنسانية
• من أقواله: الثقافة لا تؤخذ بالتعليم ولكن بالتنشئة في بيئة واعية
الرابط المختصر :