العنوان مازالت تثير قلق ومخاوف السلطة.. حماس.. هل تتحول إلى حزب سياسي؟
الكاتب عاطف الجولاني
تاريخ النشر السبت 05-مارس-2005
مشاهدات 61
نشر في العدد 1641
نشر في الصفحة 23
السبت 05-مارس-2005
- داني روبنشتاين: نتائج الانتخابات البلدية تمثل هزة أرضية سياسية لصالح حماس
بعد فشل محاولات الاستئصال والإضعاف التي استخدمت ضد الحركة طوال السنوات الماضية وطالت رؤوسها وقياداتها، فإن سؤالًا مُهِمًّا تطرحه بعض الأوساط السياسية: هل تنجح محاولات ترويض حماس واستيعابها في اللعبة السياسية تمهيدًا لتحويلها إلى حزب سياسي يتخلى بصورة تدريجية عن خيار المقاومة؟
تغير في موازين القوى: حركة حماس أكدت منذ عدة سنوات أنها تحظى بتأييد أكثر من ٤٠٪ من الفلسطينيين، وكانت تجد على الدوام عنتًا في إقناع الفصائل الفلسطينية الأخرى بذلك، وكان الرد الجاهز لدى تلك الفصائل، وخاصة حركة فتح، أن حركة حماس تبالغ في تقدير حجمها الحقيقي في الشارع الفلسطيني، وأن ادعاءاتها ليس لها ما يبرهنها على أرض الواقع ما دامت لم تُجْرَ انتخابات شعبية موسعة.
ولعبت استطلاعات الرأي التي دأب على إجرائها عدد من مراكز الدراسات المقرَّبة من السلطة الفلسطينية دورًا مهمًّا في التضليل وفي إعطاء مؤشرات غير دقيقة ثبت عدم صحتها حول أوزان القوى الفلسطينية في الأوساط الشعبية، حيث كانت باستمرار تضع حركة فتح في المقدمة وبعدها -وبفارق كبير -حماس.
لكن نتائج المرحلة الأولى من الانتخابات البلدية شكلت صفعة قوية لمصداقية هذه الاستطلاعات التي طالما اعتمدت الأطراف الدولية نتائجها لقراءة خريطة القوى في الشارع الفلسطيني، فالانتخابات أظهرت أن حركة حماس تحظى بتأييد شعبي يصل إلى نحو ٤٠ -٥٠٪ في مناطق نفوذ حركة فتح في الضفة الغربية، وعلى تأييد يصل إلى نحو ٦٥-٧٠٪ في مناطق نفوذ فتح في قطاع غزة. وترجح العديد من المؤشرات أن حركة حماس مرشحة لتحقيق نسب أفضل في المرحلتين القادمتين من الانتخابات البلدية، حيث ستجرى الانتخابات في المدن الكبيرة في الضفة الغربية وفي مناطق نفوذ الحركة في قطاع غزة.
انقلاب سياسي
ولم تخف الأوساط الصهيونية دهشتها من نتائج الانتخابات البلدية التي كرست حركة حماس كقوة أولى في الشارع الفلسطيني لا سيما في قطاع غزة، فقد تحدث المحلل السياسي والخبير الصهيوني في الشؤون الفلسطينية داني روبنشتاين عن «هزة أرضية سياسية» أظهرتها النتائج الجزئية للانتخابات البلدية في قطاع غزة التي قال إنها «جاءت لتحمل معها بشائر هزيمة قاسية لفتح ونجاح كبير لحماس».
ونقل روبنشتاين عن القيادي في حركة فتح وعضو المجلس التشريعي الفلسطيني محمد الحوراني قوله: «هذه هزة صعبة وقوية لنا جميعًا».
وفي رأي روبنشتاين فإن نتائج الانتخابات البلدية في غزة تعتبر بمثابة «مؤشر الواقع سياسي جديد في الساحة الفلسطينية قد يتمخض عن انقلاب في الحكم في المستقبل». بل إنه ذهب إلى القول بأن «صحفيين فلسطينيين يطرحون احتمالية حدوث انقلاب قريب في السلطة الفلسطينية».
وما زاد من قلق روبنشتاين واليهود إزاء نتائج الانتخابات البلدية الأخيرة، ما حمله التأييد الذي حظيت به حركة حماس في تلك الانتخابات من دلالات واضحة على تأييد واسع في الشارع الفلسطيني لخيار المقاومة الذي تتبناه الحركة وتعتمده كخيار إستراتيجي.
تحريض للسلطة: وتزداد مخاوف الصهاينة من احتمالات أن تحقق حماس نصرًا مشابهًا في الانتخابات التشريعية المزمعة منتصف العام الحالي، في حال قررت الحركة المشاركة فيها حيث قال الكاتب والمستشرق الصهيوني غي باخور إنه بات «من الحقائق فوز حماس في الانتخابات البلدية الأخيرة في قطاع غزة بأكثرية مطلقة من المقاعد»، ويخشى أن الحركة «ربما تنتصر أو تصل إلى إنجاز كبير في الانتخابات البرلمانية المتوقعة بعد نصف سنة».
