; ماركس يموت في الصين | مجلة المجتمع

العنوان ماركس يموت في الصين

الكاتب عبد الرحمن الناصر

تاريخ النشر الثلاثاء 08-يناير-1985

مشاهدات 62

نشر في العدد 699

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 08-يناير-1985

تناولنا في العدد الماضي من مجلة المجتمع أهم أحداث عام 84 على الساحة الخليجية والعربية والإسلامية والدولية وفي حينها جعلنا من كارثة الجوع التي تجتاح القارة الأفريقية الحدث الأول على الساحة الدولية، وهذا أمر بديهي نظرًا لطبيعة الحدث التي تتخطى في جانبها الإنساني كل المعطيات والجوانب المتعلقة بالأحداث الدولية الأخرى.

ونحن اليوم بصدد تناول ما نعتقد أنه أهم الأحداث الدولية بروزًا ليس في عام 84 فقط، بل على مدى عدة عقود مضت من الزمن، هذا الحدث يتمثل في التحول الظاهر في الصين الشيوعية نحو نبذ الفكر الماركسي الذي عاشت من خلاله لفترة تمتد إلى ما يقرب من أربعين عامًا.

مضمون الحدث:

خلال النصف الأول من شهر ديسمبر الماضي فوجئ العالم بمقال يتصدر صحيفة الشعب الصينية الناطقة بلسان الحزب الشيوعي الصيني يتضمن هجومًا كبيرًا ونقدًا لاذعًا للنظرية الماركسية التي عاشت الصين من خلالها منذ استيلاء ماوتسي تونغ على مقاليد السلطة في تلك البلاد.

وقد جاء في المقال: لقد مات ماركس قبل مائة عام وقد طرأت تغييرات جسيمة على صياغة آرائه أننا لا نستطيع الرجوع إلى مؤلفات ماركس ولينين لحل مشكلاتنا القائمة اليوم.

وتابعت الصحيفة تقول: إن الأوقات آخذة في التبدل ومن السذاجة والبلاهة أن نتمسك بالنظام الماركسي إذا أردنا أن نسير بالصين نحو حياة معاصرة، لأن أعمال كارل ماركس مؤسس الماركسية أصبحت بالية.

وعللت الصحيفة ما ذهبت إليه بقولها: إن الأفكار الماركسية لم تعد صالحة للوضع الحالي لأن ماركس وأنجلز ولينين لم يعايشوا الأوضاع الحالية، وأن مؤسسي الماركسية لم يعهدوا المشاكل التي نواجهها اليوم ولذلك فإننا لا نستطيع الاهتداء بالنظرية الماركسية اللينينية لحل المشاكل الحالية.

خلفيات الحدث:

أثر المفاجأة التي أحاطت بالعالم أجمع لما ورد في صحيفة الشعب الصينية علق دبلوماسيون غربيون في بكين على الحدث بقولهم أنها المرة الأولى التي تقلل فيها الحكومة الصينية من مكانة الفكر الماركسي، ومع أن ما ذهب إليه الدبلوماسيون الغربيون فيه شيء من الصحة، نظرًا لأن مقال الصحيفة كان الأول من نوعه بالنسبة للتعرض العلني الرسمي للفكر الماركسي، لكن الحقيقة التي لا يمكن أن تغيب عن أذهان المراقبين والمتتبعين لأوضاع الصين الشعبية تؤكد على أن ما ذهبت إليه صحيفة الحزب الشيوعي الصيني كان نتيجة طبيعية للخط الفكري الذي انتهجته القيادة الصينية الجديدة التي أمسكت بزمام الأمور بعد وفاة ماوتسي تونغ عام 1976، وتمكن هذه القيادة من تصفية جيوب الماوية التي كانت تتزعمها أرملة ماو.

وكانت المعالم الأولى لهذا الخط قد بدأت ملامحها مع إعلان الزعيم الصيني الجديد «وينغ هسياو بنغ» نهاية الثورة الثقافية «التي فجرها ماوتسي تونغ بغرض تحقيق المزيد من التشدد الماركسي في البلاد»، والبدء في بناء تصور جديد لبلد مريض بعسر الهضم اليساري ومن هنا كانت انطلاقة القيادة الجديدة نحو انفتاح الصين على الغرب الرأسمالي، والبدء في التخلي التدريجي عن النظرية الماركسية، وقد وضح ذلك تمامًا من خلال الخطوات التي اتخذتها هذه القيادة منذ تسلمها مقاليد السلطة وحتى تاريخ صدور الإعلان التاريخي بسقوط النظرية الماركسية عبر صحيفة الحزب الشيوعي الصيني في الشهر الماضي.

