العنوان مارتن إنديك.. أخطر سفير أمريكي يعين لدى «إسرائيل»
الكاتب عمر ديوب
تاريخ النشر الثلاثاء 04-أبريل-1995
مشاهدات 55
نشر في العدد 1144
نشر في الصفحة 45
الثلاثاء 04-أبريل-1995
بقلم: آل كامين «واشنطن بوست» (*)
·
«إنديك
يعمل على إخفاء ميوله الصهيونية حتى يمكنه تقديم أجل الخدمات لإسرائيل في الإدارة
الأمريكية».
·
مارتن
إنديك لم يحصل على الجنسية الأمريكية إلا في عام 1993م ويعتبر أول سفير أمريكي
يهودي لدى «إسرائيل»
·
إنديك
ضابط سابق في الاستخبارات الأسترالية وليس لديه أية خبرة دبلوماسية سابقة.
واجه وزير الخارجية الأمريكي وارين كريستوفر
مشكلة عويصة في الصيف الماضي عندما كان على وشك اختيار سفير جديد للولايات المتحدة
في «إسرائيل»، وكان عليه أن يختار شخصًا يرتاح معه الإسرائيليون ويعتبرونه خبيرًا
في عملية السلام ويسهل عليه في نفس الوقت الوصول إلى كبار المسؤولين. وبعد بحث
متواصل وجهود مضنية، وجد كريستوفر ضالته في شخص مثالي ألا وهو: مارتن إنديك.
وقد تولى إنديك منصب مساعد مدير مجلس الأمن
القومي لشؤون الشرق الأوسط، كما كان مساعدًا مقربًا للرئيس كلينتون لشؤون الشرق
الأوسط، إلى جانب كونه خبيرًا بارزًا في شؤون المنطقة، ورئيسًا سابقًا لمراكز
التفكير "Think Tanks"
المناصرة لإسرائيل، كما أن إنديك كان يحظى بتقدير كبير من جانب الوزير كريستوفر
ومستشار الأمن القومي إنطوني ليك.
وإذا كان من المرجح أن تقوم لجنة العلاقات
الخارجية في الكونجرس بإقرار تعيين إنديك في ذلك المنصب، فإن اختياره يعتبر خروجًا
عن العادة، كما أن مجرد ترشيحه لمنصب السفير في «إسرائيل» يكشف في الوقت ذاته كيف
تمكن أستاذ جامعي زائر -فضلًا عن كونه أستراليًّا- من المناورة في عالم مراكز
التفكير إلى التربع على قمة السلك الدبلوماسي الأمريكي في غضون بضع سنوات.
وإذا ما تم إقرار تعيين إنديك في هذا المنصب
الجديد، سيكون أول سفير يهودي يعين لدى «إسرائيل» منذ قيام الدولة اليهودية، وذلك
مخالف للعرف السائد منذ مدة طويلة لدى وزارة الخارجية الأمريكية التي دأبت على
الاعتقاد بأن إرسال يهودي كسفير إلى «إسرائيل» -أو يوناني إلى اليونان أو إيطالي
إلى إيطاليا- سيؤدي حتمًا إلى صراع المصالح بين البلدين.
وقد يكون إنديك آخر مواطن أمريكي يحصل على
الجنسية الأمريكية حديثًا ويتم إرساله إلى الخارج لتمثيل بلاده -فقد نشأ في
أستراليا ثم أصبح مواطنًا أمريكيًّا في شهر يناير 1993م، وكان ذلك قبل أسبوع من
قيام الرئيس بيل كلينتون بتعيينه بمنصب مدير لدى مجلس الأمن القومي. وعلاوة على
ذلك فإن إنديك قد يكون أول سفير سبق [أن] عمل لدى استخبارات دولة أخرى، حيث كان في
عام 1978م نائبًا لمدير الاستخبارات الخاصة بالشرق الأوسط في أستراليا، كما أن
إنديك البالغ من العمر 43 سنة، سيكون أول سفير إلى إسرائيل، منذ 1973م، يتم تعيينه
في هذا المنصب دون خبرة سابقة في السلك الدبلوماسي، فلم يتسلق إنديك السلم الوظيفي
الطويل في الخارجية الأمريكية، ولم يقايض أيضًا هذا المنصب مقابل تقديم مساهمات
سياسية، بل إنه مولع بالسياسة وكان النزاع العربي الإسرائيلي محور اهتماماته
السياسية.