ويواصل باخور حملة التحريض للسلطة وتحذيرها من أنه «يوجد في حماس بعد براجماتي يحترم السلطة بروح الإخوان المسلمين، لكن لا تزال هذه الحركة تريد الاستيلاء على المعسكر الفلسطيني كله وجعله دولة شريعة عدائية بقيادة حماس»، ثم ينتقل باخور إلى تحذير القادة الإسرائيليين من مغبة الانخداع بوهم احتواء حركة حماس في اللعبة السياسية قائلًا: «كما تعرفون، عن أمثال هؤلاء «حماس» يقول المثل الفلسطيني: ما تخاف إلا من «المية» الهادية. هل تعرف إسرائيل هذا المثل؟».
قلق مقابل
وفي نفس الوقت أثارت مخاوف لدى البعض من احتمالات أن تغري تلك النتائج الحركة بالتفكير جديًّا في التخلِّي عن خيار المقاومة والتوجه تدريجيًّا للتحول إلى حزب سياسي يقبل الدخول في اللعبة السياسية وينشغل بالبحث عن مكاسب سياسية ومن ثم الحفاظ عليها.
كما أن بعض الأوساط السياسية الصهيونية والغربية لا تخفِي رغبتها الجامحة بحصول مثل هذا الأمر، وترى أنه سيشكل تحولًا إيجابيًّا مهمًا في حال حصوله رغم تخوفها من أن تتجه الأمور بغير ما تحب وترغب. ورغم قلق تلك الأوساط من تنامِي قوة حماس السياسية والشعبية داخل فلسطين وفي الساحات العربية والإسلامية، فإنها ترغب في أن تغريها نجاحاتها التي حققتها في الانتخابات الأخيرة بإعادة النظر في سياساتها وإستراتيجيتها، بما يتيح المجال لترويضها واحتوائها سياسيًّا ودفعها للتخلِّي عن خيارها العسكري، وبصورة مشابهة لما حصل مع حركة فتح وعدد من فصائل منظمة التحرير التي رفعت شعار الكفاح المسلح، ثم ما لبثت أن تراجعت عنه تدريجيًّا وانتهى بها المطاف لقبول الانخراط في مشاريع التسوية وقبول سياسة التنازلات.
النضج السياسي
ولكن هناك سؤال يطرح نفسه: ماذا عن حركة حماس، وكيف تنظر إلى المسألة؟ وهل تعِي توجهات الأطراف الأخرى؟
المؤشرات الصادرة عن الحركة تؤكد اكتسابها نضجًا وخبرة سياسية متقدمة تجعلها قادرة على إدراك توجهات الأطراف الأخرى، وعلى تقييم الأمور بصورة واعية تصدر عن تقدير دقيق للمعطيات وقراءة متبصرة المسار الأحداث، والمتمعن في سياسات الحركة وأدائها على الأرض، يلمس قدرة كبيرة على التعامل بنجاح مع معطيات معقدة قد تبدو متناقضة يصعب فهمها واجتياز مآزقها ومنعطفاتها.
قادة الحركة يؤكدون تمسكهم بالمقاومة كخيار إستراتيجي لا يتوقف ما استمر وجود الاحتلال الصهيوني، ويرون أن الدور البارز للحركة في مقاومة الاحتلال وفي ميدان العمل السياسي والشعبي، وما حققته من نجاحات في تلك المجالات، يؤهلها لتكون لاعبًا أساسيًّا مؤثرًا في الساحة الفلسطينية. ويرون أن تخوفات البعض من إمكانية أن يؤثر فعل الحركة السياسي على تمسكها بخيار المقاومة، إنما تعبر عن مشاعر إيجابية تنبع من الحرص على استمرارية مشروع المقاومة.
وتؤكد حماس وقادتها أن تحولها إلى حزب سياسي وتخليها عن خيار المقاومة، ليس واردًا في تفكير الحركة وحساباتها، وأن عملها السياسي لا يمكن أن يكون على حساب المقاومة التي تشكل نقطة الارتكاز في مشروعها. وترى الحركة أن افتراض تناقض بين مشروع المقاومة وبين العمل السياسي هو افتراض موهوم، وإن الخوف من ترويض الحركة واحتوائها وحرفها عن مسارها ونهجها كما حصل مع فصائل أخرى تخوف مبالغ فيه، تنفيه تجربة الأعوام السبعة عشر الماضية من عمر الحركة، حيث حافظت خلالها على توجهاتها، بل وطوّرت مشروعها المقاوم بصورة مطردة.
الرابط المختصر :