مراحل التغيير التدريجي:

قلنا إن الإعلان الأخير حول التخلي عن الماركسية لم يكن وليد يومه إنما بعد مراحل وخطوات تدريجية بدأت تظهر ملامحها أثر وفاة ماوتسي تونغ مباشرة، ويمكننا هنا أن نستعرض بعض هذه الخطوات للتأكيد على صحة ما ذهبنا إليه من أن ملامح التغيير بدأت منذ ظهور القيادة الجديدة.

- كانت الخطوة الأولى تتركز في عودة الزعامات الصينية المناوئة لماوتسي تونغ كالزعيم الحالي وينغ هسياو بونغ الذي يعتبر الرجل الأقوى في الصين، وكان وينغ قد أقيل واعتقل إبان الثورة الثقافية بسب اتجاهاته الإصلاحية، وبعودة وينغ سقطت معظم القيادات الماوية وعلى رأسها تشيانغ تشينغ أرملة ماو ورئيسة ما وصف بعصابة الأربعة.

- أعقب تغير القيادة وذهاب القيادات الماوية إلى غير رجعة تغيير في نمط التفكير لدى قيادات الحزب الشيوعي الصيني،  ففي أول تقرير سياسي حزبي وردت عبارة «في سبيل بناء دولة اشتراكية حديثة» وكان ورود كلمة حديثة كافيًا للتدليل على وجود نية تحديث الاتجاهات الاشتراكية، كما ورد في التقرير جملة تقول أن التخلف الاقتصادي في عالم اليوم وفي حقول التكنولوجيا يعني التعرض للهزيمة باستمرار، وهذه الجملة مع كلمة التحديث السابقة اعتبرا نقدًا مباشرًا للخط الذي كان سائدًا أيام ماو الذي كان يعيش حلمًا ثوريًا بعيدًا عن مسارات الواقع مما أدى إلى استمرار حالة التخلف في الأمة الصينية.

- لوحظ خلال انعقاد الجمعية الوطنية «البرلمان» بعد عهد ماو وجود زعامات دينية وعناصر تمثل طوائفها ومناطقها فقد كان من بين هذه الزعامات رجال دين مسلمون ومسيحيون وبوذيون.. وهؤلاء جميعهم كانوا منبوذين ومعزولين أيام حكم ماوتسي تونغ، تقيدًا بالنظرية الماركسية التي ترفض الدين، بل وتعتبره أفيون الشعوب. وهذا الإجراء من جانب القيادة الجديدة يعتبر بمثابة تطور مهم في بلد تحكمه العقيدة الشيوعية.

- وضع خطة لتطهير الحزب من جميع الأعضاء الذين يمثلون خطًا متشددًا وقد التحق معظم هؤلاء بصفوف الحزب إبان الثورة الثقافية التي قادها ماوتسي تونغ، ومن أجل هذا التطهير بدأت مراكز الحزب بمراجعة سجلات كافة الأعضاء، وتقول مصادر حزبية أن حملة التطهير ستستمر لتنال أكثر من ثلاثة ملايين شخص.

ونحن هنا في هذه المقالة لا يسعنا الإحاطة بكافة الخطوات السابقة على الإعلان الصيني بالتحرر من الماركسية، وما عرضناه ما هو إلا بعض الخطوات ضمن قائمة طويلة من الخطوات التي اتخذتها القيادة الشيوعية التي خلفت ماو، وكانت خطوة إزاحة الهالة القدسية التي وصفت حول ماو من أهم الخطوات التي أدت إلى طمس سريع لجميع المعالم والتعاليم الماوية التي سادت أنحاء الصين على مدى ثلاثين عامًا تقريبًا.

الانفتاح الاقتصادي في الصين:

يعتبر الجانب الاقتصادي من أكثر الجوانب أهمية في النظرية الماركسية ولهذا فإن ما يصيب هذا الجانب من آثار سلبية يؤدي إلى زعزعة الثقة بالنظرية الماركسية، وما يحدث في الصين ما هو إلا ترجمة فعلية لهذه المقولة، فبعد ثلاثة أو أربعة عقود من انتصار الثورة الشيوعية في الصين بزعامة ماوتسي تونغ، بدأت خيبة الأمل تنتشر على نطاق واسع بين الشعب الصيني حيال العقيدة الشيوعية وأضحى الشباب الصيني يبدي تساؤلات عديدة لم يجد جوابًا عليها، وكانت القضايا الاقتصادية ومقارنتها بين الدول الشيوعية والرأسمالية من أهم التساؤلات التي أبداها الشباب الصيني.