وعلى الرغم من غرابة خلفيته، فإن إنديك يحظى
بتأييد لدى أوساط السياسة الخارجية. وقد ذكر وليام كوانت -وهو مساعد سابق للرئيس
كارتر وغالبًا ما كان يختلف في الرأي مع إنديك- أن هذا الأخير يتمتع بصفات تؤهله
ليكون سفيرًا جيدًا؛ حيث «إنه يمتاز بمهارات دبلوماسية جيدة كما يتسم بالذكاء
السياسي».
ويحظى إنديك أيضًا بتأييد من قبل منظمة
التحرير الفلسطينية، ويؤكد ذلك ما ذكره حسن عبدالرحمن -مندوب المنظمة في واشنطن-
حيث قال: «لا تهمنا ديانة إنديك وخلفيته الثقافية ذلك أنه يفهم سياسة المنطقة
ونستطيع العمل معه، إن ولاءه لـ«إسرائيل» إلى جانب ما يتمتع به من بصيرة صائبة قد
يكون في خدمة عملية السلام، وإن أي فرد يهتم بجوهر المصالح الإسرائيلية ويتمتع
برؤية مستقبلية ثاقبة سيقف حتمًا إلى جانب تحقيق سلام عادل مع الشعب الفلسطيني».
بيد أن هناك من يأخذ على إنديك ارتباطه الوثيق
بالجماعات المناصرة لإسرائيل، فهناك وليام هارون -سفير أمريكا السابق لدى
«إسرائيل»- والذي وصف ترشيح إنديك لهذا المنصب بأنه «خطأ فادح يسيء لليهود
وإسرائيل والولايات المتحدة ولعملية السلام».
الصعود الخاطف
ويرجع إنديك فضل صعوده الخاطف إلى رغبة أمريكا
في الترحيب بكل من يملك فكرة صائبة وقسطًا من الطاقة والطموح، ويشيد المعجبون به
وبذكائه الذي ينم عن عبقرية المقاول الذي ينجح دائمًا في شد التأييد السياسي القوي
والدعم المادي السخي، كما أن ابتسامته الملطفة تذكر بالممثل الكوميدي البريطاني
تيري توماس، في حين يصفه منتقدوه بأنه داهية برزت مهاراته في تكوين الشبكات
وانتزاع الانتصارات السياسية في مدينة تعج بالضالعين في هذا المجال.
وقد روى إنديك في الماضي لبعض أصدقائه
والمراسلين عن الأسباب التي دفعته إلى الهجرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث
ذكر أنه ترك عمله لدى الاستخبارات في أستراليا؛ لأنه كان يشعر بالإحباط نتيجة
المعارك البيروقراطية التي كانت تشهدها تلك الأجهزة، إلى جانب كون اهتمامه منصبًّا
في منطقة واحدة فقط، ألا وهي منطقة الشرق الأوسط.
إن إنديك الذي يحمل درجة الدكتوراه في
العلاقات الدولية من جامعة أستراليا الوطنية قد عمل على سبيل الهواية في مجال
التدريس الجامعي لمدة ثلاث سنوات قبل أن يكتشف أن الطلبة في أستراليا قد فقدوا
حماسهم [لدراسة] شؤون الشرق الأوسط كما تجاهلها البيروقراطيون، ولم يلبث أن طلب
إجازة للتفرغ العلمي لمدة ستة شهور للعمل لدى جامعة كولومبيا في عام 1982م. وأثناء
وجوده في نيويورك، دعاه صديق قديم له إلى مساعدته في إنشاء إدارة البحوث التابعة
للوبي الصهيوني القوي المعروف باللجنة الأمريكية الإسرائيلية للشؤون العامة
«إيباك».
ولم تمضِ سنة على وجود إنديك في تلك الإدارة
إلا [وانتابه] الإحباط مرة ثانية؛ ذلك أن الأبحاث التي كان يقدمها لم تؤخذ على
محمل الجد، لأن «إيباك» كانت تنظر إليها على أنها هيئة وضعت من أجل الدعاية
لإسرائيل، وفي نفس الوقت كان يراود إنديك شعور بأن مراكز التفكير التقليدية في
واشنطن كانت موالية للعرب إلى أبعد الحدود.
وبفضل دعم تلقاه من أحد أعضاء مجلس إدارة «إيباك»
وتبرعات بلغت قيمتها مائة ألف دولار أمريكي، ومعظمها من الجماعات اليهودية في
أمريكا، تمكن إنديك من الوصول إلى منصب المدير التنفيذي لمعهد واشنطن للشؤون
السياسية في الشرق الأدنى، وذلك في مطلع عام 1985م.