وعلى ضوء أزمة الثقة هذه بدأت أفكار الانفتاح الاقتصادي تطغى على عقول واهتمامات معظم أفراد الشعب الصيني ولهذا فقد لاقت الإجراءات الاقتصادية التي بدأتها القيادة الصينية قبولًا واسعًا من جانب معظم الشعب الصيني، وفي مقدمة هذه الإجراءات كان إدخال بعض قوى السوق الحرة في الاقتصاد الصيني، وتشجيع المبادرة الفردية واعتماد أسلوب الاقتصاد الحر المحدود، والتركيز على التعاون الاقتصادي مع البلدان الرأسمالية كالولايات المتحدة وأوروبا الغربية.. كما تم إلغاء مبدأ الأجر المتساوي الذي كان سائدًا في عهد ماوتسي تونغ وأقرت القيادة الجديدة مبدأ المسؤولية الإنتاجية الذي يربط الأجر بحجم الإنتاج.

ومن أهم مظاهر التحول عن النظام الاقتصادي الماركسي تبني القيادة الجديدة لمبدأ قبول الاستثمارات الأجنبية، وقد سمحت الحكومة للقطاع الخاص بمزاولة الأعمال التجارية الخاصة المستثمرة برأسمال أجنبي وفي هذا تقول صحيفة العلم الأحمر الناطقة باسم الجيش الصيني «إن إدخال بعض الرأسمالية إلى النظام الاقتصادي الصيني سيكون مفيدًا لزيادة الطاقة الإنتاجية في البلاد».

وما ذهبت إليه الصحيفة الصينية يؤكد على أن الحوافز والدوافع المادية من العوامل المهمة في زيادة الطاقة الإنتاجية.

ماذا بعد الإعلان الصيني:

عرضنا آنفًا بعض العوامل المحيطة بالإعلان الصيني الخاص بالتحول التدريجي عن العقيدة الماركسية، ولكن يبقى السؤال الذي يمكن أن يتبادر إلى الذهن حول ماذا بعد الإعلان الصيني؟ نقول إن هذا الإعلان لن يدعنا نذهب بعيدًا إلى حد الاعتقاد بأن الصين قد تخلت عن نظامها الشيوعي وأنها بصدد الإعلان عن اعتماد النظرية الرأسمالية لأن هذا الاعتقاد لا يتفق مع حقيقة الأشياء، فالنظام الشيوعي مضى عليه ما يقرب من أربعين عامًا، وأنه لمن الصعب التحول عن هذا النظام نظرًا لأن جميع وسائل الإنتاج ما زالت مملوكة للدولة الأراضي والمصانع المواد.

ولكن يمكننا القول إن الإعلان الصيني وما سبقه من خطوات وإجراءات هي بمثابة خطوات أولية ضمن مسيرة طويلة وشاقة لوأد النظرية الماركسية إلى الأبد، ومن هنا فإن ما يتم على الساحة السياسية يدور مع هذا المخطط، فبريطانيا تتفق مع الصين على تسليمها مستعمرة هونغ كونغ ذات التوجهات الرأسمالية والتقارب الأمريكي الصيني ربما يؤدي إلى تخلي الولايات المتحدة عن تايوان ودفعها نحو الاندماج في الصين الشعبية لتشكل الصين التاريخية جدارًا قويًا أمام الأطماع السوفياتية ولتشكل قوة ضاغطة على النظام الشيوعي الروسي؛ حيث إن نجاح الصين في مسيرتها الجديدة نحو الابتعاد عن الماركسية ربما يؤدي إلى حدوث اهتزازات داخل المجتمع الشيوعي السوفياتي، وهنا أيضًأ نتساءل هل يمكن للاتحاد السوفياتي أن يقف متفرجًا على ما يجري في الصين؟

فشل الشيوعية:

إن المسار الجديد للسياسة العقائدية في الصين يدل دلالة قطعية على فشل الفكر الماركسي، والضربة التي وجهت لهذا الفكر في عقر داره يجب أن تكون حافزًا للآخرين من اتباع هذه الفكر وخاصة في عالمنا العربي الإسلامي على التفكير ألف مرة ومرة في انحراف هذا الفكر وتعارضه مع الفطرة الإنسانية السليمة التي جبل عليها الإنسان. 

الرابط المختصر :