الابتعاد عن «إيباك»
وكان من الضروري الحيلولة دون تحول هذا المعهد
إلى مركز آخر للدراسات الأكاديمية. وقد ذكر أحد العاملين فيه في بداية إنشائه:
إننا لم نكن نشعر بأن مهمتنا كانت محصورة في نسج الأفكار، بل كنا نحاول التأثير
على الخريطة السياسية للبلد، فقد نظرنا بدقة إلى طبيعة محيط صناع السياسة
الأمريكية، وكنا نسعى إلى التأثير عليهم وتثقيفهم أيضًا، وكان يراودنا شعور بأن
السياسة الأمريكية آنذاك كانت قائمة على اقتراحات خاطئة كان من واجبنا العمل على
تغييرها وجعلها أكثر تأييدًا «لإسرائيل».
بيد أن إنديك كان يدرك تمامًا أنه كان من
الأهمية بمكان نأي المعهد الجديد عن «إيباك» حرصًا على مصداقية ذلك المعهد، كما
أنه كان يدرك أهمية الاستماع إلى وجهات النظر العربية ونشرها، إلى جانب حرصه على
التأكيد على رفضه الشديد بوصف ذلك المعهد على أنه جزء أو فرع من «الإيباك»، أو أنه
مناصر لـ«إسرائيل»، بل كان يؤكد على أنه جهة مستقلة و«موالية لأمريكا».
ويعترف منتقدو إنديك بشيء من الندم بنجاح هذا
الأخير في إعادة تحديد دوره هو شخصيًّا وكذلك دور ذلك المعهد. وقد ذكر جيسي زغبي
-وهو مدير المعهد العربي الأمريكي- «أن ما عمله إنديك ورفاقه هو إخفاء ميولهم
لإسرائيل مع تحدي كل من يجرأ على إثبات العكس، وقد نجحت بالفعل تلك الخطة».
وقد ذكر كانديت «أن إنديك نجح في تحويل ذلك
المعهد إلى منظمة جادة وذات مصداقية، حيث كان ينتظر من إنشائه بأن يصبح سندًا
للإيباك، وبالفعل كان يبدو كذلك في البداية، ولكن إنديك جعله أكثر استقلالية».
وقد ارتفعت ميزانية المعهد على نحو سريع إلى
أن تجاوزت مليون دولار أمريكي، وعمل فيه عشرة موظفين، ثم أصبح مركزًا للنقاش حول شؤون
الشرق الأوسط؛ بل فاق الإقبال عليه معدل الإقبال على المراكز الفكرية التقليدية.
وقد انضمت إلى هيئة مستشاري المعهد كوكبة من
الشخصيات البارزة من أمثال ولتر مونديل -نائب الرئيس سابقًا- وجورج شولتز،
وألكسندر هوج -وزيري الخارجية سابقًا- وجين كيرك باتريك -سفيرة أمريكا سابقًا لدى
الأمم المتحدة.
وقد صرح خليل جهشان -رئيس الرابطة الوطنية
للعرب الأمريكيين- أن ما قام به إنديك يعتبر أكبر إنجاز يتم تحقيقه في مجال تشكيل
الجماعات الضاغطة «اللوبي» والتأثير على صنع القرار منذ أن وطئت قدماي تراب هذه
المدينة وذلك قبل 20 سنة مضت.
مستشار من الطراز الأول
كان إنديك في عام 1988م أحد الزعماء اليهود
الذين كان يستشيرهم مايكل دوكاكيس -مرشح انتخابات الرئاسة وحاكم ولاية ماساتيوشيت
آنذاك- حول قضايا الشرق الأوسط. وفي بداية عام 1989م [أشرف] على دراسة ركزت على
التدرج والتمهل في عملية السلام مع بناء ثقة متبادلة بين الإسرائيليين
والفلسطينيين. وقد تولى ستة أشخاص ممن قاموا بإعداد تلك الدراسة مراكز قيادية من
بين صناع القرار في ظل إدارة الرئيس جورج بوش.
وقد كان إنديك مستشارًا للرئيس بوش لشؤون
الشرق الأوسط في عام 1989م، وقد دعاه إلى تولي هذا المنصب دينيس روس الذي تعارف مع
إنديك عندما عملا معًا داخل «إيباك»، وقد كان دينيس روس رئيسًا للتخطيط السياسي
لدى الخارجية الأمريكية في ظل إدارة الرئيس بوش، وأصبح اليوم مسؤولا عن السياسة
الخاصة بالشرق الأوسط.
وأثناء الحملة الانتخابية الرئاسية التي شهدها
عام 1992 م، كان إنديك ومعهده يزودون المشورة للديمقراطيين والجمهوريين على حد
سواء.
غير أن الجهود التي بذلها إنديك من أجل
كلينتون كانت أكثر بروزًا، فقد كان يقدم النصائح للرئيس في عام 1991م، قبل إعلان
هذا الأخير عن ترشيح نفسه، وقد استشاره الرئيس بعد تلك السنة ثلاث مرات، كما أعد
له إنديك دراسة سياسة خاصة بفريق عمل الرئيس أثناء الفترة الانتقالية.
وكان رأي إنديك المستسقى من خلال كتاباته
وخطاباته هو الاستمرار على نهج الرئيس جورج بوش، غير أنه كان يعتقد بأن نهاية
الحرب الباردة وهزيمة العراق في حرب الخليج، وانتخاب حكومة من العمال في «إسرائيل»
-كل هذه العوامل مجتمعة- قد أتاحت للرئيس كلينتون فرصة ذهبية لدفع عملية السلام
إلى الأمام.
وقد ذكر مصدر حضر جلسات الاستشارة بين الرئيس
كلينتون وإنديك، حيث ذكر هذا الأخير للرئيس أن بإمكانه الحصول على أربع اتفاقيات
قبل نهاية فترة ولايته الأولى: واحدة بين إسرائيل والمنظمة، وثانية بين إسرائيل
والأردن، وثالثة مع لبنان، ورابعة مع سوريا. وقد ذكر المصدر أيضًا أن الرئيس
كلينتون عقب على ذلك قائلًا: «هذا ما أصبو إليه بالفعل».
وعندما عرض مدير مجلس الأمن القومي أنطوني ليك
على إنديك منصب مستشار لدى البيت الأبيض في منتصف شهر ديسمبر 1992م، كانت هناك
عقبة أمام قبول إنديك لذلك المنصب، ذلك أنه لم يكن آنذاك مواطنًا أمريكيًّا، ولو
أنه قد حصل على الإقامة في أمريكا (الجرين كارت) في عام 1987م، وقد طلب الحصول على
الجنسية الأمريكية في منتصف عام 1992م، وبعدها بقليل أكمل الخمس سنوات المطلوبة
للحصول على الإقامة الدائمة.
وقد شارك في امتحان الحصول على الجنسية لدى
إدارة الهجرة والجنسية في أرلينغتون حيث أخطأ في سؤال واحد وهو عن عدد أعضاء
الكونجرس، وقد أقسم اليمين الدستوري للحصول على الجنسية في حفلة جماعية أقيمت لدى
المحكمة الفيدرالية بتاريخ 12 يناير 1993م.
وبعد مرور 10 أيام على ذلك التاريخ زاول إنديك
عمله كمستشار في البيت الأبيض، واحتج العرب الأمريكيون على تعيينه في ذلك المنصب،
حيث صرح السيد جهشان بأنه «لم يكن من الحكمة اختيار شخص معروف بانحيازه فيما يختص
بقضايا الشرق الأوسط لكي يتحكم في المعلومات التي تمر به قبل أن تصل إلى مكتب
الرئيس»، لكن جهشان لم يبد أي اعتراض على ترشيح إنديك لمنصب السفير إلى «إسرائيل».
غير أن عضو الكونجرس سابقًا والرئيس الوطني للجنة الأمريكية العربية لمكافحة
التمييز العنصري جيمس رزق قد اعترض على ذلك الترشيح، ولو أنه أضاف بأن إنديك بوجوده
هناك، سوف يعود على أمريكا بضرر أقل من بقائه في «البيت الأبيض».
أما هاروب فقد علق قائلًا بأنه إذا كان ترشيح
إنديك بمثابة مخالفة العادة على عدم إرسال يهودي سفيرًا لأمريكا في إسرائيل، فإنه
من الخطأ أيضًا ترشيح شخص كان يعمل في «ايباك» -تلك اللجنة المعروفة بولائها
الكبير لإسرائيل- فضلًا عن أنه لم يمض على حصول إنديك على الجنسية الأمريكية إلا
عامان فقط.
ويقول مؤيدو إنديك إن خلفيته ستساعده على
التحدث بكل صراحة مع المسؤولين الإسرائيليين، وأكد ذلك سفير أمريكا في «إسرائيل»
سابقًا صمويل لويس قائلًا: «لا أعتقد أن هناك شخصًا آخر أحسن من إنديك في تولي ذلك
المنصب؛ ذلك أن إنديك يحظى بالمصداقية لدى الحكومات العربية، كما سبق [أن] اضطلع
بدور رئيسي في عملية السلام، إلى جانب معرفته معرفة تامة لكل الأطراف المعنية،
فضلًا عن قدرته على التفوق على أي شخص آخر في إحراز النتائج الإيجابية في هذا
المضمار».
(*) ترجمه إلى العربية: عمر ديوب.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل